الأربعاء , ديسمبر 13 2017
الرئيسية / آراء وتحليلات / خطوط المعركة الإيرانية

خطوط المعركة الإيرانية

 

22311-765x510

لا يمكن للمخاطر أن تكون أعلى لانتخابات 26 شباط الإيرانية لمجلس النواب ومجلس الخبراء، وهو الهيئة المكلفة بانتخاب وتغيير المرشد الأعلى للبلاد، مع بلوغ المرشد الأعلى علي خامنئي لعمر 77، فمن المرجح أن الاجتماع القادم سيحدد خليفته، وربما إعادة تشكيل مسار الجمهورية الإسلامية.

 

يتبع هذا الاقتراع الاتفاق النووي في تموز 2015، الإنجاز الكبير للرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي انتُخب لحل الصراع الطويل بين إيران والغرب، إن فوز سياسته الخارجية يمكن أن يعزز حلفائه البراغماتيين والسماح لهم بكسب اليد العليا في المجلس التشريعي، إذا حدث العكس، فإن روحاني سيكون عرضة للتحول، مما سيهدد احتمالات إعادة انتخابه في عام 2017. وبالتالي فإن التصويت يأتي في وقت مضطرب، وقد فتحت عملية رفع العقوبات أبواب البلاد على العالم الخارجي، وعلى الرغم من أن هذا الانفتاح يمكن أن يحيي الاقتصاد المتداعي في إيران، إلا أن بعض القادة الإيرانيين يخشون من أن هذا سيجعل البلاد عرضة للتأثير الخارجي والتحرر السياسي، كما ويهدد رفع العقوبات أيضاً الشركات المملوكة للدولة التي ازدهرت في الاقتصاد الإيراني المغلق، وتحاول العديد من هذه الشركات الآن إما منع البلاد من الانضمام للأسواق العالمية أو ضمان أن تظل هي المستفيد الرئيسي من الاقتصاد، بالإضافة إلى تقرير المستقبل السياسي في إيران، فإن هذه الانتخابات تحدد أيضاً مصيره الاقتصادي لأن هذا الإصلاح الاقتصادي والعقود الرئيسية الخاصة، لاسيما في مجالات النفط والغاز الطبيعي، سيتطلب موافقة الهيئة التشريعية. ولكن قبل كل شيء، تمثل المنافسات الانتخابية فصل آخر في الصراع على روح الجمهورية الاسلامية في لحظة حاسمة من تاريخها.

 

إسلامية أو جمهورية؟

في قلب الجمهورية الإسلامية يكمن مزيج متناقض من السيادة الشعبية والسلطة الدينية، ومنذ عام 1979، كان هناك هوة فصلت بين رجال الدين والجمهوريين في إيران، الذين يعتقدون أن شرعية الحكومة لا تنبع من العناية الإلهية بل من الإرادة الشعبية، وتحت رعاية الزعيم الديني الكاريزماتي للثورة، آية الله روح الله الخميني، تمكن رجال الدين من تطهير أنصار النظام الجمهوري، الذين كانوا يساريون ثوريون علمانيون في الغالب.

 

لكن بعد وفاة آية الله الخميني عام 1989، انقسم رجال الدين إلى مجموعتين: البراغماتيين والمتطرفين، وقد دعا السابقون إلى الاستقرار وإعادة الإعمار بعد عشر سنوات من الحرب مع العراق، مقلصة بذلك جدول الأعمال الثورية الأخير، والذي تضمن سياسات اقتصادية وسياسة خارجية عدوانية، وقد ذهب البراغماتيون إلى تعديل الدستور الإيراني من خلال إنشاء مجلس المراجعة الذي ألغى منصب رئيس الوزراء، وتقسيم النظام السياسي إلى رئيس منتخب شعبياً ومجلس موحد، وقد أنشأت التغييرات التي أقرت في استفتاء حزيران عام 1989 مجموعة متنوعة من الهيئات الدينية للإشراف على السلطتين التنفيذية والتشريعية، التي هي في الأساس لحماية الطبيعة الدينية للنظام، على الرغم من أنها يمكن لها أن تتدخل في أمور دنيوية، ويقوم مجلس صيانة الدستور، وأحد من أبرز هذه الهيئات، بدراسة المرشحين للمناصب الانتخابية وتقييم التشريعات ظاهرياً لضمان توافقهم مع مبادئ الإسلام ومع الدستور الإيراني.

 

أصبحت الانقسامات السياسية في إيران أكثر تعقيداً في أواخر التسعينيات، عندما وصل الاحتكاك بين المكتب الجديد للمرشد الأعلى خامنئي والرئيس هاشمي رفسنجاني إلى آفاق جديدة، وقد تصاعدت التوترات في الانتخابات الرئاسية لعام 1997 التي وضعت خيار رفسنجاني، محمد خاتمي، ضد رجال الدين الذين سعوا إلى تركيز السلطة في مكتب المرشد الأعلى، فاز خاتمي بالانتخابات، ولكن هذا الانقسام دفع رفسنجاني، وهو زعيم مؤثر للثورة، نحو الجمهوريين.

 

عندما كان خاتمي، وهو جمهوري براغماتي، غير قادر على إضعاف قبضة الهيئات الدينية مثل مجلس صيانة الدستور، أدى هذا الإحباط الشعبي لصعود الجمهوريين الراديكاليين، الذين فازوا في الانتخابات البرلمانية عام 2000، وبقيادة جبهة المشاركة وحزب الثقة الوطنية، قام الراديكاليين بالضغط للقيام بالإصلاحات السريعة، بما في ذلك إطلاق سراح السجناء السياسيين وتعزيز حرية الصحافة.

وقد تأرجح البندول مرة أخرى عامي 2004 و 2005، عندما قام التيوقراطيين المتطرفين، بقيادة محمود أحمدي نجاد وحزبه (أباد جاران ايران إسلامي) الذين استفادوا من الصراع مع الجمهوريين الراديكاليين، بالقبض على البرلمان والرئاسة، وقد قاموا أيضاً بتهمش الجمهوريين في إنتخابات 2009 الرئاسية، التي تم التنازع عليها بشدة، من خلال سجن السياسيين البارزين والناشطين والصحفيين، ولكن حكمهم شهد توقف الاقتصاد وترنح البلاد على حافة المواجهة العسكرية بسبب الأزمة النووية، وهذا مهد الطريق لعودة الجمهوريين من خلال روحاني في عام 2013.

 

المشهد الفئوي

 

إن تداخل الميزات الجمهورية واللاهوتية في إيران يجعل من الصعب وضع جماعات سياسية على الخط وسط أحزاب اليمين واليسار التقليدية، وكان المحور الاقتصادي القياسي الذي تحول من اشتراكي إلى سوق حرة، ذو صلة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، ولكنه لم يعد كذلك، إذ تتبنى معظم الفصائل نسخة من التحرر الاقتصادي الأن، كما إن الانقسام الإصلاحي المحافظ، غالباً ما يستخدم لاختزال التمييز بين أولئك الذين يؤمنون بالإصلاح الذي يسير بخطى معتدلة من أولئك الذين يدافعون عن التغيير البطيء، وهذا مشكلة على حد سواء، فقد ذهب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي غالباً ما يدعى بالمحافظ الصامد، الى أبعد من ذلك بكثير من سلفه، “الإصلاحي” خاتمي، في تحويل المؤسسات التنفيذية وإصلاح الاقتصاد، خاصة من خلال إنهاء الدعم الحكومي وخصخصة ما يقرب من 90 في المئة من الشركات المملوكة للدولة.

 

حتى إن السياسية العامية الخاصة بإيران يمكن أن تكون مربكة، وقد تم تحديد بعض الفصائل على أنها “متطرفة”، مثل جبهة الصامدون المحافظة  (جبهة بايداري)، الذين يعارضون في الواقع التغيير الجذري، وتسمى المجموعات التي تسعى إلى الإصلاح الجذري غالبا “بالمعتدلة” لأنها تتبنى سياسة خارجية تصالحية نسبياً ومعايير اجتماعية ليبرالية إلى حد ما، كما يتم استخدام تسمية “المعتدلين” أيضاً لبعض السياسيين الوسطيين مثل رفسنجاني وروحاني الذين تتوافق سياساتهم الخارجية مع سياسات الإصلاحيين، ولكن من هم أكثر تحفظاً عندما يتعلق الأمر بالسياسات الاجتماعية.

 

إن أفضل طريقة لتحليل الجماعات السياسية في ايران هو استخدام نظام تصنيف من شقين، الأول يميز بين المجاميع من خلال فهمهم لمصادر الشرعية السياسية: رجال الدين يسعون للحفاظ على هيمنة المرشد الأعلى، بينما يؤيد الجمهوريين المؤسسات المنتخبة شعبياً، أما الثاني يهتم بالبراغماتيين، الذين يسعون للحفاظ على الوضع الراهن، ضد المتطرفين الذين يسعون إما العودة إلى المبادئ الأصلية للثورة أو تملك ميول رجعية قوية، مع الأخذ بهذه العناصر جميعها، فإن هذا أسفر عن أربع مجموعات سياسية منفصلة :

يؤمن رجال الدين بحكم المشيئة الإلهية، ويدعون للتحرير الاقتصادي، وتبني المعايير الاجتماعية الإسلامية المحافظة، ويرون اشتباك لا مفر منه في المصالح بين إيران والغرب، وهم الحرس القديم للجمهورية الإسلامية، ويسيطرون على غالبية المؤسسات غير المنتخبة في إيران، وخامنئي في هذه المجموعة.

يؤمن رجال الدين البراغماتيين بالعناية الإلهية، لكنهم يدعمون السياسات الاقتصادية الشعبوية، والدولتية، وإعادة التوزيع لتعزيز العدالة الاجتماعية، كما ويلتزمون أيضاً بالتقاليد الاسلامية التقييدية ويتبعون سياسة خارجية مواجهاتية على أساس وجود معركة مع الغرب ولتعزيز الهيمنة الإقليمية، وقد حكموا إيران في ظل أحمدي نجاد من 2005-2013.

يؤكد الجمهوريين، وعلى النقيض من ذلك، على المؤسسات المنتخبة والدستور على حساب السلطة الإلهية، ويدعون أيضاً إلى اقتصاد السوق الذي يُحرك من قبل الدولة، ويدعم الحريات الثقافية ضمن المعايير الإسلامية، ويتبنى الترابط الإقليمي والتفاعل مع الغرب، والاندماج في الاقتصاد العالمي، ويشمل هذا رفسنجاني وأنصاره، وخاتمي وحلفائه، وروحاني وحزب الاعتدال والتنمية الذي أسسه عام 1999، فهم بالنسبة للجزء الأكبر، دعاة “النموذج الصيني” الذي يدعو أن التحرر الاقتصادي أوجب من التحرر السياسي.

وأخيراً، يؤمن الجمهوريين المتشددين بشدة بإرادة الشعب، كما يعبر عنه في الانتخابات، ويؤكدون أن سلطة المرشد الأعلى يجب أن تكون خاضعة للدستور، كما ويقومون بتعزيز اقتصاد السوق الحر، ووجهات النظر الليبرالية في القضايا الاجتماعية، واعتماد سياسة إقليمية تعاونية وسياسة خارجية معتدلة تُركز على تطبيع العلاقات مع الغرب، بالنسبة لهم، فإن التنمية السياسية نحو “الديمقراطية الدينية” أوجب من النمو الاقتصادي، وقد تم التخلص من قادة هذه المجموعة بعد انتخابات عام 2009، وأغلقت أحزابهم.

 

موقف حرج

 

لسنوات عديدة، تمكنت إيران من إستيعاب كل من المتدينين البراغماتيين والجمهوريين، من الناحية النظرية، فإن المرشد الأعلى هو الذي يحافظ على هذا التوازن. وقد فعل آية الله الخميني هذا من قبل من خلال التوسط بين الفصائل الإسلامية (وقد قمعت الفصائل الجمهورية إلى حد كبير خلال حكمه)، ولكن لدى خامنئي وظيفة أكثر صعوبة، فقد سعى للحفاظ على قبضته على السلطة، ولكن لا يمكنه تحمل القضاء على النظام الجمهوري، الذي يلتزم به الكثير من الآباء المؤسسين والتكنوقراط – ولا معاقبة الانجراف نحو هذا الاتجاه. وبالتالي فإن عملية صنع القرار الإيراني تتطلب حلاً وسطاً بين مراكز القوى المختلفة، مع أخذ الاتفاق النووي بعين الاعتبار، فقد تعب روحاني والشعب الإيراني من العقوبات، لذلك حفزوا المحادثات، إلا أن الاتفاق لم يكن ممكناً من دون تحالف روحاني مع رجال الدين، ولن يكون هناك نجاح دون دعم المرشد الأعلى.

 

السؤال الكبير هو ماذا سيحدث بعد ذلك، ومع اقتراب الانتخابات، يأمل الكثير، بينما يخاف الكثير، من أن الجمهورية الإسلامية يمكن أن تتجه نحو الجمهوريون.

 

إذا تمكن الجمهوريون من الحصول على حصة كبيرة في البرلمان الإيراني، فإنهم سيتمكنون من السيطرة على اثنين من فروع الحكومة، مما يشكل تحدياً لرجال الدين البراغماتيون، ولا تقل مخاوف رجال الدين عن مخاطر قيام الجمهوريين الراديكاليين، ويطلق عليهم اسم “seditionists” من قبل المؤسسة السياسية لدعمهم للانتفاضة عام 2009، بهندسة عودتهم الخاصة في ظل الجمهوريين.

 

أخذ مجلس صيانة الدستور على عاتقه منع مثل هذا السيناريو، فمن ال 12.123 مرشح للبرلمان (زيادة بنسبة 60 ٪ عن انتخابات عام 2012)، استبعد المجلس ما يقرب من 58 ٪ في الجولة الأولى، وقد منعوا أكثر من 95 ٪ من المرشحين الجمهوريين المتطرفين، فضلاً عن 24 نائب حالي وأكثر من 60 من قدامى المحاربين في الحرب بين إيران والعراق، ومعظمهم ينتمي إلى المعسكر الجمهوري المتشدد

 

هذا أدى إلى موجة من الغضب العام، وقد نجح روحاني وعلي لاريجاني، رئيس البرلمان، بإعادة 1500 سياسي طامح من انتماءات السياسية المختلطة، ليصل معدل التنحية إلى 49 ٪، ومع ذلك، فإن قائمة المرشحين المعتمدة لا تزال تفتقر إلى المتنافسين الجمهوريين البراغماتيون أو الجمهوريين بما فيه الكفاية لزعزعة التوازن القائم في السلطة. بيد أن الانتخابات لا تلزم أن تكون هزيمة كاملة للجمهوريين، فلا يزال روحاني يمارس سلطاته الرئاسية والتأثير على البرلمان إذا ضعفت قوة رجال الدين البراغماتيون، وبعد اغلاق مراكز الاقتراع، يمكن لروحاني تملق فوج من المستقلين والمشرعين لأول مرة (35 ٪ في انتخابات عام 2012) في البرلمان القادم لدعم الكتلة الجمهورية.

 

يشكل الجمهوريون تهديداً أكبر لمجلس الخبراء، فإذا تمكنوا من زيادة عدد أفراد الأقلية الموجودة من قبل رفسنجاني، فإنهم سيكسبون نفوذاً أكبر في اختيار خليفته آية الله خامنئي، الأمر الذي يتطلب ثلثي الأصوات.

 

ونظراً لهذه المخاوف، منع مجلس صيانة الدستور حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الاسلامية، وهو جمهوري، من المنافسة في انتخابات البرلمان، وقد كان واحداً من 472 مرشحاً، بينهم رجال دين كبار و16 إمرأة، من الذين رفض مجلس صيانة الدستور أوراق اعتمادهم، وكان معدل التنحية 75 ٪ ونتيجة لذلك، لن يكون هناك تنافس على المقاعد في ست من المحافظات الإيرانية ال31.

 

ربح المعركة، خسارة الحرب؟

 

بعد أن وضعت أساليب دقيقه لهندسة نتائج الانتخابات، لا بد من قيام الثيوقراطية الإيرانية بالفوز في الانتخابات القادمة، ويمكن للبرلمان المقبل أن يكون أكثر وداً للرئيس روحاني، ولكنه سيبقى محاذياً مع رجال الدين البراغماتيين، ومن المرجح أيضاً أن يبقى مجلس الخبراء على حاله. ولكن حتى إذا ما مثلت هذه الانتخابات فوزاً أخر لرجال الدين، لا يزال التفوق على المدى الطويل غير مؤكد.

 

في رسالة إلى روحاني، أعرب 300 أكاديمي إيراني بارز عن تذمرهم من الكسب غير المشروع على نطاق واسع، وكتبوا بأن الانتخابات غير تنافسية وغير عادلة لا تستحق الإجراء، ولا يزال بعد 110 عاماً على أول انتخابات برلمانية في إيران، قادة الجمهوريين يحثون الناس على التصويت لئلا تضيع فرصة إضعاف رجال الدين، وقد قال روحاني في مؤتمر عقد في طهران في 7 شباط بأن التصويت “يمكن أن يجلب المكاسب، وإن كانت محدودة، في حين أن غيابنا سوف يؤدي بالتأكيد إلى الخسارة”.

 

كان شعار ثورة 1979 “الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإسلامية”، وبعد ما يقرب من أربعة عقود، حققت إيران الاستقلال عن النفوذ الأجنبي وتستمر في تأكيد دورها الاسلامي، ولكن هذا جاء على حساب قيم الجمهورية. لكن إذا كان الماضي هو المقدمة، فمن الواضح أن أنصار النظام الجمهوري يمكن قمعهم بشكل مؤقت ولكن ليس القضاء عليهم تماماً.

 

علي واعظ، محلل مختص بالقضايا الإيرانية في مجموعة الازمات في إسطنبول.

شاهد أيضاً

مأزق أوروبي بعد قرار ترمب بشأن القدس

حسام شاكر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *