الخميس , نوفمبر 15 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / ما عجزت عنه “إسرائيل” 68 عاماً

ما عجزت عنه “إسرائيل” 68 عاماً

محمد خالد الأزعر

تغلق “إسرائيل” في1049872886 هذه الأيام، العام الثامن والستين من حياتها المكللة بالدم والنار. وعادة ما يمتطي فقهاء الصهيونية هذه المناسبة، لتذكير المعنيين، لا سيما الأنصار من اليهود وغير اليهود، بما حققته دولتهم بعد «استقلالها»، من إنجازات وإبداعات وخوارق.

توصيف يوم إعلان قيام “إسرائيل” بيوم «الاستقلال»، يكفي منفرداً لإصابة أي عاقل منصف بالغثيان.. إذ من هي الجهة الاستعمارية التي استقل المستوطنون الصهاينة عنها؟!، الويل لهم إن كانوا يقصدون بريطانيا العظمي، التي منحتهم براءة اختراع الدولة، وفرصة النشوء والتكوين والارتقاء من عدم، ثم أسبغت وحلفاؤها في عالم الغرب عليها الحماية حتى استوت على سوقها.

إذا لم يكن هذا «الاستقلال» قد تحقق عن بريطانيا، فمن هم الذين كانوا يستعمرون الصهاينة؟. هل هم الفلسطينيون؟، هل هم العرب؟، هل هم الألمان؟، هل هم خلق من عوالم نجهلها. حقاً، من كان هؤلاء، وكيف كان ذلك، وأين ومتي؟!.

 وإن كان دعاة المشروع الصهيوني ورعاته لا يستطيعون إنكار أن البريطانيين انتدبوا على كيان يسمي حرفياً فلسطين، وأن هذا الكيان كان مصنفاً من جانب عصبة الأمم، ضمن الكيانات المرشحة سريعاً للاستقلال، وذلك يوم أن كانت “إسرائيل” بظهر الغيب، فمن أين واتتهم جرأة الزعم باستقلال هذه الـ”إسرائيل”؟!. حقاً، أعيت الوقاحة من يداويها.

ما نعرفه وصار معلوماً للخلق أجمعين تقريباً، ولدى بعض الإسرائيليين أنفسهم، أن يوم الاستقلال الإسرائيلي المبتدع، كان بداية لنكبة الشعب الفلسطيني الممتدة، ونذير شؤم على المنطقة العربية، وما يتصل بها ويتقاطع عندها من مصالح عالمية. ولا نبالغ إن ذهبنا إلى أن هذا «الاستقلال» كان طالع سوء ومعاناة لكثير من اليهود، الذين استجلبوا منهم إلى فلسطين، والذين يعيشون كمواطنين أسوياء خارج الجيتو الإسرائيلي.

بين يدي هذه الذكرى المنكودة، نجادل بأن كهنة المشروع الصهيوني الاستيطاني الأم وحراسه، لا يملكون الادعاء بأنهم، منذ قيام دولتهم وحتى لحظتنا هذه، قد تمكنوا من تحقيق كل مراداتهم.. فدولتهم موشاة بالنقائص ومظاهر العجز، قياساً بما استهدفوه وما تم التخطيط له على الورق، وشحنه في العقول والوجدانات.

“إسرائيل” اليوم لا تمتد جغرافياً من النيل إلى الفرات. وهي ما انفكت تنكمش عن بعض الفضاءات التي توسعت فيها ذات أوقات. لقد انسحبت من سيناء وغزة وجنوب لبنان، وجهات من الضفة الفلسطينية. وهذه وضعية تخالف صراحة، النداء الصهيوني الأسطوري حول أرض “إسرائيل” التوراتية الكبرى.

و”إسرائيل” اليوم لا تضم على أقصى التقديرات سوى 40 % من يهود العالم. وهو رقم يكاد يعادل عدد الأميركيين اليهود وحدهم. هذا على الرغم من الأصوات التي بحت وأعيتها حيل الترغيب والترهيب الأفعوانية، لاستحثاث اليهود على الهجرة إلى «دولتهم المستقلة».

و”إسرائيل” اليوم لا تشكل ملاذاً آمناً لليهود، بمن فيهم أولئك الذين استوطنوها واعتقدوا أنها البديل الأبدي من عذابات «الشتات». اليهودي في “إسرائيل”، هو الأقل استشعاراً للطمأنينة والاستقرار المادي والمعنوي، مقارنة ببقية أتباع ديانته في مختلف أنحاء المعمورة.

ومؤدى ذلك، أن الصهيونية استدرجت إلى كيانها السياسي، بعض اليهود، بدعوى وقايتهم من أخطار محتملة للحياة بين الأغيار، وساقتهم إلى حيث تتربص بهم أخطار حقيقية، تجعلهم يمتشقون السلاح على مدار الوقت.

و”إسرائيل” اليوم مصنفة في طليعة الدول ذات السلوك الأخطر على السلم والأمن العالمي، وهي تمثل، باحتلالها لفلسطين، آخر نماذج القوى الاستعمارية. والأهم أنها لم تتمكن من شطب الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية والقومية من الوجود، ولا قضت على كفاحه الوطني، كما أنها تتعرض لحملات من المقاطعة، جراء استعلائها على الشرائع والقوانين والقرارات الأممية.

و”إسرائيل” اليوم تعاني من أزمات اجتماعية وقيمية، وفساد أخلاقي، وتفاوت طبقي مروع، لدرجة أن ما يقرب من ثلث مستوطنيها اليهود، يتربصون بأي فرص واعدة لمغادرتها نهائياً. وهي ما زالت دولة بلا دستور ولا حدود معلومة، بما يتناقض مع ولعها في بناء الحيطان العازلة من حولها. علاوة على أنها تنحدر سريعاً إلى هاوية الأبارتيد.

الشاهد عموماً، أن “إسرائيل” اليوم ليست تلك الدولة التي تصورها الآباء المؤسسون.. ليست مدينة على جبل، ولا هي أرض اللبن والعسل، وهناك في داخلها من يسألون حائرين عن آفاق وجودها من الأصل في أجل أو آخر.

صحيفة البيان

شاهد أيضاً

التهدئة في غزة من منظور المصلحة الإسرائيلية

حيدر إبراهيم المصدّر باحث في مجال الإعلام السياسي والدعاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *