الإثنين , مايو 21 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / أول الرقص «تأجيل» قرار الاستيطان في مجلس الأمن

أول الرقص «تأجيل» قرار الاستيطان في مجلس الأمن

مقال المصري

بقلم:هاني المصري

وزّعت فرنسا دعوة لعقد اجتماع دولي في الثلاثين من شهر أيّار القادم، تزامن مع توجيه الدعوات إعلان رسمي فلسطيني عن «تأجيل» تقديم مشروع قرار حول الاستيطان إلى مجلس الأمن. وبرر رياض المالكي التأجيل إلى «أننا بحاجة إلى المزيد من المناقشات مع الدول العربية»، و «لوجود قرار فلسطيني بألا يشكل النشاط الديبلوماسي في مجلس الأمن بأي شكل من الأشكال خطورة على المبادرة الفرنسية».
أول الرقص الفرنسي كان بتغيير المبادرة السابقة التي طرحت في العام 2014 من تقديم مشروع قرار في مجلس الأمن يحدد أسس ومرجعيات التسوية وجدولًا زمنيًا للتفاوض، إلى أفكار بدأت بالحديث عن تشكيل «مجموعة اتصال دولية» لمواكبة المفاوضات، وتبلورت مؤخرًا لعقد اجتماع دولي تمهيدي لا يشارك فيه طرفا الصراع بهدف الاتفاق على «إعلان مبادئ» متفق عليه حول بعض القضايا يُصاغ بصورة عامة، وتشكيل «مجموعة اتصال دولية»، على أن يعقد مؤتمر دولي في الصيف القادم يقوم بإقرار المرجعية الفضفاضة المتفق عليها، ويحدد جدولًا زمنيًا للتوصل إلى اتفاق نهائي.
إن تضمين المبادرة الفرنسية الإشارة إلى مبادرة السلام العربية، وإقامة دولة على أساس حدود 67، ومبدأ «تبادل الأراضي»، وحلّ متفق عليه لقضية اللاجئين، والقدس عاصمة للدولتين، وخارطة الطريق، وأفكار جورج ميتشل، ومحددات للمبادرة التي لا قيمة لها ما دامت ملزمة للجميع ما عدا إسرائيل، وفي ظل غياب إرادة دولية للضغط على إسرائيل؛ سيجعلها منصّة لاستئناف المفاوضات الثنائية، ولكن هذه المرة، برعاية دولية شكلية موسّعة.

وما يؤكد على ذلك، تراجع فرنسا عن تعهدها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا فشلت مبادرتها، وأخيرًا طلبها بوقف التحرك الفلسطيني لطرح مشروع قرار حول الاستيطان في مجلس الأمن، بحجة أنه يضر بفرص نجاح المبادرة.
لو كانت فرنسا جادّة في مبادرتها لانطلقت من أن طرح الاستيطان على مجلس الأمن يمكن أن يساعد على إنجاحها، ولكن عيون حكام «قصر الإليزيه» على حكام واشنطن وعلى تل أبيب، والحرص على عدم إغضابهم، وهذا يعني أنّ المبادرة الفرنسية ولدت كبيرة وأخذت بالضمور شيئًا فشيئًا وستنتهي إلى الحصول على الموافقة الأميركية بعد تفريغها من مضمونها بشكل شبه كلي، فهي باتت تتحدث عن «إعلان مبادئ» عمومي حول القضايا المتفق عليها، ما يجعلها تصب في مصلحة الجهود الرامية إلى الاكتفاء بإدارة الصراع وليس حله، وهذا يجعلها تصب في النهاية بخدمة إسرائيل بالرغم من ادعائها بعكس ذلك. فالرفض الإسرائيلي حقق نتائج، والفتور الحالي إزاءها الذي لا يزال يميز الموقف الإسرائيلي يمكن أن يحقق نتائج أخرى.

إذا تواصلت التطمينات الفرنسية للحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية فستصبح المبادرة الفرنسية نسخة محسّنة قليلًا (من خلال طرح المواكبة الدولية والجدول الزمني) عن السياسة الأميركية التي لا ترى حلًا سوى عن طريق التفاوض الثنائي، وبعيدًا عن أي ضغط دولي على إسرائيل.
منذ فترة طويلة، يدرك جميع الأطراف بلا استثناء، بمن فيهم الطرف الفلسطيني، أنّ فرنسا لا تستطيع طرح مبادرة قادرة على تقديم حلول أو إحداث تغيير جوهري، لأنها لا تريد الضغط على إسرائيل، ولو أرادت الضغط عليها فإنها لا تملك أوراق الضغط اللازمة، خصوصًا أن المبادرة الفرنسية لم تتحول إلى مبادرة أوروبية، بسبب وجود تردد، يصل إلى ما يشبه الرفض الألماني والبريطاني للمبادرة ظهر منذ البداية، الأمر الذي ساهم في مسلسل التغييرات التي شهدتها، والتي يمكن أن تشهدها، حتى تنال الرضى الأوروبي والأميركي وعدم المعارضة الإسرائيلية.
كما أن كل الأطراف تدرك، بمن فيهم الطرف الفلسطيني، أن لا حل ولا اتفاق أو تسوية على الأبواب، وتحديدًا لا دولة فلسطينية على المدى المنظور، لدرجة أن مسؤولين دوليين وأميركيين وأوروبيين باتوا يتحدثون بكثرة عن موت أو اقتراب موت حل الدولتين، ويحذرون من مخاطر استمرار وجود إسرائيل كدولة واحدة تفرض أنظمة حكم مختلفة على السكان المقيمين على أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.

إذا كان الجميع يدرك أن المبادرة الفرنسية ليست جادة ولا قادرة على إحداث اختراق، وأن الحل لا يزال بعيدًا، هذا إن وجد أصلًا، فما الهدف أو الأهداف من التحرك الفرنسي؟
إنّ الهدف الأكبر والأهم للمبادرة الفرنسية هو محاولة الحفاظ على الوضع الراهن (سلطة حكم ذاتي مقابل هدوء وتعاون أمني)، ومنع تدهوره إلى مواجهة فلسطينية ـ إسرائيلية شاملة، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وذلك من خلال اللعب في الوقت الضائع وملء الفراغ الناجم عن توقف المفاوضات وما سمي زورًا «عملية سلام»، حتى لو من خلال إحياء وهم الحل التفاوضي حتى بعد أن تبينت معارضة إسرائيل الجذرية لأي تسوية مع الفلسطينيين تحقق حتى أقل من الحد الأدنى من حقوقهم ومطالبهم. فالهدف إبقاء الحركة مستمرة من دون أفق سياسي واضح، حتى لا يسدّ الفراغَ خياراتٌ أخرى ولاعبون غير مرغوبين.
فالمبادرة الفرنسية عندما تحول دون استخدام أدوات الضغط الواجبة على إسرائيل على أمل الحفاظ على ما تبقى من حل الدولتين، على أمل تجسيده في المستقبل وليس الآن، إلا أنها توفّر في الحقيقة الوقت اللازم لإسرائيل لاستكمال قتل ما تبقى من هذا الحل.

المبادرة الفرنسية على علّاتها السابقة كانت بمثابة طوق النجاة للرئيس محمود عباس، الذي لا يستطيع أن يبقى في حالة العجز التام، مكتفيًا بالتهديد باعتماد خيارات أخرى من دون اعتمادها فعليًا كونه ومعه جل القيادة الفلسطينية لا يمكلون القناعة ولا الإرادة لإغلاق المسار السياسي المعتمد منذ فترة طويلة إغلاقًا نهائيًا، وفتح الطريق أمام مسار سياسي جديد مختلف كليًا.
ما سبق، يفسّر لماذا تمت الاستجابة الفلسطينية للطلب الفرنسي بوقف التوجه إلى مجلس الأمن، وعدم الغضب من التراجع عن وعد الاعتراف، فالمهم تأجيل لحظة الحقيقة… لحظة اتخاذ القرارات الحاسمة.
لقد أكثر الرئيس الفلسطيني في الآونة الاخيرة من التحذير من إمكانية انهيار السلطة بدلًا من تهديده السابق بتسليم مفاتيحها إلى الاحتلال، وذلك لحثّ اللاعبين المؤثرين على القرار الدولي للشروع في عملية سياسية تساعد على بقاء السلطة. أما إقامة الدولة، فهو يعرف أنه هدف لن يتحقق في عهده، وأنّ لا إمكانية للتوصل إلى حل خلال عشر سنوات قادمة على الأقل، كما جاء في حديثه أمام الاجتماع الأخير للمجلس الثوري لحركة «فتح».
إن عدم وجود حل قريب يستدعي اعتماد إستراتيجية صمود ومقاومة والعمل من أجل تقليل الأضرار والخسائر وإحباط المخططات الإسرائيلية الجاري تطبيقها على قدم وساق، لا توفير غطاء لها عبر تحرك دولي زائف لا يملك أي فرصة حقيقية للنجاح، سواء إذا وصل إلى استئناف المفاوضات الثنائية أو انهار قبل وصوله إلى هذه المرحلة، إضافة إلى تحرك سياسي على كل المستويات والأصعدة، يهدف أساسًا إلى إعطاء الأولوية للعامل الذاتي وضرورة تقويته عبر إعطاء الأولوية للوحدة، وجمع أوراق القوة والضغط، واعتماد مقاربة سياسية مختلفة كليًا عن أوهام الحل التفاوضي في ظل المعطيات القائمة، من دون قوة، وقبل تغيير موازين القوى، ومن خلال استمرار الرهان على الولايات المتحدة الأميركية أو رعاية دولية شكلية بعيدًا عن القانون الدولي والأمم المتحدة وقراراتها.
كان بمقدور الرئيس أن يوظف وجوده في الأمم المتحدة لحضور قمة المناخ لمطالبة المؤسسة الدولية باتخاذ كل ما يلزم لجعل قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو مراقب عضوًا كامل العضوية، وإصدار قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع يطالب إسرائيل بالانصياع للإرادة الدولية وليس سحب مشروع القرار من التداول (على الأقل كان يمكن إبقاؤه قيد التداول وعدم طلب التصويت الفوري عليه).

إن الاستجابة للضغوط حول موضوع يوجد إجماع دولي ضده وهو الاستيطان، سينسحب على قضايا أخرى، فمن يجمّد المشروع حول الاستيطان كيف سيفعّل الانضمام الفلسطيني لمحكمة الجنايات، وخاصة بما يتعلق بالجرائم القديمة والمستمرة وعلى رأسها الإعدامات الميدانية والتوسع الاستيطاني الجنوني وتهويد وأسرلة القدس واستمرار الحصار على قطاع غزة، وزجّ أكثر من سبعة آلاف أسير بعضهم وراء القضبان منذ عشرات السنين، وكيف سيوقف التنسيق الأمني، وكيف… وكيف وكيف؟!
إن التغييرات بعيدة المدى التي تشهدها إسرائيل وصلت إلى حدّ أنّ الاتجاه المركزي الحاكم فيها الذي يحظى بالدعم من الأغلبية الكبيرة والمرشحة للاستمرار والزيادة لسنوات طويلة قادمة، وجد في التغييرات الحاصلة عربيًا وإقليميًا ودوليًا، والتغييرات التي من الممكن أن تحصل، فرصة تاريخية لها لتحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه من أهداف الحركة الصهيونية، وخصوصًا هدف إقامة إسرائيل كدولة يهودية على جميع أو غالبية كبيرة من مساحة فلسطين التاريخية، وهذا يعني العمل على إزالة كل العقبات التي تحول دون ذلك، ومن ضمنها استمرار الاستيطان والعدوان والتهويد والتطهير العنصري وتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. وهذا يعني أن الوضع مقبل على مجابهة يجب الاستعداد لها وليس إضاعة الوقت والجهود وراء السير في وهم جديد أسوأ من سابقه

شاهد أيضاً

​كيف لو لم تكن غزة!

صلاح الدين العواودة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *