الجمعة , يناير 19 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / تسوية فى فلسطين أم تصفية.. أم وعد لن ينفذ؟

تسوية فى فلسطين أم تصفية.. أم وعد لن ينفذ؟

جميل مطر

جميل مطرعاد الصخب الإعلامي والسياسي يثير التكهنات حول نوايا أطراف القضية الفلسطينية في الشهور القادمة. عاد الصخب فجأة بعد سنوات من الصمت والهدوء، وكثير منهما كان متعمداً، وربما ضرورياً، للتركيز على إثارة أو تهدئة بؤر أخرى في المنطقة. عاد فجأة ليس كما قيل لأن فرنسا دعت الى مؤتمر مبهم ومائع يُعقد في باريس، ولكن لأن الرئيس المصري خرج عن صمت وتعتيم التزمهما منذ تولى مسؤولية الحكم ليدلي بتصريح خارج السياق ومن خارج العاصمة.
لا تخرج «المبادرة» الفرنسية عن كونها دعوة لمؤتمر دولي يُعقد في فرنسا يحرك عملية التسوية الراكدة، من دون أي إشارة لمضمون تسوية جديدة أو أفكار طازجة أو تغير جذري في موازين القوة. بمعنى آخر، لا جديد في «المبادرة الفرنسية» سوى الرغبة ربما في الحصول على اعتراف دولي وداخلي بأن الديبلوماسية الفرنسية ما زالت تنبض، حتى لو كشف نبضها الضعيف عن نفوذ متردٍ وفقر في الأداء وصعوبة في احتلال أو استرداد موقع في القمة الدولية.
«المبادرة» المصرية كذلك، كلمات أطلقها الرئيس السيسي في خطاب له بأسيوط يجدد بها أمام الآخرين استعداد مصر للتدخل لتسهيل الجهود الهادفة لاستئناف المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. يرى محللون أن مجموع كلمات الرئيس المصري لا يشكل «مبادرة مفيدة» أو إضافة حيوية في سجلات القضية، ولكن في ظني أنها كانت أكثر من كلمات، ويجب أن ننظر إليها بعين الجد والاعتبار، لأسباب ليس أقلها شأنا انها صدرت عن رئيس رفض أن يأتي على ذكر “إسرائيل” بكلمة رضا أو غضب على امتداد مدته في الحكم، برغم بشاعة ما ارتكبته “إسرائيل” وترتكبه من جرائم وحشية. أستطيع أن أفهم منطق المدافعين عن هذا الصمت الطويل. فالرجل ونظامه يريدان العودة بمصر إلى وضع كانت تبدو فيه مستقرة في الداخل ومرتاحة في الخارج، وإن متآكلة الثروة والنفوذ والدور. أتصور أن وراء اهتمام المحللين بكلمات الرئيس المصري ما هو أكثر من أنه نطق باسم “إسرائيل” في خطاب جماهيري في مدينة بعيدة عن القاهرة، بؤرة النشاط الإعلامي.
جاء في خطاب الرئيس كلام عن البناء فوق «المبادرة العربية» التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002، هذه المبادرة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وأثارت ضجة في رأي عربي عام ظن أنها الخطوة الأولى في إعلان المملكة ودول الخليج عن استعدادها المشاركة الايجابية في تسوية القضية الفلسطينية، والتلميح إلى إمكان الاعتراف بـ”إسرائيل”. الحقيقة أن المملكة سبق أن طرحت في أحد مؤتمرات القمة العربية مبادرة كان قد أطلقها الملك فهد من ست نقاط، وكان هدفها في ذلك الحين طمأنة الولايات المتحدة إلى أن الموقف العربي من مقاطعة «كامب ديفيد» ومبادرة السلام المصرية لن يستمر طويلا. حدث هذا في مطلع عقد الثمانينيات، أي قبل قمة بيروت، قمة المبادرة السعودية، بعشرين عاما. وقتها انقسمت القمة العربية. إذ طرحت مبادرة السلام السعودية ولم يكن قد مضى على وقف عضوية مصر في الجامعة العربية أكثر من ثلاثة أعوام.
إن إشارة الرئيس المصري في خطابه بصعيد مصر الى المبادرة السعودية التي أقرتها قمة بيروت قبل أربعة عشر عاماً، لا بد أن تجعل المحللين يربطون بين مبادرته وبين تحركات سعودية تسرب بعضها، ويتوصلون الى اجتهاد مفاده أن مصر أرادت بكلمات أدلى بها رئيسها في أسيوط أن تفرض المبادرة السعودية، ولا شيء غيرها، أساسا تقوم عليه المبادرات المتوقعة كافة في المرحلة القادمة، بما فيها «المبادرة» الفرنسية.
لماذا الآن، لماذا تحرك فجأة رئيس «الإليزيه» في باريس، ولماذا تحرك علانية وفجأة رئيس «الاتحادية» في القاهرة؟ لماذا نشطت فجأة الديبلوماسية السعودية في اتجاه “إسرائيل”؟ لماذا تحركت فجأة عناصر فلسطينية أقامت طويلا في المنفى في انتظار لحظة بعينها؟ هل حانت اللحظة؟ هل توجد أي علاقة بين الصخب العالي في “إسرائيل” حول «الانزلاق» نحو اليمين المتطرف وبين التطورات الإقليمية والدولية في شأن القضية الفلسطينية؟ ألم تجر العادة على أن يكون اليمين مهيمنا في السلطة عند اتخاذ قرارات مصيرية في “إسرائيل” وفي المنطقة؟ ماذا عن إيران؟ كم هي بعيدة وقريبة في آن واحد من تطورات تتعلق بمستقبل “إسرائيل” وتحالفاتها في الشرق الأوسط؟ هل من نفوذ وضغوط من جانب إردوغان في اتجاه بعينه، خاصة وقد عاد متدفقا نشاطا وقوة ومتدخلا في المواقع كافة؟
الإجابة على هذا النوع من الأمثلة تبقى غالباً في حيز التخمين والاجتهاد بسبب الضباب الكثيف الذي يخيم منذ مدة على قصور الرئاسة ومراكز صنع القرار في عواصم المنطقة كما في عواصم غربية، وبسبب التخبط وضعف التنسيق، وهما من بين عديد النقائص التي اعترفت بها على سبيل المثال قيادات الاتحاد الأوروبي في اجتماعاتها الأخيرة، وكذلك قيادات القمة الصناعية السبع في اجتماعها هذا الأسبوع في اليابان. لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن كلتا النقيصتين صارتا علامة مميزة في صنع القرار الجماعي الغربي كما في القرار العربي، لا يبقى أمام المعلقين السياسيين سوى الاعتماد على قدراتهم التحليلية والمعلومات البسيطة المتوفرة لفهم جانب مما يدور، وطرح احتمالات أو سيناريوهات بعضها صار يضيف تعقيدات الى وضع هو في أساسه شديد التعقيد.
أستطيع وبايجاز استخلاص اجتهادات من بين أهم ما طرحته بعض التعليقات السياسية العربية والأجنبية. أفعل هذا من دون تدخل متعمد من جانبي في الرأي والتحليل. فالأمر بالنسبة لي ما زال يبدو شديد الغموض، فضلا عن أن أغلب تصرفات الأطراف تكتسي حساسيات مقلقة ومزعجة. كدنا من فرط المبالغة في التعتيم على تحركات ونوايا الأطراف المباشرين نعتقد بأننا نقترب من تطور شبيه بمسلسل بدأ بزيارة الرئيس السادات للقدس وانتهى باتفاقية «كامب ديفيد».
خذ مثلا الرأي القائل في الغرب و”إسرائيل” بأن التحركات الأخيرة للديبلوماسية الدفاعية والسياسية للمملكة العربية السعودية تشير إلى أن قرارا ربما اتخذ بالفعل في شأن احتمال عقد اتفاقية صلح أو معاهدة سلام أو بروتوكول صداقة وأمن متبادل أو أي صيغة أخرى تؤدي في النهاية إلى إقامة علاقات ديبلوماسية أو سياسية بين “إسرائيل” ودول الخليج ابتداء بالمملكة العربية السعودية أو انتهاء بها. يردد بعض أصحاب هذا الزعم بأن إصرار المملكة، وربما “إسرائيل” بالضغط أو المساومة على إنهاء مسألة الجزيرتين، تيران وصنافير، في تكتم وسرعة، وقبل أن تحين ساعة التفاوض على مستقبل الأمن والسلام فى المنطقة. هذا الاصرار دليل مادي ومنطقي على أن وراء الصخب الحادث والاتصالات الجارية والمفاوضات والاتصالات السرية الجارية بين أطراف عديدة، أهدافا أخرى أكثر وأهم من هدف التوصل إلى تفاهمات فلسطينية ـ إسرائيلية محدودة بمباركة إقليمية ودولية.
أتحسس ميلا واضحا ومتزايدا لدى قيادات القوى الفاعلة إعلاميا وديبلوماسيا في الشرق الأوسط لاعتبار أن إقامة علاقات ديبلوماسية بين دول الخليج و”إسرائيل” صارت مسألة وقت لا أكثر. تحسست ميلا نحو اعتبار آخر وهو أن القيادة السياسية المصرية ربما توصلت إلى أن السلام البارد القائم حاليا بين مصر وإسرائيل لا يمكن، و لا يجب، أن يدوم طويلا. هذا السلام البارد صار، في نظر أحد المتخصصين الأجانب، مكلفا للطرفين فضلا عن أنه مهدد دائما بالاختراق، طالما ظلت مساحة العلاقات العربية بـ”إسرائيل” محدودة بمصر والأردن وقطر، أو هكذا يردد أنصار التوسع في العلاقات مع “إسرائيل”.
سمعت وقرأت بوضوح أحيانا وبغموض متعمد في أحيان أخرى أن الديبلوماسية الأردنية تستعد بإجراءات دستورية داخلية وتعبئة ديبلوماسية وشعبية لاحتمال أن «تستجيب» لطلب أو «ضغط» لإعادة دمج الضفة الغربية، تحت أي اسم، في المملكة الأردنية. هناك في الأردن كما في خارجه، من يعتقد بأن المملكة قد احتلت نتيجة تطورات «الربيع العربي»، وبخاصة غياب كل من العراق وسوريا، وظيفة «القلب» لأي نظام إقليمي يقوم في المنطقة. نعرف أن سوريا «قلب النظام العربي» ومركز طاقته غائبة، وقد يطول غيابها. ونعرف أن العراق، الامتداد الطبيعي لطموحات هذا القلب نحو الشرق، غائب وغيابه ثقيل وعنيف. نعرف كذلك أن مصر، وهي الامتداد أو العمق الاستراتيجي والتاريخي لهذا القلب، تعيد ترتيب أسبقياتها بعدما ارتبكت الأولويات وتداخلت مع أولويات قوى أخرى في الإقليم وخارجه. أما وأن الأمور وصلت إلى هذا النحو، فلن يبقى للأردن عمق استراتيجي له الاعتبار سوى نحو الجنوب في المملكة السعودية ونحو الغرب في إسرائيل.
لم يفت على كثير من المحللين مغزى الواقع المتغير في “إسرائيل”، هناك حيث يضرب التوتر قطاعات مهمة في النظام السياسي مع الميل الواضح في المزاج العام نحو التطرف اليميني في السياسات والآن في البناء الحزبي. هذا التوجه، برغم المعارضة البارزة من جانب اليسار والعلمانيين، يؤذن باحتمال أن تستقر النية الإسرائيلية على عملية «تدخل جراحي» في العلاقة مع الفلسطينيين، بمعنى القبول بوضع يكون للفلسطينيين فيه حق استخدام كلمة فلسطينية في خرائطهم، بشرط أن لا يأخذ هذا الكيان الفلسطيني شكل «الدولة كاملة الاستقلال». لا شك أن قرارا كهذا سوف يحتاج إلى مباركة اليمين المتطرف قبل طرحه للنقاش مع الفلسطينيين في المفاوضات المباشرة التي ستنظم انعقادها مصر مع فرنسا، استعدادا لعقد مؤتمر باريس أو نتيجة له.
يصل المحلل السياسي إلى نتائج خاطئة اذا بالغ في قيمة ووزن أحد المتغيرات على حساب متغير آخر. تعلمنا أن التقدير الرشيد للأوزان النسبية للاعبين الأساسيين في أي قضية دولية هو السبيل الضروري للتوصل إلى نتائج واقعية أو أقوى قابلية للتحقق. في ظل توازنات القوة الإقليمية الراهنة، وضغط العنصر الإيراني، وتعقيدات الوضع المصري، وصعود اليمين الإسرائيلي، واهتراء منظومة الأمن القومي «العربي»، أخشى ما أخشاه ويخشاه أكثر الفلسطينيين أن يتكرر سيناريو التجربة الأولى في الصلح مع “إسرائيل”. تحصل الأطراف الرئيسة على غاياتها، وهي إقامة علاقات كاملة أو جزئية، وتحصل فلسطين على وعد لن تنفذه الأطراف المتصالحة.

نقلاً عن صحيفة الشروق المصرية

شاهد أيضاً

يهود غير مرغوب بهم في “دولة اليهود”

حسام شاكر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *