الجمعة , سبتمبر 21 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / إسرائيل الأفريقية

إسرائيل الأفريقية

رشاد أبو داود

تنزيل

لولا أن زوجته سارة ضربته على يده لظل نتانياهو غافياً على مقعده في مطار عنتيبي الذي شهد عملية تحرير الرهائن الشهيرة التي قامت بها فرقة كوماندوز إسرائيلية في الرابع من يوليو 1976 بقيادة المقدم يوهانتان شقيق نتانياهو لتحرير رهائن الطائرة الفرنسية التي كانت متجهة من مطار اللد «بن غوريون» إلى باريس فأجبرها خاطفوها على التوجه إلى مطار ناير في عنتيبي بأوغندا التي كان يحكمها آنذاك عيدي أمين. وسُميت عملية تحرير الرهائن هذه باسم «يوهانتان» نسبة إلى قائدها شقيق نتانياهو وهو العسكري الإسرائيلي الوحيد الذي قُتل فيها ودفن في العاصمة الأوغندية كمبالا.

تركيز نتانياهو الذي رافقه 140 شخصاً معظمهم رجال أعمال ومستثمرون إسرائيليون على ذكرى العملية خلال زيارته إلى أوغندا له دلالات عدة، إذ يعتبر البعض أن هذه العملية ساهمت لاحقاً في نسج علاقات دبلوماسية قوية بين الطرفين. أيضاً، سعى نتانياهو من خلال إحياء ذكرى مقتل شقيقه إلى إيصال رسالة للقارة الأفريقية مفادها أن “إسرائيل” عازمة على التعاون مع دول القارة في محاصرة ما يسمى «الإرهاب»، وهو أقوى سلاح يلوّح به؛ حيث يثير من خلاله الهاجس الأمني لدى دول شرق ووسط القارة السمراء.

ومنذ «عملية عنتيبي» ظلت العلاقات الثنائية بين تل أبيب وكمبالا في توسع وتصاعد مستمر، وخاصة خلال حقبة الرئيس الأوغندي الحالي، يوري موسيفيني، والذي تولى الحكم في يناير 1986؛ حيثُ وقعت تل أبيب عدداً من الاتفاقيات في مجالات الدعم العسكري وتدريب القوات الأوغندية، إضافة لاتفاقيات أخرى لتطوير الزراعة واستغلال المياه وإقامة مشاريع للري في مقاطعة كاراموجا الأوغندية قرب الحدود السودانية، لري أكثر من 247 ألف هكتار من الأراضي.

المجال العسكري، أيضاً، كان ميداناً رحباً لتقديم تل أبيب المساعدة إلى كمبالا. وشمل التعاون في هذا المجال استقدام أوغندا مستشارين عسكريين إسرائيليين، بهدف رفع مستوى التدريب والخبرات في الجيش الأوغندي. وفي مجال التعاون على محاربة الإرهاب، وعقب هجوم انتحاري شنته حركة «الشباب» الصومالية، المحسوبة على تنظيم «القاعدة» في العاصمة كمبالا قبل 6 أعوام، وافقت “إسرائيل” على تقديم دعمها وخبراتها إلى أوغندا عبر تزويدها بعدد من الطائرات من دون طيار، ومد جيشها بقذائف مدفعية وهاون، وتطوير سلاح الجو الأوغندي للحفاظ على أمن حدودها وأراضيها.

وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإنه مع ارتفاع تهديد الإرهابيين في أنحاء القارة السمراء من جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا إلى حركة «الشباب» في الصومال، وجدت “إسرائيل” أرضية مشتركة مع دول أفريقية مثل أوغندا وكينيا ونيجيريا.

أوغندا لديها، كذلك، ما يمكن أن تقدمه لـ”إسرائيل”من مزايا وخدمات. إذ يطلق البعض على هذا البلد الأفريقي لقب «برازيل أفريقيا»؛ نظراً لغناه بالثروات الطبيعية، التي تشمل مساحات شاسعة من الغابات والأراضي الزراعية الخصبة، فضلاً عن مخزون ضخم من المياه العذبة، وكميات كبيرة من المعادن المختلفة. هذه الثروات الطبيعية جعلت من أوغندا قبلة للشركات العالمية الراغبة في الاستثمار بها، وسبقت إسرائيل غيرها من الدول إلى توسيع مساحات نفوذها في هذا البلد البكر.

أيضاً، تنتظر “إسرائيل” من أوغندا وغيرها من دول أفريقيا جنوب الصحراء، التي شملتها جولة نتانياهو، وبينها إثيوبيا وكينيا ورواندا، في مقابل المساعدات الأمنية والزراعية دعماً منها والوقوف إلى جوارها في الأمم المتحدة؛ حيث الجمعية العامة التي اعترفت بالأغلبية بفلسطين كـ«دولة مراقب غير عضو» في العام 2012.

وحسب «يديعوت أحرونوت»، استغل الفلسطينيون وضعهم الجديد داخل الأمم المتحدة في شن حملات دبلوماسية حادة ضد “إسرائيل”. وحول ذلك، تنقل الصحيفة عن «آري أوديد»، وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق، وخبير في شؤون أفريقيا: «نتانياهو يريد تحسين العلاقات مع دول أفريقيا جنوب الصحراء، ويريد ألا يصوت المزيد منها ضدنا في الأمم المتحدة»، مضيفاً: «نتحدث عن نحو 45 دولة تصوت ككتلة واحدة في الأمم المتحدة».

المتتبع لخطوات تل أبيب للتغلغل في وسط القارة الأفريقية وشرقها، سيدرك أن بدء نتانياهو جولته من العاصمة الأوغندية كمبالا، وجعلها محطته الأولى، لها أبعاد أخرى كثيرة لتحقيق الجزء الأكبر من الأطماع الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية التي تضعها “إسرائيل” نصب عينيها.

فما بين عملية عنتيبي 4 يوليو 1976 وزيارة نتانياهو 4 يوليو 2016 دارت دول القارة السمراء 180 درجة. فبعد أن بث فيها نيلسون مانديلا روح المقاومة والحرية وساعدها جمال عبد الناصر على التحرر من الاستعمار وأغدق عليها القذافي الأموال نجدها الآن تستقبل زعيم الدولة الوحيدة الاستعمارية في العالم «إسرائيل» تفرش له البساط الأحمر وتفتح له صدرها المكتنز بالثروات الطبيعية.لا بل قدمت عرضا لنتانياهو بأن تكون “إسرائيل” عضواً مراقباً في منظمة الوحدة الأفريقية!

«الفتح» الإسرائيلي لأفريقيا يأتي أيضاً في ظل العداء الإثيوبي لمصر وسعيها لبناء سد النهضة على النيل لتتحكم في مياه مصر فالحروب القادمة في العالم ستكون حروباً على المياه. “إسرائيل” وبتخطيط من صهاينة العالم تسبق الزمن، فيما نحن العرب نتسابق على من يقتل الآخر أولاً!!


نقلاً عن صحيفة البيان

شاهد أيضاً

محمود عباس وصفقة القرن.. نظرة أعمق من البروباغندا

سعيد الحاج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *