الجمعة , سبتمبر 21 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / المانحون ضاقوا ذرعاً من إعادة إعمار غزة

المانحون ضاقوا ذرعاً من إعادة إعمار غزة

ميتشل هوخبرغ

باحث في معهد واشنطن
A general view shows delegates attending the Gaza reconstruction conference in Cairo October 12, 2014. Egypt, which brokered a ceasefire between Israel and the Palestinians in Gaza after a 50-day war, used a reconstruction conference in Cairo on Sunday to call for a wider peace deal based on a 2002 Arab initiative. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: POLITICS)

في أعقاب حرب غزة الأخيرة عام 2014، تعهدت الدول المانحة بتقديم أكثر من 3.5 مليار دولار من المساعدات الإنسانية والإنمائية، ولكن وفقاً لتقرير “البنك الدولي” الصادر في آب/أغسطس 2015، لم يتم تقديم سوى 35% من الأموال الموعودة. فالدول الغربية المانحة، بما فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، قدمت معظم المساعدات والتزمت بتعهداتها بالكامل تقريباً. وفت قطر وتركيا، وكلاهما داعمتان لـ «حماس»، بـ 10% و 29% من تعهداتهما تباعاً، وهي نسب إجمالية كبيرة نوعاً ما. وأخيراً، فإن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، المتحالفة ضد حماس وجماعة الإخوان المسلمين على نطاق أوسع، قد وفت كلها بالمقابل بأقل من 13% من تعهداتها. أما مصر من جهتها فلم تتعهد بتقديم المعونة لغزة، بل سعت لتقويض اقتصاد غزة من خلال إغلاق معبر رفح وتدمير الأنفاق على طول الحدود بين مصر وغزة.

وبالنسبة لبلدان الشرق الأوسط، إن قرار إرسال المعونة إلى غزة هو نتيجة للتنافس السياسي. فداعمو «حماس» يساعدون التنظيم بكل حماسة على تحسين الظروف المعيشية في القطاع في محاولة منهم لمساعدة حليفهم وتعزيز شرعيته، في حين تعمد الدول المعارضة، الحذرة من تقوية حماس، إلى الحد من الأموال المقدمة وصرفها عن طريق وكلاء ومنظمات دولية على غرار الأمم المتحدة.

وتشكل الهواجس الإنسانية الشغل الشاغل للمانحين الغربيين، الأمر الذي يبرر تقديمها المعونة بشكل سريع وتام، ولكن العديد من البلدان شككت في الحكمة من إنفاق المزيد من الأموال على مشاريع تقوم “إسرائيل” بتدميرها لاحقاً. وأعرب الدبلوماسيون الأوروبيون على وجه التحديد عن قلقهم من تدمير مشاريعهم في غزة والضفة المحتلة، حتى أنهم تباحثوا باحتمال مطالبة “إسرائيل” بالتعويض عن المشاريع الإنسانية المدمَّرة. ويعتبر المسؤولون الأوروبيون أن التعنت الإسرائيلي هو العائق الأساسي أمام حل النزاع ويخشون احتمال أن تؤدي المعونة الغربية بشكل غير متعمد إلى إطالة فترة الاحتلال الإسرائيلي من خلال تغطيتها تكاليف الاحتلال. وبالنظر إلى أن المفوضية الأوروبية تقدر الخسائر التي سببتها “إسرائيل” من خلال تدمير مشاريع الاتحاد الأوروبي وتلك الممولة من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في كل من الضفة المحتلة وقطاع غزة من أيار/مايو 2001 إلى تشرين الأول/أكتوبر 2011 بـ 29.4 مليون يورو، من غير المستغرب أن يأتي دبلوماسي غربي على ذكر “التعب الملحوظ لدى الجهات المانحة” نتيجة “تعرض مشاريع البنى التحتية التي ساهمنا بها” للتدمير.

56239f5b22f624683d9d1a9c8fa4add9

وبالرغم من استمرار تدفق المعونة، أثّر تعب الجهات المانحة على قدرة المنظمات الدولية على مواصلة جمع التبرعات لصالح المشاريع التنموية الكبرى والعمل الإنساني الموسع. ووفقاً لروبرت بايبر، «نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط»، “إن احتمال تعرض المشاريع المنجزة اليوم للتدمير لاحقاً في حال تجدد النزاع… يجعل الحصول على التمويل أكثر تعقيداً، سواء لإعادة إعمار المنازل المدمرة كلياً أو لإنجاز المشاريع الإنمائية الواسعة النطاق”.

ويقارن بايبر العمل الإنساني المتواصل، كترميم المنازل وتوزيع الطعام والمحافظة على البنى التحتية التعليمية، بالجهود الأكبر مثل بناء منازل جديدة وإنشاء خط كهربائي بقوة 161 كيلو فولت لمحطة لتحلية المياه وتحويل عمل محطة الطاقة في غزة إلى الغاز الطبيعي. وتتخلى الجهات المانحة عن هذه المشاريع الواسعة النطاق التي تهدف إلى الاستثمار في مستقبل غزة، خشية اندلاع حرب أخرى. وأشار بايبر أيضاً إلى أن هؤلاء المانحين بأنفسهم يحدون من هذه المشاريع خشية تمكين حماس وتزويد هذا التنظيم الإسلامي بمواد بناء قد تُستخدم لصنع الأسلحة. ومن وجهة نظر بايبر، إن المصالحة الفلسطينية التي تعزز الدور غير العنيف للسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح، يمكنها طمأنة المانحين وزيادة المساعدات.

إلا أن شبح الحرب المستقبلية قد لا يثبط عزيمة المانحين، بل يدفعهم إلى الاستثمار في تدابير من شأنها تقليص فرص النزاع. ويفيد مايكل هيرتسوغ – عميد متقاعد في جيش الاحتلال الإسرائيلي – أن المانحين هم “بالأحرى مندفعون لبذل المزيد من الجهود … من أجل تأخير الجولة التالية من النزاع”. بعبارة أخرى، قد تؤدي الهبات التي تحسن نوعية الحياة في غزة إلى تغيير حسابات حماس الاستراتيجية.

ويستمر المانحون بتمويل إعادة إعمار غزة لأسباب سياسية إنسانية. بيد أن الوعد المتمثل بتجدد الحرب بين “إسرائيل” وحماس يدفع المانحين إلى تجنب تمويل المشاريع الكبرى والمشاريع الجديدة لتطوير المساكن، الضرورية ليس فقط لإدارة الظروف المعيشية في غزة بل لتحسينها أيضاً. ولا يُعزى هذا السلوك إلى تعب الجهات المانحة فحسب، إذ أن غياب المصالحة الفلسطينية والأولويات المتنافسة والسياسات الإقليمية تلعب كلها دوراً بارزاً أيضاً. ولكن في ظل انعدام الأمل بإحراز تقدم ملموس، سيبقى المانحون مترددين حول الاستثمار في مشروع مكتوب له الفشل.

شاهد أيضاً

محمود عباس وصفقة القرن.. نظرة أعمق من البروباغندا

سعيد الحاج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *