الخميس , نوفمبر 15 2018
الرئيسية / ترجمات عبرية / عندما عاد الأسد إلى الحياة: فشل الاستخبارات والفرص الاسرائيلية

عندما عاد الأسد إلى الحياة: فشل الاستخبارات والفرص الاسرائيلية

1016043528

موقع “والا” العبري – أمير تيفون

          خلال زيارة لي في سوريا في شهر كانون الأول 2012 لإجراء تقرير حول الحرب الأهلية في الدولة أنا وزميلي “إيتي انجل”، وصلنا إلى قرية صغيرة في شمال غرب الدولة تم احتلالها للتو من قبل المتمردين الذين يقاتلون ضد نظام بشار الأسد. وقد استقبلنا نموذج بلاستيكي من النوع الذي كان يعلق ذات مرة في الصف في دروس البيولوجيا، قام المتمردون بتعليقه على شجرة. “هذا هو بشار الأسد الكلب”، قال أحد المقاتلين، “هذه ستكون نهاية بشار ومعاقبته على ما فعله بالشعب السوري”.

          في التقرير الذي تم بثه في برنامج “عوفدا”، قمنا بتبني تقديرات المتمردين. وقد كانت هناك أسباب لذلك. فالتقارير من الجبهة في تلك الفترة كانت منهجية ومتتابعة: الأسد يفقد المزيد والمزيد من أراضي الدولة والمتمردون يوسعون سيطرتهم في الدولة. وبعد لحظة سيصلون إلى مركز دمشق. التوقع المتفائل ولكن الخاطئ للمتمردين كان يشبه ما توقعته “إسرائيل” أيضا. في كل يوم كانت تنشر في وسائل الاعلام تقارير تقول إن الأسد يعد أيامه الأخيرة. ووزير الدفاع في حينه، “اهود باراك”، قال في أكثر من مناسبة إن سقوط الأسد سيتم خلال شهرين.

          الآن، وبنظرة إلى الوراء، الصورة في سوريا تغيرت كثيرا عما كانت عليه في ذلك الحين. صحيح أن الأسد قد فقد أجزاءً واسعة من الدولة، لكنه نجح في البقاء والتحصن في السلطة. العملية العسكرية الواسعة لسلاح الجو الروسي ساعدته على قلب الموازين في الأشهر الأخيرة. حتى لو كان ذلك بشكل بطيء. باراك تحول إلى رجل أعمال خاصة والمتمردون السوريون الذين تحدثنا معهم يتعرضون الآن للقصف بطائرات بوتين القتالية والأسد وحده، حتى اليوم، ما زال في مكانه.

       الاستخبارات في “إسرائيل” تؤمن أن النظام القائم اليوم هو أبدي

الوزير “زئيف الكين” ألقى خطابا في نهاية الشهر الماضي، تصدر العناوين. وقد حذر فيه من أن السلطة الفلسطينية ستنهار وأنه يجب على “إسرائيل” البدء في الاستعداد لهذا الحدث وتأثيراته الدراماتيكية. وحسب ادعاء “الكين” فإن الأجهزة الأمنية لا تهيئ نفسها للسيناريو المرعب الذي يتحدث عنه. “أن تكون أسيرا للقناعة التي تقضي بأن الوضع الراهن أبدي، هذا للأسف الشديد هو أحد الأخطاء المنتشرة لدى الجهات الأمنية في “إسرائيل”، بما في ذلك الأكثر جدية منها”، قال “الكين”. “الأمثلة على ذلك كثيرة منها تقديرات “إسرائيل” حول مصير الرئيس المصري حسني مبارك. لقد كنت عضو في لجنة الخارجية والأمن وسمعت جهات رفيعة المستوى تقول إن مبارك لا يمكن أن يسقط. وكان ذلك قبل انهيار نظامه بأسبوعين. وقالوا أيضا إن نظام الأسد أبدي. وبعد ذلك قالوا لي إنه خلال أسبوعين سيختفي الأسد لأن مصيره قد حُسم. لكننا جميعا نرى الآن الواقع أمام أعيننا”.

          “الكين” هو واحد من وزراء الكبنيت السياسي الأمني الذين يجدون أنفسهم في الآونة الأخيرة يتناقشون كثيرا مع الجهات الأمنية الرفيعة، وبشكل غير مباشر أيضا مع رئيس الحكومة “بنيامين نتنياهو” ووزير الدفاع “موشيه يعلون” حول “انتفاضة الأفراد” المتصاعدة. ومن المهم ذكر أقواله حول الموضوع الفلسطيني في هذا السياق. ولكن أقوال “الكين” عن أسبقيات تشير إلى عدم قدرة الاستخبارات على توقع التطورات التي من شأنها تغيير النظام العالمي، وهي تذكير مهم لموضوع لا يتم الحديث عنه كثيرا في وسائل الاعلام الإسرائيلية وهو حقيقة أن أحداث “الربيع العربي” ومنها الحرب في سوريا، التي اندلعت قبل خمس سنوات، قد فاجأت “إسرائيل” وأجهزتها الأمنية.

          المفاجأة ضربتنا مرة أخرى حينما أعلن بوتين أنه سيسحب قواته من سوريا. رئيس الأركان “غادي آيزنكوت” تطرق لهذا الموضوع أثناء عرضه على لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست. وقد اعترف أنه لم تكن لـ”إسرائيل” أي معلومات مسبقة عن الخطوة الروسية. وقال “آيزنكوت” إن اسرائيل” توقعت، بناء على معلومات وتقديرات استخبارية، أن روسيا ستنضم للحرب الأهلية في سوريا. لكن صحة هذه الأقوال جزئية فقط. صحيح أن “إسرائيل” لاحظت ذلك قبل حدوثه بوقت قصير، لكنها حسب أقوال رفيعي المستوى على مدى السنين عن سقوط نظام الأسد، لم تتوقع انضمام روسيا قبل فترة طويلة.

          “قصة سوريا هي قصة فشل استخباري، لكنه ليس فشلا إسرائيليا فقط، بل هو فشل لجميع الأجهزة الاستخبارية في العالم – من الولايات المتحدة ومرورا بالدول الغربية وانتهاء بجيراننا في الشرق الأوسط”، هذا ما قاله عضو الكنيست آفي ديختر رئيس “الشباك” السابق، “يجب أن نتذكر أن خط التفكير خلال سنوات كان أن سوريا هي دولة مستقرة، مع نظام مركزي قوي. في المقابل، بعد أن بدأت الحرب كان خط التفكير هو أن سقوط الأسد يحتاج إلى بضعة أشهر فعليا. هذه التقديرات كانت خاطئة تماما”.

          ديختر يعتقد أنه قبل الحديث عن سوريا، يجب أن تتوقف “إسرائيل” قليلا أمام أحداث الربيع العربي التي بدأت في عام 2011 مع اندلاع الثورة في تونس. “النقطة الأولى التي فوت الجميع فيها ما يحدث كانت مصر”، قال. ومثل “الكين” فإن “ديختر” الذي كان في حينه في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، يتذكر الارشادات التي كانت تقول إن الرئيس المصري حسني مبارك مستقر على كرسيه، وإن “الاخوان المسلمين” لا يشكلون أي تهديد حقيقي لسلطته في القاهرة.

       “كان واضحا أن الأسد سيسقط مثل القذافي”

          حادثة واحدة كانت موجودة بقوة في وسائل الاعلام في القاهرة، وهي ارشادا لرئيس الاستخبارات العسكرية أمام لجنة الخارجية والأمن في تاريخ 25 كانون الثاني 2011. ذلك اليوم الذي بدأت فيه المظاهرات الصغيرة في ميدان التحرير في مركز القاهرة، الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى سقوط نظام مبارك. قال رئيس الاستخبارات العسكرية في حينه إن قادة الدول العربية يتابعون باهتمام وقلق الثورة التي حدثت في تونس، ويتخذون خطوات مانعة. لكنه قال أيضا “لا يوجد الآن أي خوف من استقرار النظام المصري، الاخوان المسلمون غير منظمين بما يكفي من أجل الاستيلاء على السلطة أو الاتحاد من أجل خطوة كبيرة”.

          وأشار “ديختر” الى أنه بعد أن اتضح أن نظام مبارك في طريقه إلى السقوط – احتاج ذلك إلى ثلاثة أسابيع فقط – وجدت الأجهزة الأمنية في “إسرائيل” صعوبة في الكشف عن زخم “الاخوان المسلمين”. وحسب قوله “كان هذا سائدا لدى الأجهزة الاستخبارية في العالم وبما في ذلك في الدول العربية المجاورة، بأن سقوط مبارك لن يؤدي إلى صعود الاخوان المسلمين بالضرورة. بل إن النظام القديم سيستمر في البقاء ولكن بدون مبارك، أو أن القوى العلمانية أكثر في الدولة هي التي ستمسك زمام السلطة، اولئك الذين أحدثوا ثورة ميدان التحرير. الإخوان المسلمون انتظروا الفرصة وفي نهاية المطاف انتصروا في الانتخابات الأولى التي تمت بعد الثورة”.

          لم تنته المفاجآت هنا. “بعد انتصار الإخوان المسلمين حدثت مرة اخرى تقديرات غير صحيحة”، قال ديختر، “لقد حصل الاخوان المسلمون على العناق من الأمريكيين، وكان يبدو أنهم سيسيطرون على الدولة فترة طويلة من الوقت. لم يتوقع أحد أن الجيش المصري سيقوم بالانقلاب خلال عام واعادة السيطرة على الدولة، والقاء جميع قادة الاخوان المسلمين في أقبية التحقيق، كان عندنا من طالب بأن نستعد لحقبة جديدة تعود فيها مصر لتكون عدو محتمل، وقد فاجأ السيسي الجميع مرة أخرى”.

          الأمثلة التي يتحدث عنها “ديختر” حول مصر تشمل أيضا التصريحات التي قيلت في الموضوع السوري أيضا. تحدثت وسائل الاعلام في شهر كانون الأول 2011 أن مبارك يعتقد أن “الأسد سيسقط خلال الأسابيع القادمة”. في أيار 2012 قيل إن قسم الاستخبارات في الجيش “يعتقد أن الأسد في طريقه إلى السقوط”. وفي تموز 2012 كانت تقديرات الاستخبارات العسكرية إن الأسد سيصمد “بين عدة أشهر وحتى سنتين”. في ذلك الشهر كانت الـ سي.آي.ايه تعتقد أن الأسد سيسقط قريبا، وكانت هذه هي القناعة التي تسيطر على وسائل الاعلام الدولية. ومنذ ذلك الحين مرت أربع سنوات، وليس فقط أن الأسد ما زال موجود في القصر الرئاسي في دمشق، بل نجح أيضا في اعادة احتلال مناطق في شمال سوريا في الآونة الأخيرة.

          “التوقعات بأن الأسد سيسقط خلال عدة أشهر لم تقل من فراغ”، قال “ديختر”، “كان هذا يبدو منطقيا، ويبدو أنه بعد الأحداث المفاجئة في مصر، سرعة حدوث الأمر وبشكل مفاجئ، حيث لم يعد هناك مبارك، دفعت الناس إلى الاعتقاد بتكرار الأمر في سوريا، في ليبيا القذافي، حيث كانت الحرب هناك عنيفة جدا تطلب الأمر عدة أشهر من لحظة انطلاق المظاهرات في الشوارع حتى اعدام القذافي وتفكيك الدولة، ولم يتوقع أحد أن إيران وفي اعقابها روسيا ستبذلان كل هذه الجهود من أجل الحفاظ على سلطة الأسد، لم نكن نتوقع حدوث هذا”.

       هل أنقذ الاقتراح الإسرائيلي الأسد؟

          مصدر إسرائيلي رفيع المستوى شارك في الكثير من النقاشات حول الموضوع السوري قال هذا الأسبوع لأخبار “واللاه” أنه في نظرة إلى الوراء، كان واضحا أن الحدث الذي غير الاتجاه بالنسبة للأسد قد تم في ايلول 2013. حينما انسحب الرئيس الأمريكي “براك أوباما” من الخطوط الحمراء التي وضعها البيت الأبيض حول استخدام السلاح الكيميائي. أوباما وعد أنه إذا تبين أن الأسد قد سمم الآلاف من مواطنيه بالغاز فإن الولايات المتحدة ستتدخل وتضرب قوات النظام. لكن أوباما تراجع عن ذلك مقابل الموافقة السورية – الروسية على اخراج السلاح الكيميائي من سوريا.

          في هذا الموضوع بالذات عرفت “إسرائيل” الاتجاه بدقة، كما قال الشخص رفيع المستوى. “مع مرور الوقت تولد الانطباع الخاطئ أن الحديث هنا عن حدث مدته يوم، وأن أوباما تراجع فجأة عن وعوده”، وأضاف، “لكن من كان مطلعا على الأمر يتذكر جيدا أن الأمر استمر عدة أيام، كان يلاحظ خلالها تراجع تدريجي في الموقف الأمريكي عن الخط الأحمر الذي وضعوه بأنفسهم، ودون الدخول إلى تفاصيل كثيرة. يمكن القول إن “إسرائيل” بالتأكيد لاحظت اتجاه تطور الأحداث وهناك من يقول إنها ساهمت في نقاش الأمر”.

          “مايكل اورن” الذي كان سفير “إسرائيل” في واشنطن في السنوات 2009 – 2013 ادعى في كتاب نشره في الصيف الماضي أن فكرة اخراج السلاح الكيميائي من سوريا مقابل امتناع الولايات المتحدة عن قصف قوات الأسد، كانت مبادرة اسرائيلية، وبشكل محدد مبادرة الوزير “يوفال شتاينيتس”. هذا الادعاء لم يحصل على المصادقة الرسمية من أي جهة في الولايات المتحدة أو روسيا.

          “المغزى الحقيقي لهذا الحدث كان أن الأسد قد يبقى، خلافا للتوقعات التي تم سماعها في السنوات الثلاثة الأولى للحرب، طالما أنه يستمر في الحصول على الدعم من روسيا”، قال المصدر الإسرائيلي، “إذا لم يتدخل العالم لإسقاطه بعد وجود الأدلة على استخدام السلاح الكيميائي. فمن الواضح أنه لا شيء يستطيع تغيير ذلك. ونظرا لأن المتمردين السوريين ضعيفين ومنقسمين فانهم لا يستطيعوا ايقافه بقواهم الذاتية، الأمر الذي يعني أنه طالما نجح في البقاء أمام هذه المعارضة فانه هنا كي يبقى”.

          التقديرات حول سقوط الأسد تم استبدالها بادعاء جديد هو أنه قد يبقى في دور محدود “رئيس علويستان”، أي رئيس دولة علوية تكون في منطقة الشاطئ في سوريا مع ممر ضيق إلى دمشق، وليس أكثر من ذلك. حسب هذا السيناريو فإن سوريا ستتفكك إلى دويلات بل وحمائل وتكف عن كونها دولة. ومن وضع هذه النظرية هو وزير الدفاع يعلون الذي قال: “يمكن عمل العجة من البيض، لكن لا يمكن عمل البيض من العجة”. أي بعد تفكك دولة مثل سوريا لا يمكن اعادة تجميعها.

          لقد تطرق “الكين” بشك إلى هذه النظرية في خطابه في الأسبوع الماضي وبعد استعراضه أخطاء الاستخبارات في السنوات السابقة، أضاف: “يبدو أن أقوالنا في السنة الأخيرة حول العجة التي لا يمكن عمل البيضة منها، لن تصمد في امتحان الواقع بناء على أنباء الأيام الأخيرة”. ديختر أيضا اقترح أن نحذر من اعطاء المضامين بناء على تجربة السنوات السابقة. “هذه الجملة حول العجة صحيحة أكثر بالنسبة لليبيا المكونة من قبائل، أما في سوريا فيوجد سكان من السنة هم الأغلبية وقد يسيطرون على الدولة حتى لو تطلب الأمر المزيد من السنوات بسبب تصميم روسيا على ابقاء الأسد”.

          هناك أمر يتفق عليه الجميع: “إسرائيل” تصرفت بحكمة عندما امتنعت عن تدخلها في الحرب السورية. لا سيما بسبب الطابع غير المتوقع للأحداث. الصحافي “نظير مجلي”، محلل الصحيفة العربية “الشرق الأوسط” في “إسرائيل” زعم أنه “في العالم العربي هناك تقدير لسلوك “إسرائيل” التي نجحت في عدم انجرارها وتدخلها في الحرب السورية رغم أن جهات كثيرة حاولت اغراءها للدخول إلى الحرب خلافا لمصالحها. وحينما يتم حساب الربح والخسارة فمن الواضح أنه حتى لو أخطأت “إسرائيل” في فهم الواقع، فإن سلوكها الاستراتيجي تجاه الأزمة في سوريا كان صحيحا”.

          من ناحية أخرى، قال مجلي: “لقد فوتت “إسرائيل” فرصة استراتيجية لاستغلال الوضع الجديد في الشرق الأوسط من أجل تحقيق المصالح الأمنية والسياسية الأوسع. يمكن لإسرائيل أن تحسن علاقاتها مع دول عربية كثيرة ونقل العلاقات من الجانب السري الاستخباري فقط إلى مجالات أكبر. ومع مرور الوقت فإن هذه الفرصة آخذة بالانغلاق.

شاهد أيضاً

ترجمة خاصة: اتجاهات الخطاب في العالم العربي

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية معهد الأمن القومي الإسرائيلي  IN S S

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *