الأحد , أغسطس 19 2018

مفترق غزة

يوسي ملمان

يوسي ميلمان

منذ انتهاء عملية “الجرف الصامد”، يبدو أن هناك نقاشات في قيادة حماس من أجل تحديد مواقفها وبلورة استراتيجية الصراع مع “اسرائيل” للسنوات القادمة. وهذا أيضاً على خلفية التقارير في التلفاز وفي الشبكات الاجتماعية في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، حيث يصعب التأكد من مصداقيتها بأنه في نهاية العام من المتوقع حدوث تغييرات في القيادة السياسية والعسكرية لحماس.

هذه المشاورات تتم أحياناً في اللقاءات المباشرة، وأحيانا من خلال الرسائل. ويشارك فيها جميع المسؤولين في المنظمة: الذراع السياسية في غزة برئاسة اسماعيل هنية ومحمود الزهار، الذراع العسكرية في غزة برئاسة يحيى السنوار ومحمد ضيف ومروان عيسى، الذراع السياسية في الخارج برئاسة خالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق. وقادة الذراع العسكرية في الخارج ومنهم صلاح العاروري، الذي تم طرده قبل بضعة أشهر من تركيا وهو يوجد الآن في قطر.

هدف آخر للمشاورات يمكن أن يكون استخلاص الدروس العسكرية والسياسية من الحرب في صيف 2014م، وفحص ما إذا كانت حماس بحاجة إلى تغيير مواقفها وسياستها، وحل الخلافات الداخلية فيها. هذه الخلافات، وبالذات بين القيادة السياسية والذراع العسكرية، لا تتعلق فقط بـ”اسرائيل”، بل أيضاً تتعلق بالموقف من إيران (الذراع العسكرية نفسها تجري الاتصالات مع إيران وتحصل على الأموال والسلاح منها، الأمر الذي تعارضه قيادة الحركة). وأيضاً العلاقة مع السعودية ومصر.

بعض الخلافات تم حلها وبعضها، مثل العلاقة مع ايران، بقيت على حالها. الاتفاق الأوسع والأشمل الذي تم التوصل إليه هو حول العلاقة مع “اسرائيل”. الاستراتيجية التي اعتمدت في هذا الأمر لا هوادة فيها. قيل إنه لا يوجد مكان للتراجع أو تقديم التنازلات السياسية لـ”اسرائيل”. وكذلك بقاء ميثاق حماس دون تغيير، هذا الميثاق الذي يعتبر أرض اسرائيل كلها فلسطين، من البحر إلى النهر، منطقة إسلامية مقدسة. حماس أيضا تتمسك بموقفها القاضي بأن الدولة الفلسطينية التي تريد إقامتها يجب أن تتبنى الشريعة الاسلامية وأن تكون قوانينها حسب الشريعة.

مع ذلك، الموقف الجديد – القديم لحماس لا يعني أنها ستبادر في الغد إلى خطوات عسكرية ضد “اسرائيل”. في حماس هناك فهم وهو مقبول على الذراع العسكرية أيضاً، بأن الحركة ليست مستعدة بعد لمواجهة عسكرية أخرى، لذلك يجب بذل الجهد من أجل الامتناع عن المواجهة في المستقبل القريب. وحتى ذلك الحين يجب الاستمرار في جهود التسلح وبناء القوة العسكرية.

حماس تمر حاليا بضائقة استراتيجية. فهي ليس لها حليف في العالم العربي، قطر هي الممول الأكبر لإعمار القطاع، السعودية أيضاً تتبرع بالأموال، لكنها تتحفظ من حماس، دخول تركيا كطرف في إعمار القطاع في أعقاب اتفاق المصالحة مع “اسرائيل” لن يغير الوضع كثيراً، حماس عالقة بين ذراعين قويتين هما مصر و”اسرائيل”، مصر تقوم بهدم أنفاق التهريب، حماس الآن مرتدعة وهي لا تريد المواجهة، ومنذ الجرف الصامد لم يطلق نشطاءها حتى لو رصاصة واحدة نحو “اسرائيل”.

الاستخلاصات العسكرية العملية التي يستطيع قادة حماس استخلاصها هي أنه رغم عدم تحقيق إنجازات عسكرية ذات أهمية استراتيجية، فإن توجهات الحركة خلال الحرب كانت صحيحة ويجب تعزيزها. وهذا يشمل تحسين القدرات والاستمرار في حفر الأنفاق نحو العمق الاسرائيلي من أجل نقل جزء من المعركة مستقبلاً.

واضح “للجيش الاسرائيلي” أيضا أن أحد الاستنتاجات الهامة التي توصلت إليها حماس من الحرب، هو أن استخدام الصواريخ بعيدة المدى والتي أطلقت نحو مركز البلاد ومطار بن غوريون، لم تحقق هدفها وذلك بفعل صمود المواطنين ونجاح القبة الحديدية، إضافة إلى الكثير من الحظ الذي منع وقوع أضرار بالغة في الأرواح والممتلكات. ومن هذا الاستنتاج تأخذ حماس العبرة بضرورة العودة الى استخدام القذائق والصواريخ قصيرة المدى ضد غلاف غزة.

وخلافا للوعود الأولية التي قدمتها شركة رفائيلي ووزارة الدفاع، فإن القبة الحديدية لا يمكنها اسقاط الصواريخ والقذائف قصيرة المدى بسبب المسافة القصيرة (حتى 7 كم) وزمن الوصول (25 ثانية) إلى مناطق غلاف غزة، بما في ذلك سدروت. هذه المناطق ستكون مستهدفة أكثر من قبل حماس في الحرب القادمة، وستكون تحت القصف الكثيف. الملاجيء فقط هي التي يمكنها حماية السكان. وفي المقابل، ستستمر حماس في إطلاق الصواريخ بعيدة المدى على مدن “اسرائيل” في الجنوب والوسط، والقليل على الشمال أيضا كما فعلت دون نجاح كبير في عملية الجرف الصامد.

خطة بار ليف

مع مرور عامين على عملية “الجرف الصامد”، لا يوجد لدى رئيس الحكومة ووزير الدفاع والكابنت والجهاز الامني والعسكري في “اسرائيل”، أي خداع للذات. فمن الواضح لهم أن “اسرائيل” ستضطر في وقت ما إلى الخروج في حرب جديدة، رابعة، ضد حماس في قطاع غزة. ولكن في المقابل، تتعزز القناعة في “اسرائيل” أنه يجب مضاعفة عدد الجهود من أجل ابعاد خطر المواجهة العسكرية لعدة سنوات أخرى على الأقل.

إن إبعاد خطر المواجهة القادمة يتعلق بقدرة ردع “الجيش الاسرائيلي”، التي ما زالت ناجعة حتى الآن من خلال بناء العوائق الأرضية وتحت الأرضية، ضد الأنفاق وتحسين استعدادية الجبهة الداخلية. ولكن إذا كانت هذه الأمور تعمل على إبعاد اندلاع المواجهة، فمن الواضح أن التهديد الأكبر للهدوء السائد منذ سنتين في الجنوب هو الوضع الاجتماعي – الاقتصادي المتدهور جدا لأغلبية سكان القطاع الذين يبلغ عددهم 1.8 مليون نسمة.

كثير من الباحثين والمحللين يعتقدون أن الحرب الأخيرة اندلعت بسبب الأزمة الاقتصادية والرغبة لدى حماس في رفع الحصار. وهذا هو سبب رفض مصر و”اسرائيل” الاستجابة لأي طلب من طلبات حماس أثناء المفاوضات. وأغلبية الطلبات كانت اقتصادية من أجل عدم منح المنظمة، لو شكلياً، أي انجاز.

“اسرائيل” تدرك شيئا فشيئا أن غزة على أبواب كارثة انسانية. ومن المتوقع أن يحدث ذلك خلال  3 – 4 سنوات. ومن وضع هذا التعبير هم خبراء الأمم المتحدة. والحكومة والجيش تبنيا ذلك.

من الآن الوضع غير محتمل. قبل ثلاثة أشهر طرحت هنا معطيات حول الضائقة واليأس في غزة، هذه المعطيات يجب أن تقلق “اسرائيل” وتزعزعها. في العقد الأخير، منذ الانفصال عن غزة، زاد عدد السكان بـ 600 ألف نسمة، مساحة القطاع 365 كم مربع واكتظاظ السكان هو 4.822 شخص في كيلومتر مربع واحد. وهذه هي المكان الثالث من حيث الاكتظاظ في العالم. حسب تقرير الأمم المتحدة سيصل عدد سكان القطاع بعد أربع سنوات الى 2.3 مليون نسمة.

لقد غرق في غزة 500 شخص في السنوات الأخيرة عندما حاولوا الإبحار في قوارب صغيرة للصيد والوصول إلى شاطيء أمان على البحر المتوسط. هذا على خلفية الضائقة والإحباط. هناك زيادة في عدد حالات الانتحار وحالات القتل داخل العائلة. نسبة البطالة في أوساط الشباب تصل الى 60 في المئة. 90 في المئة من المياه في غزة غير صالحة للشرب. ويتم إخراج كمية زائدة من الآبار الارتوازية. وتعتبر مياه غزة مالحة إلى درجة أن الأجانب يقومون بتنظيف أسنانهم بالمياه المعدنية. الآن، حيث عادت تركيا إلى الصورة، فهناك أمل لأن تنفذ حكومة اردوغان وعودها، وتقوم بالتعاون مع ألمانيا ببناء محطة لتحلية مياه البحر. ومع ذلك ستستغرق إقامة هذه المحطة بضع سنوات.

مصر لا ترغب في سماع الحلول في موضوع غزة. فغزة لا تعنيها. فهي أغلقت معبر رفح والحركة التجارية فيه ضئيلة. لقد ألقت مصر بغزة الى “اسرائيل”، وأصبحت المسؤولية ملقاة على عاتق “اسرائيل”.

في كل يوم تدخل إلى القطاع حوالي ألف شاحنة محملة بالبضائع: الطعام والوقود والأدوية والاسمنت. وهناك خطة لزيادة عدد الشاحنات. أغلبية التمويل يأتي من قطر. في هذا الأسبوع فقط قدمت قطر لحماس، بموافقة اسرائيلية، 30 مليون دولار من أجل دفع رواتب الموظفين. و”اسرائيل” تزود القطاع بنصف كمية الكهرباء، لكن ذلك لا يكفي. هناك نقص بـ 50 في المئة بالكهرباء، والقطاع يعاني من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة. ولدى منسق شؤون المناطق يفحصون الآن خطط جديدة لزيادة كمية الكهرباء، وإقامة انبوب لاعطاء الغاز للقطاع. ولكن هذه المساعدة تشبه الحبوب المسكنة لمريض يحتضر. فقط خطوة كبيرة لها مغزى اقتصادي استراتيجي يمكنها وقف الكارثة الانسانية وابعاد الحرب.  والخطة الاكثر قابلية للتحقق هي بناء الميناء.

هذه الفكرة ليست جديدة، فقد تم طرحها في أوساط عسكرية وسياسية. وأول من قام بطرحها هو عضو الكنيست عومر بارليف من المعسكر الصهيوني في تشرين الاول 2014، بعد انتهاء الحرب بشهرين. وقد قدم خطة باسم “غزة الفرصة” وهي تشمل جدول زمني مفصل. وحسب هذه الخطة سيتم انشاء الميناء خلال اربع سنوات. ولكن ليس قبل نزاع السلاح من غزة.

 في البداية حماس تعطي وبعدها تأخذ، كتب عضو الكنيست بارليف في خطته، “الميناء البحري والجوي سيعملان بعد نزع السلاح من القطاع بسنوات، الأمر الذي سيسمح باختبار الرقابة الدولية على نزع السلاح. ويضاف إلى ذلك أن حماس والدول المانحة لا تريد بناء الميناء والمطار اللذين قد يتم تدميرهما في الحرب القادمة. في السطر الأخير، “اسرائيل” لن تخسر أي شيء. بدون اتفاق على نزع السلاح من غزة، فان حماس ستتسلح من جديد وستطلق النار على اسرائيل ونحن سنرد. الخطة المطروحة تحاول اعفاءنا من هذا السيناريو”.

فكرة إقامة الميناء مقبولة على الأجهزة الامنية الاسرائيلية – الجيش والشباك والموساد. والشرط هو أن تكون اسرائيل هي صاحبة الحق في الرقابة الكاملة على البضائع التي ستصل إلى الميناء من أجل ضمان عدم تهريب السلاح أو المواد التي تستخدم في تصنيعه.

يدعم هذه الفكرة في الأشهر الأخيرة وزير المواصلات والمعلومات اسرائيل كاتس. وقد قال لي إن “بناء الميناء سيُكمل عملية الانفصال لاريئيل شارون، الخطوة التي كنت أعارضها. خطة شارون هدفت إلى فصل “اسرائيل” تماما عن قطاع غزة. وفعليا قامت “اسرائيل” باخلاء الجيش والسكان، لكنها لم تنفصل. نحن نستمر في تقديم كل شيء لهم”.

كاتس يطلق على خطته اسم “جزيرة – انفصال”، الفكرة هي إقامة جزيرة صناعية في البحر بتمويل دولي على بعد 4.5 كم عن شواطيء غزة. وقد تم اعداد النموذج من قبل شركة موانيء “اسرائيل” التي اعتمدت على خطة رجل الاعمال اسحق تشوفا، الذي اقترح اقامة جزر صناعية أمام شواطيء “اسرائيل” وانشاء وحدات سكنية عليها. في الجزيرة أمام غزة تقام أيضا إضافة الى الميناء مصانع للطاقة ولتحلية المياه. وفيما بعد أيضا مطار وفنادق. ولكن ليس وحدات سكنية. الفحص الامني في الميناء يكون برقابة اسرائيلية مطلقة، ويتم وصل الجزيرة مع غزة بواسطة جسر في مركزه نقطة فحص امنية اخرى برقابة دولية. هكذا لن تعود اسرائيل مسؤولة عن غزة، وستعطى للفلسطينيين الحرية المدنية الكاملة، وتحافظ “اسرائيل” على أمنها دون الخوف من تهريب السلاح. والحفاظ على نزع السلاح هو الشرط لانشاء الجزيرة.

فكرة الوزير كاتس وعضو الكنيست بارليف تحظى باهتمام حكومات ووسائل إعلام دولية، وتبين في الآونة الاخيرة أن أغلبية أعضاء الكابنت، بما في ذلك وزير التربية والتعليم بينيت، ووزير الاسكان يوآف غالنت، ووزير المالية موشيه كحلون يريدون ذلك. والمعارض الرئيس الذي أحبط كل محاولة في هذا الاتجاه كان وزير الدفاع يعلون الذي أراد الحفاظ على الوضع الراهن ورفض تقديم بوادر حسن نية للفلسطينيين. أما الآن، بعد اقالة يعلون فقد فتحت نافذة للفرص، حتى لو عارض وزير الدفاع افيغدور ليبرمان ذلك.

في القريب يفترض أن يجتمع الكابنت لنقاش اقتراح كاتس. رئيس الحكومة نتنياهو، خلافا ليعلون وليبرمان، لا يعارض فكرة الميناء مبدئيا. وقد قال ذلك في السابق للوزير كاتس وكرر ذلك في يوم الاثنين الماضي في لقاء مع المراسلين العسكريين. “ليست لدي مشكلة مع الميناء، طالما أننا نستطيع الرقابة على البضائع”، قال.

السؤال الكبير هو ما اذا كان نتنياهو يستطيع التغلب على معارضة ليبرمان والشعور بأن صيت المبادرة سيعطى لخصمه السياسي كاتس، الذي يعتبر الآن القائم بأعماله، والذي وعده في السابق بأن يعينه وزيرا للخارجية.

المصدر: معاريف

 

شاهد أيضاً

هكذا تستعد “إسرائيل” ليوم المعركة المقبلة مع حماس

 أمير بوحبوط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *