الإثنين , أكتوبر 23 2017
الرئيسية / ترجمات عبرية / الدول العربية وإمتحان التاريخ

الدول العربية وإمتحان التاريخ

 

شمعون شمير

a1417150251

 

بين السنوات 1980 ـ 2000 سجلنا 7700 اختراعاً بينما سجل العرب 370 اختراعاً فقط!

بدأ ينكشف أن القرن الواحد والعشرين مليء بالكوارث بالنسبة للعالم العربي. قوى قبلية وعرقية ومحلية ودينية وغيرها تحارب السلطات وتحارب بعضها البعض. الدول تفقد وحدتها بل وتتفكك، الشرخ التاريخي بين السنة والشيعة يعود ليقسم العرب وقوات الإسلام الجهادية تتعزز في أراضي الدول العربية. إضافة إلى النقاش التفصيلي لهذه الظواهر، فإن السؤال هو ما هي تأثيراتها على التاريخ الواسع ودخول الدول العربية إلى الحقبة العصرية.
منذ دخول العالم الغربي إلى داخل العالم العربي الإسلامي قبل 200 سنة. قض مضاجع العرب سؤال لماذا هم، حاملي ميراث الحضارة والتقدم، يجدون أنفسهم في مكانة دون. وكيف يمكن أن يصبحوا مثل الدول المتطورة.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان عليهم مواجهة أربعة تحديات: الأول، إنشاء دول سيادية مع أجهزة ومؤسسات ناجعة تعتمد على المواطنين الذين يشاركون فيها. الثاني، تطوير قدرات إنتاجية تكنولوجية من أجل المنافسة على المستوى الدولي من ناحية اقتصادية. الثالث، وضع الإسلام في إطار يغذي المجتمع بالقيم مثل الهوية والتضامن وفي نفس الوقت تحييد القوات العنيفة التي تسعى للعودة إلى الوراء. الرابع، التخلص من تأثيرات الكولونيالية الغربية والعمل في الساحة الدولية كلاعبين مستقلين.

الأنظمة الإنقلابية العربية
هذه الأمور أصبحت ذات صلة حينما حصلت الدول العربية على الإستقلال في منتصف القرن العشرين تقريبا، حيث بدا في حينه أن تحقيق هذه التحديات الأربعة قد بدأ، وصعدت إلى الحكم في عدد من الدول العربية أنظمة إنقلابية هي الناصرية والبعثية التي أخذت هذه المهمات على عاتقها. فقد قامت هذه الأنظمة بتقوية أجهزة الدولة وإقامة المؤسسات الرسمية وتفعيل مؤسسات خدماتية وتعليمية من أجل زيادة حاجة الفرد للدولة. وقد قاموا بتأميم الإنتاج وأنشأوا المصانع وأرسلوا الكثيرين إلى الجامعات على أمل إحداث التقدم العلمي والتكنولوجي في بلادهم. وأطلقوا على ذلك إسم «الاشتراكية العربية». وتم تبني الإسلام في المجال الرمزي والكلامي. كانت هذه الأنظمة علمانية وقامت بقمع الحركات الإسلامية وقضت على المرتكزات العسكرية الأجنبية ورفضت المظلات الاستراتيجية الأجنبية مثل «حلف بغداد». كان الهدف هو الدخول إلى الساحة الدولية كقوة عالمية، كجسم أفروآسيوي، وأطلقوا على هذه الظاهرة «الحياد الايجابي» أو عدم الانحياز.
الواقع العربي في الوقت الحالي مختلف كثيرا. خطأ الباحثين الرئيس هو أنهم آمنوا بـ «صحيح أن المجتمع ضعيف في منطقتنا، لكن الدولة قوية». وقد اتضح أن الأجهزة القمعية والإستخبارات لا تعكس الحصانة، بل العكس. وحينما جاءت الهزات الكبيرة انطلقت قوى لا تعود للدولة، كان الجميع يعتقدون أنها تلاشت في ظل الدولة العصرية. فسقطت بعض الدول وأخرى تصارع على بقائها وإستقرارها.
من زاوية النظر الآن يصعب تفسير هذه الظاهرة. يبدو أن الدول العربية كانت كيانات فارغة. وإطار الفهم لها كان ضعيفا، ولدت هذه الدول في العصر الحديث وكان ينقصها الاسم ـ لأن هذه الكيانات لم تكن قائمة في الماضي. تم أخذ كلمة «دولة» من القاموس. ومفهوم دولة أشار في الأصل إلى السلالات الصاعدة والهابطة، أي السلطة. واستمرت أجزاء كبيرة من المجتمع تتعاطى مع الدولة على أنها مماثلة للسلطة، وتُجذر الفهم أنه حين يسقط النظام فان الدولة تسقط.
لم يتم التعاطي في الغرب على أنه إذا سقط النظام فإن الدولة ستسقط، بل ذلك سيقود إلى إقامة نظام ديمقراطي بدلا من النظام القمعي. لكن التجربة الصعبة أظهرت أن إسقاط النظام يُسقط الإطار نفسه وبديل ذلك هو الفوضى. هذه أيضا هي جذور فشل شباب «الربيع العربي»، حيث تبين أنه يمكن إسقاط النظام القمعي لكن ليس هناك بنية مناسبة، من الناحية الاصطلاحية والمؤسساتية، من أجل اقامة نظام ديمقراطي، ولا مناص من الاستنتاج أنه في هذه المرحلة فإن معظم الدول العربية قادرة على الاستمرار وبنوع من الاستقرار فقط تحت أنظمة قمعية ديكتاتورية. ومهمة إنشاء دول حسب النموذج الغربي المتطور ما زالت غير قابلة للتحقق.

إقتصاد العرب وتقدمهم العلمي
اخفاقات مشابهة كانت أيضا في الاقتصاد. صحيح أنه حدثت عمليات تطوير في الدول العربية أدت في العقود الأخيرة إلى نمو اقتصادي واضح، وبعضها أصبحت غنية جدا (قطر هي الدولة الأغنى في العالم من حيث مستوى المعيشة للفرد، والكويت تأتي في المكان السابع).2000px-Arab_League_(orthographic_projection)_updated.svg
لكن العملة الأجنبية المطلوبة من أجل استيراد الطعام والحاجات الحيوية تم الحصول عليها من المصادر الطبيعية مثل السياحة والعمال الذين يعملون في الخارج، وفي حالة مصر ـ قناة السويس. في الأسواق العالمية لا توجد تقريبا منتجات من صنع عربي. والمقارنة بين مصر وكوريا الجنوبية تؤكد ذلك. فعلى العكس من مصر، كوريا الجنوبية تقوم بتصدير كل شيء الآن، من التكنولوجيا العالية وحتى السيارات والسفن. وإقتصادها أكبر من الاقتصاد المصري بخمسة اضعاف.
النمو السريع للاقتصاد العالمي يعتمد على المعرفة، والدول التي لا تملك المعرفة تبقى في الخلف، وفي معظم الدول العربية فان المعارف المطلوبة من أجل الانتاج ليست بالمستوى المطلوب. تقرير الأمم المتحدة حول «التطور الانساني العربي» من عام 2002 أطلق على ذلك اسم «عجز المعرفة»، الأمر الذي هو سبب من ثلاثة اسباب للتخلف العربي. المعرفة في الوطن العربي غير كافية لأن المدارس والجامعات لا تكفي وما زال التعليم فيها يعتمد أسلوب التلقين.

العجز في المعرفة ينبع أيضا من عدم الانفتاح على العالم بشكل كبير، نسبة الترجمة في العالم العربي قليلة جدا. فقد وجد تقرير الأمم المتحدة من العام 2003 أن رقم الترجمة في العالم العربي للشخص الواحد خلال السنوات الخمسة الاخيرة من نهاية القرن العشرين كان 4.4 مقابل 519 في هنغاريا أو 920 في فرنسا.

حتى لو قامت جهات عربية بالانفتاح على العالم وقامت باستيراد التكنولوجيا ـ فإن الفائدة محدودة. التكنولوجيا العالمية تصبح قديمة بسرعة إلى درجة أن من لا يشارك في انتاجها لا يمكنه المنافسة بشكل فعال. يوجد اليوم وزن حاسم للتجدد والابداع، لكن هذه المميزات نادرة في العالم العربي. دول الخليج أيضا التي تبدو شكليا وكأنها دول عصرية ومتطورة ما هي إلا مستهلكة لانتاج العالم المتطور ولا تشارك في الانتاج. وحسب نفس التقرير فان جميع الدول العربية قد سجلت في الولايات المتحدة 370 اختراع فقط بين السنوات 1980 ـ 2000 في الوقت الذي سجل فيه الإسرائيليون 7.700 اختراع والكوريون الجنوبيون 16.300 اختراع. عدد الباحثين لكل مليون شخص في العالم العربي هو 300 في حين أن المتوسط العالمي هو 900، أي ثلاثة اضعاف. ونتيجة لذلك فان نسبة البطالة في الدول العربية هي الأعلى في العالم حيث تبلغ 30 ـ 50 بالمئة.

فشل الأنظمة العربية في القضاء على الإسلاميين
إن وضع الإسلام في إطار معين لم ينجح في العالم العربي، حيث أن القوات الإسلامية لم يتم كبحها، رغم الجهود الكثيرة التي بذلت لذلك. جمال عبد الناصر وضع في السجون الآلاف من أعضاء الإخوان المسلمين. حافظ الأسد ارتكب مجزرة ضدهم في حماة. الجيش الجزائري شن حرب دموية على الإسلاميين ونفس الأمر في دول أخرى. مقارنة خارطة الأسلمة بين نهاية القرن العشرين وبين اليوم تكشف عن زيادة كبيرة. ففي عام 2000 كان الإسلاميون مجرد مجموعات صغيرة وسرية، نشاطها محدود. أما في عام 2015 فهي قوات مقاتلة ومسلحة بأسلحة متطورة ومحصنة في مناطق واسعة في العالم العربي.
وهم لا يشكلون خطرا على السلطات المحلية فقط، بل أيضا على القوات الأجنبية التي تؤيدها. في الـ 15 سنة الأخيرة تم تنفيذ عمليات كبيرة لم يكن لها مثيل في الماضي، عمليات 11 أيلول وحتى العمليات الأخيرة في باريس.
وفي الـ 5 سنوات الاخيرة بالتحديد زاد عدد القتلى بسبب العمليات الإسلامية في عدد من الدول، وأحيانا كان ذلك عشرة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة.
يبدو أن الفشل في مواجهة الأسلمة ينبع من أن مواجهتها كانت بالقوة فقط. لم يتم إعطاء الاهتمام بأن الأسلمة ليست “إرهاب” فقط بل هي تمثل أولا وقبل كل شيء فكرة، حيث أنه في ظروف الأزمة في المنطقة فإنها عامل جذب للكثير من المسلمين. وقد فشلت الدول في طرح فكرة مقابلة رغم أن هذه الفكرة كانت جاهزة: في النصف الأول من القرن العشرين ظهرت في أوساط المسلمين تيارات ليبرالية قامت بالفصل بين الدين والدولة وكان فيها كثير من المثقفين. إلا أن الأنظمة في الدول العربية رفضت هذا الخيار واتخذت طريقا وسطا حيث تم دمج نواقص كل الخيارات. لم يوجد في الدول العربية زعيم يستطيع أن يُحدث بشجاعة الإنقلاب المطلوب لكبح الإسلام وإنشاء نظام مستقر يتقدم مع الوقت.
لم تتحقق أيضا طموحات جيل الإستقلال الأول وهي منع وجود فراغ بعد إنسحاب الكولونيالية. إشارة أولى للفشل ظهرت في عهد عبد الناصر الذي تحول إلى بطل العالم العربي حينما طرد 10 آلاف بريطاني من مصر، لكنه جلب بدلا منهم 20 ألفا من الإتحاد السوفييتي (الذين طردهم السادات). التحول الواضح حدث في حرب الخليج الأولى حينما حاربت الجيوش العربية في إطار تحالف برئاسة الولايات المتحدة ضد زعيم عربي كان «السور العربي الواقي» في مواجهة إيران. هكذا استمر الأمر: قوات الناتو أسقطت معمر القذافي في ليبيا والإيرانيون دخلوا إلى العراق وسوريا، ويعبر الاتراك من الشمال، ويتدخل الروس في الحرب إلى جانب الأسد وفرنسا تطلب من دول الاتحاد الاوروبي المساعدة في الحرب ضد داعش والقوات الأمريكية التي انسحبت من المنطقة عادت إليها في العراق وسوريا.
في مقالة نشرت في الإيكونوميست في 5/7/2014 حول العالم العربي يشتكي الكاتب من أن «الحضارة التي قادت العالم ذات مرة متحطمة الآن». وهو يقول إن العرب يعانون من اندثار حضارتهم. هذه الأمور ذكرتني بنجيب محفوظ الذي كان من أوائل المؤيدين للمصالحة مع “إسرائيل” حيث قال إن السلام مطلوب «من أجل إعادة إحياء الحضارة». لا شك أن التطورات في المنطقة تؤثر على “إسرائيل”، وسيكون من الخطأ الشماتة بجيراننا والتفاخر بـ «الفيلا في الغابة». فحدودنا ليست محصنة أمام العنف الذي ينتشر حولنا وسلامة جيراننا متعلقة بسلامتنا.

هآرتس 29/11/2015

شاهد أيضاً

إيران مثل كوريا الشمالية لا تتأثر بتهديدات إدارة ترامب

يوسي ملمان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *