الإثنين , أبريل 23 2018
الرئيسية / ترجمات عبرية / “اسرائيل” شرقية

“اسرائيل” شرقية

ابراهام بورغ

ابراهام بورغ

عندما يهدأ الغبار­ والضجيج والغباء حول ايرز بيطون وغيدي اورشار، وعندما يصمت الانتهازيون والمحرضون، سيتبين أن المجتمع الاسرائيلي يمر بالفعل في عملية عميقة وحقيقية ويجدد الحركة من الغرب إلى الشرق.

أقيمت “اسرائيل” في عام 1948 على أنماط واضحة لوسط وشرق أوروبا، اليهودية والعامة، المؤسسات، الأفراد، الثقافة، الإرث والعادات كلها جاءت من هناك. ولكن عندما قامت الدولة تبين أن اغلبية الشعب التي كان يفترض أن تعيش بها، أُبيدت وهي غير موجودة. وهنا قامت الثورة الصهيونية بأحداث تحول دراماتيكي نحو يهود الدول الإسلامية، ليس كأمر مرغوب فيه منذ البداية، بل بشكل اضطراري فيما بعد، قطع غيار انسانية للدولة الجديدة.

في مقابل الوجوه المتكدرة للمؤسسين على خلفية إغراق الدولة بـ “المواد الجديدة” والغير معروفة لهم بعاداتها ولغتها، كانت فرصة القادمين لا توصف. وهكذا فإن اللقاء الأول كان نقطة انقسام مفصلية. في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية الإشكنازية تمرداً فظاً ضد الأم اليهودية. فقد كانت يهودية الدول الاسلامية في معظمها تحقيقاً للصلوات من أجل صهيون. صهيونية الثورة ضد صهيونية النشوة والارتقاء.

من أجل التوسط بين هؤلاء وأولئك، أقيم فرن الصهر بقلب الهوية الاسرائيلية، حاول الجهاز بكل السبل صهر الجميع وصبهم في قالب عبري جديد، لعموم الاسرائيليين. وتبين مع مرور الوقت أن الفرن لم يكن يعمل، الهويات لم تُصهر ولم تُمحَ، و”اسرائيل” تواجه في الوقت الحالي حروق الصهر وتبحث بواسطة الصراع عن التوازن بين الهويات.

هذا هو السياق العام الذي بداخله تندلع كل مرة الغرائز القبلية ومتحدثيها الفظين مثل عوفاديا يوسيف ودودو توباز المرحومين او شلومو بينزري وغيدي اورشار اطال الله في عمرهما. مع اللامبالة تجاه العنصرية في الأقوال، كل واحد منهما يحاول أن يجر الأرجوحة الاسرائيلية نحوه. كانت “اسرائيل” لسنوات طويلة إشكنازية في جوهرها، وكانت فيها علاقات قوة ذات مضامين عنصرية وعلى أساس عرقي. بعد سنوات من التشوه هناك من يدفعها الان الى الطرف الاخر وهذا ليس سيئاً، بل قد يكون جيداً.

لكن التوتر البنيوي بين المؤسسين وبين المنضمين الذين أصيبوا يدفع “اسرائيل” إلى الضياع. أصبحنا مكاناً منفصلاً وابتعدنا عن مطاري الخروج، التي في دول المسيحية ودول الإسلام. ولم يسبق أن وصلنا إلى المطار الهدف. أي المجتمع والدولة ذات الطابع الديمقراطي، ومع ذلك فهي جزء طبيعي من النسيج الجغرافي والثقافي الذي يحيط بنا. هوس الجدران ليس حاجة أمنية فقط بل جهد متواصل لتخليد الفصل عن المطار الشرق أوسطي الذي نرفض أن نحاط به.

جزء من المسؤولية ملقى على الجيران وجزء كبير ملقى على أكتافنا القومية. المؤسسين الذين يتحدثون الايدش والروسية لم يسبق أن ينجحوا في التقرب من اليهود العرب وأيضا من المحيط العربي. رغم أن الثقافة الاشكنازية ومؤسساتها هي جزء من علاقاتنا القليلة مع الغرب وهي جزء من العوائق بيننا وبين جيراننا القريبين والبعيدين. آن الأوان لتفكيك بعضها وبناء الجديد بدلاً منها والتعامل بشكل مختلف داخلياً وخارجياً.

حين تكون “اسرائيل” شرقي أكثر تربح أكثر. أنا أؤمن بأن التنازل عن السيطرة العليا للعنصر الاشكنازي في المجتمع الاسرائيلي والاعتراف بالاجحاف تجاه القادمين من دول الاسلام سيمكن من تهوية الأسس القديمة وعدم إعطاء حقوق زائدة للبعض.

في “اسرائيل” لليهود والعرب والغربيين ستكون أنظمة اجتماعية جديدة متساوية. ستحترم كافة التقاليد الاسرائيلية ومن ضمنها الشرقي والعربية. لن تستطيع “اسرائيل” المتجددة من الامتناع عن الحوار الحيوي مع المجتمع الاسلامي الذي جاء منه الكثير منا.

أحضر الاشكناز معهم الطلائعية والديمقراطية الغربية والطريقة البرلمانية، الأكاديمية والتفكير الاجتماعي – الاقتصادي وأيضاً التطرف الايديولوجي والديني والسياسي. كل ذلك سبب الفشل الحالي. وبدون جسر إلى المنطقة لن يكون لنا مستقبل هنا، جسر كهذا لن يبنى بدون إرث يهودية الشرق، وإرث كهذا لا يمكن ان يتم بدون تقليص وتراجع جزء من السيطرة الإشكنازية التي انتهى مفعولها.

“اسرائيل” المستقبلية ستكون مثل إرث الغرب وإرث الشرق – ديمقراطية محافظة. لا يبدو لي انه ستكون هنا أغلبية تتنازل عن القيم الغربية: ديمقراطية، حقوق، ومع ذلك سيكون الواقع أقل علمانية وأكثر محافظة في الهوية والسلوك. ستكون العربية لغة اجتماعية بشكل فعلي ومكان مشترك وليس فقط لغة الأقلية والشاباك.

جذور اسرائيليين في دول المنطقة ستحترم بالضبط مثل بولندا وروسيا. عادات دينية لن تكون سبب للتعالي. هذا النموذج – الحوار بين الطوائف داخلياً وبين الأديان داخلياً وخارجياً – يستطيع تحويل “اسرائيل” من مكان يعاني من مرض الصراع إلى نموذج عالمي للحوار بين المختلفين والمعارضين.

المصدر: هآرتس

شاهد أيضاً

عقاب مسكون برسائل تحدٍّ

أ.د. يوسف رزقة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *