الخميس , نوفمبر 15 2018
الرئيسية / ترجمات عبرية / ميناء بحري في غزة – خطوة باتجاه التطبيع؟

ميناء بحري في غزة – خطوة باتجاه التطبيع؟

ميناء غزة
ميناء غزة

مركز الدراسات الإقليمية- غزة

معاريف – “جلعاد شير” و “يوناتان هويبرغر”

       في ظل المخاوف المتزايدة من أن الاقتصاد المتهاوي والاضطرابات المتزايدة في غزة يؤديان إلى تجدد المواجهة بين “إسرائيل” وحماس، أعرب مؤخرا مسؤولون في الجيش الإسرائيلي عن دعمهم لخطة بناء ميناء بحري في قطاع غزة، على أن يستند المشروع إلى ترتيبات أمنية مناسبة.

لغاية الآن فإن حكومة “إسرائيل”، فيما عدا الوزيرين “يسرائيل كاتس” و”يوآف جالنت”، لم تفصح علنا عن موقف رسمي فيما يتعلق بهذا الخصوص. ويبدو أن الامر ينبع من اعتبارات تتعلق بمصالح لاعبين آخرين في المنطقة، بالإضافة إلى المسائل الأمنية.

ويتناول هذا المقال عدد من الاعتبارات، التي من المناسب أن تطرح لنقاش الموضوع.

المشكلة: في أعقاب وقف إطلاق النار مع انتهاء عملية “الجرف الصامد”  كان من المقرر البدء بمفاوضات غير مباشرة بين “إسرائيل” وحماس بوساطة السلطة الفلسطينية، تتناول، من بين الأمور الأخرى، موضوع الميناء البحري في غزة. وتهدف حماس من وراء مطالبتها بإقامة ميناء بحري لتحقيق ثلاثة أهداف. الأول – ميناء فلسطيني مستقل في غزة يمكنه تزويد الفلسطينيين بما يطمحون له – حرية حركة البضائع والأشخاص، إلى جانب الشعور بالاستقلال وتقرير المصير.

الثاني – الحديث يدور عن انجاز، يفسر على أنه نصر هام لحماس ويرفع من شأنها على الساحة الفلسطينية الداخلية والساحة الإقليمية. وأخيرا – كون معظم المليارات التي تم الوعد بها لإعادة إعمار غزة لم يصل منها شيء ابدا لها، فإن الميناء بإمكانه أن يحفز اقتصاد القطاع، والاستثمارات، وأن يقلص نسبة البطالة فيه، التي تعتبر الأعلى في العالم.

يوجد لـ”إسرائيل” مصلحة قوية بالتوصل إلى اتفاق لوقف نار طويل الأمد مع حماس، ولذا فهي ترى بتطوير غزة موضوعا ذو أهمية استراتيجية. يشكل الوضع الإنساني في غزة، بالاشتراك مع التحريض ضد “إسرائيل”، قنبلة موقوتة، موجهة ضد “إسرائيل”.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجهات الأمنية الإسرائيلية تفهم أن ميناء فلسطينيا في غزة بدون ترتيبات أمنية سليمة سوف يخلق تهديدا أمنيا كبيرا على “إسرائيل”. فميناء كهذا سيتيح لحماس زيادة مخزونها من الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ ذات المدى البعيد والمتوسط، وأنظمة دفاع جوي وصواريخ مضادة للدبابات، وسيتحول إلى مسار دخول وخروج لرجالات حماس وباقي التنظيمات “الإرهابية”. على خلفية هذه الاعتبارات يجب أن ندرس مجددا المصلحة من وراء بناء ميناء بحري في غزة.

الخلفية: فكرة إقامة ميناء في غزة تمت مناقشتها مع بداية عملية “أوسلو” وتم دمجها في “اعلان المبادئ لترتيبات حكم ذاتي مؤقت” (“اتفاق اوسلو”)، والذي تم التوقيع عليه بين “إسرائيل” ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993. وبعد ذلك بثمانية أشهر، أضاف الفكرة “اتفاق أريحا غزة أولا” وفصلها: حيث تم تحديد خطة لإقامة الميناء، على أن تتم مناقشة موقعه، وباقي المواضيع المتعلقة به والمرتبطة بمصالح الأطراف لاحقا، في إطار مفاوضات اضافية ووفقا للترتيبات الأمنية الضرورية – وخاصة الترتيبات المرتبطة بالمعابر الدولية، التي ستظل تحت السيطرة الإسرائيلية. وكان الاتفاق المرحلي بين إسرائيل والفلسطينيين، والموقع في العام 1995، قد صادق على هذه الالتزامات السابقة.

          ومنذ البداية، فقد تحفظت المؤسسة الأمنية في “اسرائيل” جدا من بناء ميناء فلسطيني في غزة، خوفا من ان يصبح هذا الميناء ممرا اضافيا لإدخال الأسلحة والمخربين. فوفقا لوجهة النظر الإسرائيلية فإن الجيش الإسرائيلي فقط هو وحده القادر على ضمان الفحص الفاعل للسفن والارساليات الداخلة إلى الميناء. وبناء عليه، وعلى الرغم من أن عقود بناء الميناء (الذي خطط له لان يكون ميناء السلطة الفلسطينية برقاية اسرائيلية) تم التوقيع عليها في العام 1994، إلا أن استمرار الخلافات حول الترتيبات الأمنية والتشغيل حالت دون بناءه عمليا.

ولاحقا، تم إعادة المصادقة على خطة إقامة ميناء غزة في مذكرة شرم الشيخ في العام (1999). وكان من المقرر أن تبدأ عملية البناء فورا، إلى جانب اقامة أجهزة الأمن ورقابة الجمارك للأشخاص والبضائع وتخصيص منطقة لكي تكون مخصصة للرقابة والتدقيق، عمليا بدأت الأعمال في صيف العام 2000 وكان من المقرر أن تنتهي خلال سنتين، ولكن “إسرائيل” أوقفت عملية البناء بعد ذلك بوقت قصير، ولاحقا، في زمن الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، تم قصف الموقع وتدميره. وأوقفت الدول المانحة تمويل المشروع وتوقف العمل به كليا.

على الرغم من أن “اسرائيل” خرجت من غزة تماما في صيف العام 2005، قبل أكثر من عقد، إلا أن جهات رئيسية في المجتمع الدولي ما زالت تتعامل مع قطاع غزة كمنطقة موجودة تحت المسؤولية الإسرائيلية. فالحصار البحري الذي فرضته “إسرائيل” على قطاع غزة لأسباب أمنية مستمر بالتأثير بصورة سلبية على صورة الدولة في العالم، من خلال تجاهل حقيقة أن “إسرائيل” ملتزمة بتعهداتها الإنسانية للسكان. الوضع الحالي في غزة ما زال يشكل مشكلة إسرائيلية، وهو يعتبر أيضا ذو إشكالية بأعين المجتمع الدولي.

وماذا الآن؟

بدائل مادية: هل ستشارك “إسرائيل” في مفاوضات جدية فيما يتعلق ببناء ميناء بحري في غزة؟ إذا ردت الحكومة بالإيجاب، سيكون عليها دراسة بديلين اثنين: الأول، السماح ببناء ميناء بحري في مدينة غزة نفسها، سواء على الشاطئ أو داخل البحر، والإمكانية الثانية هي بناء ميناء لصالح غزة، ولكن ليس في داخل غزة، على سبيل المثال، في العريش على الأراضي المصرية، أو في أسدود، مع أرصفة منفصلة للتجارة المتوجهة الى غزة.

حماس: في حال تنفيذ البديل الأول، فإن حماس ستسوق ذلك كنصر سياسي، فميناء بحري في غزة بإدارة فلسطينية سوف يكون الرد على مطالبة حماس بالاستقلال. وفي مثل هذه الحالة، تنشأ المسألة الرئيسية، كيف يستجيب مشروع كهذا للمطالب الأمنية لـ”إسرائيل”. وبدون علاقة بالسؤال هل ستوافق حماس على رقابة اسرائيلية من أي نوع على الميناء، من المنطقي أن “إسرائيل” لن تخاطر بإرسال قوى بشرية من طرفها إلى غزة لكي تفحص البضائع والأشخاص القادمون إلى الميناء من البحر المتوسط. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه في حال مراقبة “إسرائيل” أو طرف ثالث للميناء، فإن ذلك سوف يصطدم مع تطلع حماس لحرية الحركة، الاستقلالية واستعراض الانجاز السياسي. يبدو أن ممرا إضافيا يعمل وفق نظام معبر كرم أبو سالم، فيما عدا كونه في البحر – سوف لن يكون كافيا لحماس. تنفيذ البديل الثاني، ببناء ميناء خارج القطاع، سوف يؤدي أيضا نتيجة مماثلة.

اعتبارات اقليمية: من شبه المؤكد، أن احدى الأسباب الرئيسية كون القيادة السياسية في “إسرائيل” لا تدعم علنا خطة بناء الميناء البحري هي المعارضة المصرية. وإلى حد معين، وقد يكون أقل، فإن معارضة السلطة الفلسطينية لبناء ميناء في غزة، قد يشكل اعتبارا آخر. فليس هناك مصلحة لـ”إسرائيل” بإغضاب مصر، التي تنسق معها فيما يتعلق بالتطورات الإقليمية، ويرى الطرفان بحماس وتركيا عدوين وتعارضان تعزيز قوة حماس وخطة تركيا لإعادة إعمار القطاع. كما أن السلطة الفلسطينية غير راضية عن الفكرة وتخشى أن تحظى حماس بدعم اضافي بفضل تحقيق الانجاز السياسي الكبير، ببناء ميناء بحري في غزة.

قرار معقد: من هذه الأقوال يتبين أن النقاش حول الميناء البحري في غزة من المناسب أن يدار على ضوء ثلاث اعتبارات:

أولا – وقبل كل شيء، الاقتراحات لبناء ميناء يتوجب أن تعطي ردا لحاجة حماس والسكان في غزة الملحة لتدفق البضائع وتسهيل حركة الأشخاص من وإلى قطاع غزة. ومع ذلك، فإذا تحول الميناء في آخر المطاف إلى ممر إضافي يعتبر بأعين الفلسطينيين كرمز للاحتلال الإسرائيلي، وإن ذلك لن يخلق تغييرا حقيقا على الواقع. ومقابل ذلك يجب أن يتم الفحص من الجانب الإسرائيلي كيف يمكن إقامة ميناء مع ترتيبات أمنية مناسبة، بدون أن تربح حماس من ذلك سياسيا بصورة كبيرة.

من هنا ينبع الاعتبار الثاني. على الميناء أن يعطي ردودا للمخاوف الأمنية الإسرائيلية والمصرية. فإذا تولى الرقابة عليه طرف ثالث، فإنه يتوجب عليه أن يتزود بتكنولوجيا ذات صلة، وبصلاحيات، تتيح له منع تهريب السلاح والمواد والمعدات ذات الاستخدام المزدوج، بالإضافة إلى دخول وخروج “المخربين”. ولكن تجدر الإشارة إلى، أنه بدون تفتيش مادي حتى في مواقع داخل القطاع، والتي يتم فيها استخدام مواد البناء والمواد مزدوجة الاستخدام الأخرى، فإن كل ترتيب سوف يتيح لحماس استغلال البضائع لأهداف عسكرية و”ارهابية”، وفي بناء “أنفاق الارهاب”.

ثالثا – على بناء الميناء أن يندمج بمدى معين من التفاهم السياسي بين عناصر المنطقة المشاركين، لكي يؤدي إلى فترة طويلة من وقف النار، فلا “إسرائيل” ولا حماس معنيتان بجولة إضافية من المواجهة في الزمن القريب. ويجب أن يتم ترسية الاتفاق حول إقامة ميناء من خلال الاتفاق على وقف النار الذي تم الاتفاق عليه في العام 2014، عند انتهاء عملية “الجرف الصامد”، وبالاتفاق الضمني آنذاك على فتح مفاوضات غير مباشرة بين “إسرائيل” وحماس.

شاهد أيضاً

ترجمة خاصة: اتجاهات الخطاب في العالم العربي

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية معهد الأمن القومي الإسرائيلي  IN S S

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *