الخميس , نوفمبر 15 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / إسبرين شرم الشيخ وسرطان الإسكندرية

إسبرين شرم الشيخ وسرطان الإسكندرية

سامح المحاريق/ كاتب أردني

سامح المحاريق

شرم الشيخ كانت عنوان عصر الرئيس مبارك، وكانت أيضاً تمثيلاً لمنهج متكامل في الإدارة في مصر، فبعد أن فقدت الإسكندرية مكانتها في منتصف الثمانينيات مع أزمة الصرف الصحي التي وجدت الحلول في تصريف مخلفات المدينة إلى الشواطيء بصورة مباشرة، وجدت الطبقات المقتدرة لنفسها فسحة معقولة في الهرب تجاه الساحل الشمالي وقراه التي بدأت تتزاحم على الطريق بين الإسكندرية ومنطقة العلمين. فكان ذلك يستوعب أعداداً كبيرة من الفئات التي استطاعت أن تدفع تكلفة الانتقال إلى الوجهة الصيفية الجديدة، بينما بقيت الإسكندرية تعاني من مشكلاتها التقليدية على الرغم من كل عمليات التجميل التي خضعت لها منطقة الكورنيش.
الأمر نفسه كان عنواناً للتعامل مع المصايف التقليدية في منطقة شرق الدلتا بلطيم ورأس البر، فكان الهرب تجاه الاسماعيلية ومنها إلى سيناء حلاً للعائلات المقتدرة، وبقيت الخرائب التي عبرت عن الإهمال ومحدودية الفكر في مواجهة المشكلات من نصيب الطبقات الفقيرة والمسحوقة.
منهج مبارك كان يقوم على تجاهل المشكلة كليةً واختراع حلول جديدة في مكان بعيد، بمعنى الهرب إلى الأمام، وبذلك يمكن تفهم قصة شرم الشيخ، مدينة جديدة سياحية ومنتجع على مستوى عالمي يمكنه أن يمثل وجهة مثالية للباحثين عن الشمس والجو المعتدل، ويمكن للسائح أن يعتقد بعد مغادرته بأنه كان في زيارة لمصر، بينما مصر تقع في مكان آخر، وحتى في قارة أخرى غير التي تضم المنتجع الشهير.
شرم الشيخ كانت رسالة مصر (مبارك) إلى العالم، مدينة هادئة ونظيفة تحتضن أفضل شباب مصر تعليماً وأكثرهم انفتاحاً، ولكن السائح لم يكن يعلم بأن كل وجه يقابله في شرم الشيخ يحمل وراء ابتسامته الدافئة قصة تعبر عن إحباط شخصي وقنوط عميق من فشله في مدينته الأصلية، القاهرة أو الاسكندرية أو المنصورة أو طنطا، حلماً مجهضاً بأن يكون مواطناً فاعلاً في مجال تخصصه الأصلي في وطنه الحقيقي.
شرم الشيخ كانت بعيدة عن المصريين، فالمصريون يجدون مشقة كبيرة في الوصول إلى هذه المدينة، كما أن الأغلبية الواسعة منهم لا تستطيع تغطية تكلفة الإقامة في المدينة، ولذلك من الطبيعي إلى حد كبير أن يتعامل المصريون مع شرم الشيخ من واقع الانفصال العاطفي، وبذلك اكتسبت جهود بعض الجهات الحكومية والشركات في القطاع الخاص لمنح موظفيها الفرصة لزيارة المدينة بعد أن هجرها السياح الروس والبريطانيون في أعقاب سقوط الطائرة الروسية، قدراً من المبالغة العاطفية في ردود الفعل، فالجميع يعرف أن هذه الموجة من التشجيع هي مجرد حالة مؤقتة، تشبه رجلاً يصر على أن حبة إسبرين يمكن أن تصلح علاجاً لشخص يعاني من سرطان الرئة.

الإسكندرية المدينة المركزية الثانية بعد القاهرة كانت عنوان المشكلة في مصر مبارك، فالمدينة أهملت أمام تغول القاهرة واحتياجاتها المتزايدة، وأصبحت عاصمة الجاليات الأوروبية في مصر، والعاصمة الثقافية الأوسطية الحاضنة الدافئة للتيارات السلفية والمتطرفة، كما شهدت مرافقها إهمالاً جسيماً جعلها تمثل خطورة بيئية على مجالها الحيوي، ولذلك فإن غرق المدينة أتى ليوقظ بعضاً من الأسئلة المحرجة. وكان تدخل القوات المسلحة لتعمل على صيانة شبكات المياه والصرف الصحي في المدينة تعطي نتيجة مختلفة وتسحب من رصيد علاقة الشعب مع الجيش، فالمصريون استشعروا بالمشكلة التي يعايشونها من فشل من الأنظمة الإدارية وأدوات الحكم المحلي من خلال مشاهدة الجيش يتورط في مواجهة مع الصرف الصحي، بينما كان يتوقع المصريون أن يكون جيشهم في مواقع أخرى يفرض هيبة مصر ويذكر أعداءها المتنوعين والمتجددين بقدرتها على فرض إرادتها وقوتها.

قبل أن تتفجر مشكلة الإسكندرية كان المحافظ هاني المسيري يمثل صورة غير معهودة بين رجال الدولة في مصر، يشبه نجوم سينما الشباب ويبدو منتمياً بالكامل إلى جيل (مارينا) و(شرم الشيخ)، علماً بأن المصري العادي يبدو غير ملم بعد بالتفاصيل التي تتعلق بجيل العين السخنة، وما زال رجاله الذين يصعدون اليوم إلى صفوف متقدمة مجهولين بالنسبة للمصري في حياته اليومية. وعلى الرغم من أن رفضاً محلياً واسعاً تزايدت حدته بين أهالي المدينة المشهورين بقدرتهم على السخرية والتهكم، إلا أن المسيري بقي يفجر الأزمة بعد الأخرى حتى لحظة استقالته، ليحدث الانهيار في نموذج الإدارة المحلية مع إنهيار آخر في سمعة المنظومة الأمنية مع كارثة الطائرة الروسية.
من أين يمكن أن يتم البحث عن حلول جديدة لمصر، خاصة بعد فشل نموذج شرم الشيخ ومنهج مبارك المتعامي عن المشكلات والأزمات، إلى متى ستبقى مصر غارقة في مشكلات التنمية المحلية، من يستطيع اليوم أن يحدد مجرد البداية في مواجهة قضايا متشابكة ومعقدة وثقيلة؟ ومن يستطيع فوق ذلك أن يدفع التكلفة الباهظة لذلك كله؟
كانت العاصمة الإدارية الجديدة جزءاً من منهج مبارك في التعامل مع القضايا، ويبدو أن القدر يتدخل لمصلحة مصر مع تباطؤ زخم المراهنة على هذه العاصمة وتخفيض سقف الطموحات تجاهها، خاصة بعد إلغاء مذكرة التفاهم مع الشريك الإماراتي لإصراره على الحصول على تمويل من البنوك المصرية بدلاً من استقطاب تمويل عالمي للمشروع.
ومع أن جمال حمدان المفكر والجغرافي المصري المختص في الموضوع كان تحدث في موضوع العاصمة الجديدة منذ أكثر من ثلاثة عقود مقترحاً نقل عاصمة مصر إلى مدينة المنيا التي تتوسط مصر تقريباً، إلا أن الإصرار على البداية من جديد والبحث عن حلول في مناطق تستطيع أن تستوعب مزاجاً عاماً لعقلية (الكومباوند) يبدو أنه الطريقة المثلى من أجل تحقيق انتصارات سريعة وتقديم صورة ملونة وزاهية تستطيع أن تعطي آمالاً بالمستقبل للملايين بينما في الحقيقة هي لا تقدم سوى فرص جديدة لبضعة آلاف من المستفيدين، سواء من صفقات الأراضي أو مشروع التطوير العقاري.
مصر تحتاج إلى منظومة إدارة عامة متكاملة الأدوار من التخطيط إلى الرقابة مع وجود إمكانيات التصحيح والتوجيه، أما الأبطال فإنهم يظهرون في لحظات تاريخية معينة ليخطفوا الأضواء قليلاً دون أن يتمكنوا بالطبع من إحداث التغيير الجذري، فالأمر ربما يحتاج رجالاً على قدر كبير من الحيادية والبرود من أجل أن يقودوا عملية منظمة للتغيير.
مصر وقعت أسيرة في شخصية المنقذ والمخلص، والسيسي نفسه بدأ يصرح بأنه يواجه ضغوطاً غير عادية، ويبدي انزعاجه من الانتقادات التي يواجهها باختلاف نبرتها من المعاتبة إلى المتربصة، والمشكلة أن الرئيس السيسي وغيره لا يستطيعون أن يتفهموا حركة التاريخ وتباين المراحل في متطلباتها حتى لو كانت دون فواصل زمنية تذكر. فالبريطانيون مثلاً لم يمنحوا تشرشل فرصة ليستمر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأن الرجل ينتمي لعصر الاستعمار شكلاً ومضموناً، ولذلك صنعوا له التماثيل وجعلوه الصورة المثالية للجنتلمان الإنجليزي، وليس أكثر من ذلك.
كان على عبد الناصر أن ينسحب في مرحلة معينة وأن يعيد السلطة للشعب، ولكنه رفض ومن يومها أصبحت السلطة (على) الشعب، واعتلت أصنام عبد الناصر العقول والقلوب، وأصبحنا شعوباً ما زالت إلى اليوم تمتهن صناعة الأصنام ومن ثم تحطيمها من جديد.
وحتى المنجزات سواء كانت مدناً أو سدوداً أو شبكات من الطرق تحولت إلى أصنام صغيرة تتحلق بالصنم الكبير. وفي الأصل هي مجرد مرافق يجب أن تخدم من صنعت من أجلهم لا أن تتحول إلى فاتورة عليهم أن يسددوها بغض النظر عن استفادتهم منها، فالمصري الذي كان يعتبر شرم الشيخ وجهه المناسب الذي يقدمه للعالم، كان يدرك بصمت أنه لن يستطيع بإمكانياته المادية أن يحظى بعطلة أسبوعية ليومين في هذه المدينة. ومع ذلك تحمل صامتاً تكلفتها عليه لأنها وفرت طوقاً لنجاة البعض من آلاف الشباب الذين وجدوها نسخة محلية من الاغتراب.

القدس العربي، 26/11/2015

شاهد أيضاً

التهدئة في غزة من منظور المصلحة الإسرائيلية

حيدر إبراهيم المصدّر باحث في مجال الإعلام السياسي والدعاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *