الثلاثاء , يناير 16 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / الأربعة الذين خطفوا

الأربعة الذين خطفوا

فهمي هويدي

1فهمي  هويدي

ثمة جديد في قصة الفلسطينيين الأربعة الذين اختطفوا في الأراضي المصرية قبل عام بعد اجتيازهم معبر رفح. إذ تم تسريب صورة بثتها قناة الجزيرة يوم الاثنين الماضي (22/ 8) ظهر فيها اثنان منهم ضمن آخرين في أحد المقار الأمنية. وذكرت التقارير التي خرجت من غزة مساء اليوم ذاته أن الاثنين هما ياسر زنون وعبد الدايم أبو لبدة.

ورغم أن السلطات المصرية التزمت الصمت إزاء الموضوع خلال الأربع والعشرين ساعة التي أعقبت بث الخبر والصورة، إلا أن ذلك التطور يعيد فتح الملف من جديد. وإذا ثبتت صحة المعلومة فإنها تشير إلى أمرين، أولهما أن أولئك الشبان لا يزالون على قيد الحياة، والثاني أنهم في أيدي السلطات المصرية. على الأقل فذلك أصبح مرجحا بالنسبة للاثنين اللذين ظهرا في الصورة.

أغلب الظن أنها مجرد مصادفة، أن يختفي الأربعة يوم 15 أغسطس عام 2015، ثم يظهر اثنان منهم في الصورة يوم 22 أغسطس من العام التالي، ورغم أن القصة نسيت في الذاكرة المصرية، إلا أن الموضوع ظل حيا وبقوة في الشارع الفلسطيني، وفي غزة بوجه أخص. ليس فقط لأنها السابقة الأولى من نوعها التي تحدث على الأراضي المصرية، ولكن أيضا لأن أهالي المخطوفين بعشائرهم وقبائلهم إضافة إلى منظمات المقاومة لم يصادفوا بابا للتعرف على مصير الأربعة إلا وطرقوه. وفي حدود علمي فإن الموضوع ظل مدرجا على جدول أعمال المحادثات الفلسطينية التي جرت مع الجهات المختصة في القاهرة على مدار العام. وهي الجهود التي أبقت على الموضوع حيا في المجال العام، لكنها لم تنجح في فض ألغازه التي بدت محيرة ومقلقة لكل العابرين الفلسطينيين على الأقل.

خلاصة القصة المثيرة أنه في يوم الأربعاء 19 أغسطس من العام الماضي سمح لحافلتين تكدس فيهما الركاب القادمون من القطاع باجتياز معبر رفح. وكان الأربعة بينهم، حيث كان مقررا أن يتوجهوا من مطار القاهرة إلى تركيا، بعضهم للدراسة والبعض الآخر للعلاج. حسب شهادة الشهود فقد أثار انتباههم تأخير عبور الحافلتين إلى ما بعد موعد حظر التجوال بساعتين. كما أثار دهشتهم أن الحافلة التي كان الأربعة بين ركابها لم يصحبها أحد من رجال الأمن الذين اعتادوا مرافقة المسافرين.

كما لم يظهر مندوب السفارة الذي جرى العرف على وجوده في مثل تلك الحالة. الشاهد أنه بعد العبور، وعلى بعد 200 متر من البوابة التي دخلوا منها إلى الأراضي المصرية سمع الركاب صوت إطلاق الرصاص نحو الحافلة، مع أمر لسائقها بالتوقف. وحين حدث ذلك صعد أربعة أشخاص إلى الحافلة، ثلاثة ملثمون ورابع مكشوف الوجه. وكان واضحا أنهم يعرفون الأربعة؛ لأنهم ظلوا يتفرسون في الوجوه ثم يخرجونهم واحدا تلو الآخر. من النافذة رآهم الركاب وهم يأمرونهم بخلع ثيابهم، ثم ينهالون عليهم بالضرب -الذي كان لسائق الحافلة منه نصيب- وبعد ذلك ابتلعهم الظلام، وسمح للحافلة بمواصلة الرحلة إلى القاهرة.

إزاء الغموض الذي اكتنف العملية، فإن استنتاجات عدة حول مصيرهم ترددت آنذاك. فمن قائل إن الإسرائيليين يمكن أن يكونوا وراءها. خصوصا أن الأربعة ينتمون إلى حركة حماس. ورشحت داعش لتكون احتمالا آخر؛ لأن حماس اعتقلت عددا منهم في غزة، وبدا وارداً أن يكون اختطاف الأربعة إما رداً على ذلك أو وسيلة للضغط والمقايضة. وتحدث البعض عن أن يكون للأمر علاقة بالثأر والتصفيات القبلية في المنطقة. ولم يكن قيام السلطات المصرية باختطاف الأربعة مستبعدا، خصوصاً في ظل بعض القرائن التي دلت على أنه مرتب سلفاً كما سبقت الإشارة. وظلت تلك مجرد تخمينات وتكهنات تدعمها قرائن ولا دليل قطعيا يؤيد أيا منها.

الصورة التي ظهرت هذا الأسبوع حسمت الأمر، حيث ينطبق عليها المثل العربي الشائع «قطعت جهيزة قول كل خطيب». الأمر الذي يسوغ للبعض القول بأن الصورة قامت مقام الأَمَة جهيزة التي نقلت الخبر إلى الجمع في القصة الشهيرة. سألني في الموضوع أحد الصحفيين من غزة مساء اليوم ذاته فقلت إن الأمر إذا كان مرجحا فينبغي أن يخضع للتبين أولا، حتى يمكن القطع بأن اللذين ظهرا في الصورة وسط جمع من المحتجزين هما بالفعل ياسر وعبد الدايم. ولا سبيل إلى التحقق من ذلك إلا من خلال السلطات الأمنية المصرية. وإلى أن يتم التثبت والتبين فإن القضية ينبغي التعامل معها بهدوء. بعيدا عن الضجيج والإثارة التي يجيدها الإعلام. 

وفي كل الأحوال، ينبغي أن يظل الهدف هو التفهم والتفاهم وليس التصعيد وتعميق التوتر القائم بالفعل بين حماس والقاهرة؛ إذ إن الأعين ينبغي أن تظل مصوبة نحو مستقبل العلاقات بين الطرفين. وفي كل الأحوال فإن من حق الطرف الفلسطيني أن يطمئن على مصير الاثنين الآخرين، كما لا ينكر حقه في أن يعرف حقيقة ما هو منسوب إليهما، وأن يوفر للأربعة الضمانات القانونية اللازمة لحمايتهم.

إذا اعتبر الفلسطينيون ظهور الاثنين مفاجأة، فإن القصة تفقد عنصر المفاجأة بالنسبة للمواطن المصري؛ ذلك أنه في أجواء التدهور الأمني الراهنة تعددت حالات اختفاء الأشخاص حينا من الدهر، ثم ظهورهم فجأة أثناء التحقيقات أو اكتشاف وجودهم مصادفة أثناء زيارات بعض المحامين. ومما يؤسف له أن يصبح ذلك خبرا عاديا، تطغى فيه مشاعر الفرحة لظهورهم على رصيد اللوعة والأسى المتراكم طوال غيابهم.

حين صاحت أم الإيطالي جوليو ريجيني غاضبة بعدما رأت جثته، وقالت إن ابنها القتيل عذب كما لو كان مصريا، فإن الرسالة كانت مخزية ومفجعة، إلا أنها صارت مثلا، الأمر الذي يدعونا إلى مناشدة السلطات المصرية ألا تكون تعاملت مع المخطوفين الأربعة كما لو كانوا مصريين. وإذا ما ثبتت صحة القصة التي نحن بصددها، فإن مسؤول الداخلية الذي نفى وجود شيء اسمه الاختفاء القسري في مصر، يصبح مطالبا بأن يدلي بدلوه في الموضوع.

الشروق المصرية

عن محمد محمد

شاهد أيضاً

التطبيع.. معركة “إسرائيل” الأهم وورقة نتنياهو

أيمن الرفاتي  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *