الجمعة , فبراير 23 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / قمة لا تستحق حتى الرثاء

قمة لا تستحق حتى الرثاء

طلال سلمان

6

وأخيراً، تم الإعلان رسمياً عن سقوط «القمة العربية» كمؤسسة جامعة للقادة المختلفين في سياساتهم على الحد الأدنى، في مواجهة المخاطر التي تتهدد الامة العربية جميعاً في وجودها.
ولقد تأخر إعلان الوفاة حتى وجد القادة العظام المدفن اللائق بقمتهم ـ بتاريخها الحافل ـ: على الحد الفاصل بين الصحراء الافريقية البلا حدود، والمحيط الأطلسي الذي ينتهي عنده العالم القديم ليبدأ، من تلك النقطة بالذات، العالم الجديد الذي لا يجد فيه «العرب» مكاناً يتسع لمستقبلهم بعدما عجزوا عن حماية حاضرهم كأمة تستحق أن تكون على خريطة الغد.
غاب الملوك والرؤساء عن قمة نواكشوط في موريتانيا، وسط حملة تحقير لهذه الدولة وشعبها ذي التاريخ المحفور في صفحات المجد الذي كان.. فلم يحضرها إلا قلة من رؤساء الحكومات العربية التي ترزح تحت أثقال واقع الفرقة إلى حد التصادم والاقتتال، عربياً، وبعض الوزراء الذين لا يملكون حق القرار في أي شأن.. وهكذا أنهوا «واجبهم» المدرسي خلال ساعات وانصرفوا متعجلين لكي يطمئنوا الملوك في مصايفهم إلى أن لا جديد تحت الشمس.. فليكملوا إجازاتهم، بمراسم الترفيه المعروفة، وكفى الله القادة المؤمنين شر القتال.
كان مجرد انعقاد القمة، وبمن حضر، هو الخبر الوحيد عنها.. أما اختتامها ومعه البيان المكرر والمعاد فلم يجد له مكاناً في وسائل الإعلام، على اختلافها، وتعددها.
غاب أصحاب القرار جميعاً… وحده أمير الكويت حافظ على الانضباط الذي اشتهر به، وقد التحق به أمير قطر الباحث عن استثمار فائض أمواله في أي مكان.
وبطبيعة الحال، فليس من حق أحد مساءلة الملوك، بدءاً بالجار المغربي الذي تهرب من أعباء القمة فأرسلها إلى جاره الفقير في موريتانيا، مروراً بقائد مرحلة «التغيير الثوري» بعوائد النفط في المملكة المذهبة، وصولاً إلى «جوكر» الاتصالات السرية، الملك الأردني، حول أسباب غيابهم والتسبب في إفراغ القمة من مضمونها… بحيث أن «أخبارها» قد اختفت بمجرد بث الصور عن انعقادها!
وإن ظل قرارهم، في غيابهم، شطب سوريا، وترك مقعدها فارغاً، أما العراق فلا يستطيعون شطبه معتمدين على أن الخلافات فيه تلغي تأثيره.
وحده لبنان، البلا رئيس للدولة، تجاوز عذره الشرعي، وادى رئيس الحكومة «واجبه القومي» محاطاً بوزير الشؤون الاجتماعية (والنازحين السوريين) والذي قد تكون جذور «القوميين العرب» فيه قد حفزته، وان ظل ولعه بالشعر، قراءة ونظماً، جادا وساخرا قد طار به إلى «بلد المليون شاعر»..
لا ضرورة للاستماع إلى البيان الختامي: إنه تكرار لنص مبتسر سبق أن أصدرته القمم السابقة أكثر من مرة… وليس في الإعادة إفادة!
لقد سقطت القمة العربية في قاع الهزيمة، وانتفى الغرض منها كما بلورته القمة الأولى ثم الثانية، وقد كان موضوعهما فلسطين (إنشاء منظمة التحرير، بمؤسساتها جميعا، المجلس الوطني، والهيئة التنفيذية ـ الحكومة ـ وإقامة جيش التحرير الخ..). وأبرز دليل على السقوط غياب «الرئيس الفلسطيني» عنها. أما الدليل الثاني فهو أن أحد المروجين للصلح مع العدو، هو الآن الأمين العام لجامعة الدول العربية.
«الخيمة» هي الرمز الجديد للأمة في هذه اللحظة!
لقد كانت «الخيمة» رمزاً للجوء الفلسطينيين إلى الأقطار المجاورة لبلادهم بعد الاحتلال الإسرائيلي..
أما اليوم فإن نصف عديد الأمة العربية، أو أكثر، يقيمون في خيام اللجوء أو النزوح أو التشرد أو المهانة، أو كل ذلك معاً: في اليمن، في العراق، في سوريا، في ليبيا، هذا فضلاً عمن شردهم الفقر والبطالة من بلادهم، لا سيما في شمالي إفريقيا، ودفعهم إلى أربع جهات الدنيا (فضلاً عن منظمات الإرهاب المعروفة، «داعش» و «النصرة»..).
من دون أن ننسى الملايين ممن شردتهم الحروب الداخلية وركبوا البحر حتى الغرق انقاذاً لأطفالهم ومحاولة العثور على فرصة جديدة للحياة.. في أي مكان؟
وبالطبع فإن القمة لم تجد نفسها معنية بمثل هذه «المسائل التافهة»، والتي لا تستحق اهتمام الملوك والرؤساء وأمراء النفط… وإن كان الاستثمار في أرض موريتانيا البكر يمكن أن يكون قد مر في خاطر أهل النفط والغاز، وربما وجدوا في هذه البلاد الفقيرة حتى الأملاق، والتي قد تكون رمال صحرائها الشاسعة تنام على كنوز من مختلف أنواع الذهب، وليس الذهب الأسود فحسب… وهذه فرصة أغلى من القمم جميعاً.
لا تستحق القمة العربية حتى كلمة رثاء!


نقلاً عن صحيفة السفير اللبنانية

شاهد أيضاً

صفقة نتنياهو السيسي.. وبيع فلسطين ألف ألف مرّة!

ساري عرابي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *