الجمعة , مايو 25 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / روسيا و”إسرائيل”: أحدث شراكات الشرق الأوسط

روسيا و”إسرائيل”: أحدث شراكات الشرق الأوسط

أسرة تحرير نون بوست

روسيا واسرائيل

أكثر من ثلاثين عامًا مرت على فقدان “إسرائيل” لواحدة من دباباتها أثناء معركة السلطان يعقوب مع الجيش السوري عام 1982 في خضم حرب لبنان، لكن الإسرائيليين لم ينسوها أبدًا وهي تنتقل من أيدي الجيش السوري إلى حوزة الجيش السوفييتي أنذاك، والذي طلبها لدراستها واكتشاف تفاصيلها في سياق الحرب الباردة بين الروس والأمريكيين، لا سيما وأن الروس قد ظلوا يعتبرون “إسرائيل” رأس حربة للتواجد الأمريكي بالمنطقة طول تلك الفترة، وقطعوا علاقاتهم بالكامل مع “إسرائيل” عام 1967 قبل أن تعود عام 1991 بسقوط الاتحاد السوفيتي.

طوال تلك السنين الطويلة ظلت الدبابة الإسرائيلية من طراز “مجاح” في إحدى متاحف موسكو العسكرية حتى جاءت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أول أمس إلى روسيا بمناسبة مرور 25 عامًا على تأسيس العلاقات بين “إسرائيل” والاتحاد الفيدرالي الروسي، إذ قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يستجيب لطلب نتنياهو بإعادة الدبابة إلى “إسرائيل”، في مقابل قيام “إسرائيل” بإرسال واحدة مشابهة لها إلى موسكو، وكان نتنياهو قد وجه طلبه لبوتين أثناء زيارته لموسكو في أبريل الماضي، رغبة منه في إحياء ذكرى ثلاثة جنود إسرائيليين فُقِدوا عام 1982 مع نفس الدبابة.

يلفت النظر هنا قيام نتنياهو بزيارة موسكو للمرة الثالثة في نفس العام، وهي رابع مرة يلتقي فيها بوتين بشكل عام في إشارة واضحة على تقارب شديد غير مسبوق، وهو تقارب يحدث في نفس الوقت الذي تمر فيه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأسوأ فتراتها تحت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والذي لم يلتق نتنياهو سوى مرة واحدة في نفس الفترة، وهو أمر ليس بمستغرب بالنظر لسياسات أوباما في المنطقة المغضوب عليها في تل أبيب؛ بدءً من الاتفاق مع إيران وحتى دعم الثورات العربية والانفتاح النسبي على الإسلاميين ممن تراهم واشنطن معتدلين.

على العكس تقع مواقف روسيا اليوم، والتي تتحفظ بشكل واضح على الفوضى التي أحدثتها الثورات العربية، وتعتبرها جزءً من محاولة محاصرتها أولًا بنظم موالية للغرب على غرار ما جرى في الثورة الأوكرانية، وخطرًا عليها ثانيًا نتيجة قربها الجغرافي من المنطقة، واحتمالية مرور المسلحين شمالًا إلى المناطق المضطربة في الاتحاد الروسي وأبرزها بالطبع جمهورية الشيشان بشكل يهدد استقرارها، وعلى عكس الاتحاد السوفييتي الذي نظر “لإسرائيل” كحليف أمريكي بالأساس، فإن روسيا اليوم تنظر ل”إسرائيل” كصديق هام يشاركها تحفظها على الربيع العربي ومنح مساحات للحركات الإسلامية بأي شكل.

“إننا حريصون على تفادي أي اصطدام بيننا، وضمان عملنا على الأرض ضد نفس الجهات التي تشكل تهديدًا للجميع، ولذا فقد تحدثنا عن التحديات التي تواجه كل الدول المتقدمة مثل الإرهاب والإسلام الراديكالي،” هكذا صرّح نتنياهو أثناء زيارته مشيراً لما جرى من مباحثات بينه وبين نظيره الروسي بخصوص الأزمة السورية، وهي كلمات أكد عليها بوتين الذي أشار هو الآخر لما أسماه بالإرهاب الدولي وضروره حشد الجميع لمواجهته، وأن روسيا و”إسرائيل” في هذا الصدد “حليفان بلا شروط.”

زيارة مميزة حرص نتنياهو على أن تكون تدشينًا لرُبع قرن آخر من العلاقات القوية غير المسبوقة على حد قوله، وليس فقط احتفالًا برُبع قرن مضى اتسم بالبرود في الحقيقة في لحظات كثيرة بين الطرفين، وهي زيارة أنهاها بحضور عرض لباليه البولشوي الروسي الشهير، والعودة إلى تل أبيب بحوزة دبابة تشكل كنزًا معنويًا كبيرًا بالنسبة “للجيش الإسرائيلي” وعائلات الجنود الثلاثة المفقودين منذ عام 1982، في انتصار دبلوماسي جديد، وميل واضح لموسكو على حساب الغرب نظرًا للتحولات الجارية بالمنطقة، وهو ميل لا يقتصر فقط على عالم السياسة.

موسكو وتل أبيب ومعالم رابطة اقتصادية وثقافية:

صلات ثقافية قوية تشكلت على مدار التسعينيات إبان التطبيع بين البلدين كنتيجة مباشرة لهجرة حوالي مليون ونصف مواطن يهودي سوفيتي إلى “إسرائيل” ليشكلوا بذلك ثالث أكبر تكتّل روسي خارج روسيا بعد أوكرانيا وكازاخستان، وهي هجرة محورية في ثقافة المجتمع الإسرائيلي الحالي، والذي تُعَد اللغة الروسية ثاني أوسع لغة أجنبية انتشارًا فيه بعد الإنجليزية نتيجة وجود أكثر من مليون ناطق بالروسية، علاوة على كون البعض منهم لا يزال مواطنًا روسيًا بروابط عائلية روسية يهودية ومسيحية على السواء، وهو ما دفع روسيا إلى الإعلان عن تخصيص 83 مليون دولار لدفع معاشات كافة كبار السن من الإسرائيليين المولودين في الاتحاد السوفيتي.

على الصعيد الاقتصادي تُعَد “إسرائيل” إحدى أبرز البلدان المستقبلة للسياح الروس، وهو رقم يُرجَّح ازدياده بينما تتراجع أعداد الروس المتجهين إلى مصر نتيجة حادثة شرم الشيخ، وعلى تركيا نتيجة توتر العلاقات بين البلدين بعد إسقاط الطائرة الروسية، كما أن البلدين يتمتعان باتفاق رفع التأشيرة المتبادل مما يسهل الحركة بينهما، أضف لذلك أن السلع الروسية تلقى رواجًا متزايدًا بين المستوطنين الإسرائيليين نتيجة للتعامل التجاري الودي من جانب روسيا تجاههم، على العكس من حملات المقاطعة الناجحة نسبيًا في أوروبا والموجهة ضد المستوطنات الإسرائيلية الخارجة عن حدود 1967.

التعاون التكنولوجي:

“افتح بابًا لإسرائيل” هو اسم المعرض الذي استضافته موسكو بالتزامن مع زيارة نتنياهو، وهو معرض مخصص لعرض أحدث ابتكارات الإسرائيليين التكنولوجية، وهو مجال يشهد تعاونًا قويًا بين روسيا وإسرائيل، لا سيما وأن المقاطعة الغربية لروسيا تجعل الطلب على المنتجات التكنولوجية المتطورة ملحًا في موسكو أكثر من أي وقت مضى، وهو طلب تستطيع “إسرائيل” تلبيته بشكل كبير، وقد تضمن المعرض وفدًا خاصًا من “مجلس المجتمعات اليهودية بيهوذا والسامرة” المكوّن من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، هذا بالإضافة لإعلان التعاون في مجال تكنولوجيا الزراعة الذي أعلنه البلدان في فبراير الماضي، وهو مجال تُعَد “إسرائيل” رائدة فيه أيضًا.

التعاون العسكري:

التعاون العسكري هو الآخر في تزايد نظرًا لخبرات “إسرائيل الطويلة في التعامل مع الجماعات المسلحة أكثر من الجيوش النظامية منذ الثمانينيات حتى الآن بسبب حروبها المتكررة في غزة ولبنان، وهو ما يتيح لروسيا الاستفادة منها أولًا في سوريا حيث تواجه المجموعات المعارضة السورية، وثانيًا داخل أراضيها حيث تتواجد مجموعات مسلحة إسلامية أبرزها في الشيشان، وهو تبادل لا يقف عند الخبرات العسكرية بل يصل للصفقات العسكرية بالطبع، والتي كان أبرزها صفقة الطائرات الإسرائيلية بدون طيار التي قدمتها تل أبيب لموسكو العام الماضي.

منغصات العلاقة بين البلدين:

في هذا السياق للمفارقة يمكن فهم التعاون العسكري الذي قامت به روسيا مع حزب الله للاستفادة من عقيدته القتالية كمجموعة مسلحة بالأساس بوجه المعارضة السورية، وهي نقطة الخلاف الرئيسية التي لا تزال تؤرق العلاقة الروسية الإسرائيلية، مُضافة بالطبع للعلاقات القوية بين روسيا وإيران، والتي تشمل صفقات عسكرية ضخمة أبرزها تزويد إيران بنظام الدفاع الصاروخي إس 300 الذي ضغطت “إسرائيل” طويلًا لمنع وصوله إلى طهران، وبالنظر لعدم وجود رغبة غربية للتراجع عن الانفتاح على إيران، فإن امتلاك علاقات قوية بروسيا حاليًا يصبح الحل الوحيد أمام “إسرائيل” لامتلاك نافذة في موسكو تتيح لها الضغط مستقبلًا لتحجيم الدور الإيراني، لا سيما وأن الخلافات التاريخية بين موسكو وطهران يرجّح أن تنشب في أي وقت وبالأخص مع ظهور إيران كمصدّر للغاز ينافس روسيا.

من ناحيتها فإن توطيد العلاقات ب”إسرائيل” يفتح بابًا للحصول على تقنيات عسكرية وصناعية متطورة، ويفتح الباب كذلك أمام تنويع شركاء روسيا بشكل يتيح لها حرية حركة واسعة بالمنطقة من طهران لتل أبيب، وقد يسمح لها ربما بلعب دور الوسيط مستقبلًا بين البلدين لترسيخ دورها الدبلوماسي في المنطقة، وكذلك الاضطلاع بدور في الصراع العربي الإسرائيلي الذي فشلت محاولات الولايات المتحدة المتكررة لحله، وهو ما يفسر زيارة وفد من السلطة الفلسطينية إلى موسكو بعد رحيل نتنياهو مباشرة بالأمس، والمباحثات التي قام بها وزير الخارجية الروسي لافروف سابقًا مع مسؤوليها، وإن كانت جهود كهذه ستصطدم قطعًا بعناد نتنياهو الرافض لحل الدولتين، والذي اصطدمت به سابقًا محاولات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

المصدر: نون بوست

شاهد أيضاً

المقاومة الفلسطينية بين الإنجاز والمواجهة

محمود مرداوي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *