الثلاثاء , يناير 16 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / خلافة أبو مازن: بين القدوة والبرغوثي ودحلان

خلافة أبو مازن: بين القدوة والبرغوثي ودحلان

هاني المصري

هاني المصري

فجأةً، أصبح ناصر القدوة النجم الساطع في السماء الفلسطينية، وإلى حد بعيد العربية والدولية، لأن الإعلامي الإسرائيلي إيهود يعاري تحدّث عبر القناة الثانية، بالتزامن مع إعلاميين إسرائيليين آخرين، عن معلومات مفادها أن أطراف اللجنة الرباعية العربية طلبت من الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يعيّن ناصر القدوة خليفة له، بعدما خلصت إلى أن مساعيها لإعادة محمد دحلان لم تنجح، على أن يكون القدوة جسرًا لتبوُّء دحلان مقاليد الأمور في المستقبل. وبهذه الأخبار يُساء للقدوة وللوضع الفلسطيني برمته بتصويرهما ألعوبة في أيدي الرباعية العربية، برغم أن خطتها المذكورة بخصوص دحلان لم تنجح.
القدوة صاحب خبرة سياسية، وديبلوماسي مشهود له، ونظيف اليد واللسان، وموقفه وطني لا غبار عليه، لكنه يفتقد للقاعدة السياسية الشعبية، ويفضل الابتعاد عن الخوض في معارك ودهاليز الساحة الفلسطينية في ظل حالة الاستقطاب الحادّة حالياً، ما يجعله مرشحاً مناسباً إذا جاء مع وإلى جانب مروان البرغوثي وغيرهما من المرشحين المحتملين المؤتمنين على القضية الوطنية، ضمن رؤية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتكامل أدوار وصلاحيات مسؤوليه ومؤسساته. وقد نفى القدوة هذه الأنباء قائلًا إنها عارية من الصحة، ومعتبراً أن مسألة الخلافة شأن فلسطيني يجب أن يتم التفاهم عليها فلسطينياً قبل أي شيء آخر.
تُطرح مسألة الخلافة إذا قرر عباس الاستقالة أو غاب عن المشهد السياسي لسبب أو لآخر. أما في ظل المعطيات الحالية، فكل ما يقال تكهنات إعلامية قد يكون هناك من سربها عن قصد أو من أهدافها حرق أسماء وتلميع أخرى، والإعداد لتقدم أسماء مِن التي لا تزال في خلفية المشهد.
برغم أن ايهود يعاري إعلامي خفيف لا تُعرف عنه الرصانة والحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية العليمة، إلا أن ما جاء في تقريره فرض نفسه على الأجندة الإعلامية، وأصبح تنصيب القدوة خبراً بحد ذاته، مع أن هذا عبارة عن لعبة إعلامية وبالونات اختبار.
وللبرهنة على ما ذهبنا إليه، نشير إلى ما انتشر بعد طرح الخطة العربية مثل النار في الهشيم لجهة أن دحلان قادم لا محالة، برغم الأنباء المتواترة سريعاً عن رفض الرئيس واللجنة المركزية والمجلسَين الثوري والاستشاري لحركة فتح، إلى حد العزم على عقد مؤتمر الحركة السابع في أواخر الشهر القادم، لقطع الطريق نهائياً على عودة دحلان.
غير أن الواثقين من عودة دحلان ينطلقون من إيمانهم بأن القرار بذلك ليس فلسطينياً، متجاهلين أن هبوطه بـبراشوت عربي من شأنه أن يقضي أو يقلل، على الأقل، من احتمالات هذه العودة. كان دحلان سيعود لو أن هناك تفاهما فلسطينيا عربيا على عودته، إضافة إلى موافقة الرئيس عباس، لكن الأخير لم يوافق لأن عودة دحلان من شأنها أن تسرّع في رحيله على اعتبار أنها مرتبطة بمخططات خلافته.
ليس لدى الرئيس ما يخشاه لأنه مدرك أن الكل يحتاج إليه ويخشى غيابه من دون ترتيب أمر هذه الخلافة. فهو مستمر كعنصر يساعد على استقرار الوضع الراهن، أو عدم تدهوره سريعاً، ما يُبعد احتمالات تكرار سيناريو سلفه ياسر عرفات، في هذه المرحلة على الأقل. فكل ما يُراد منه هو ترتيب أمر خلفه، وهو يدرك أن هذه نقطة قوته التي لن يفرط بها بسهولة.
أدرك تماماً أن هوية الرئيس الفلسطيني القادم بعد تجاوز أبو مازن الثمانين من عمره، وعدم معرفة الخليفة الفعلي له، وفي ظل عدم وجود نائب للرئيس، وعدم إمكانية أن يحل رئيس المجلس التشريعي محله؛ أدرك أنها ليست قراراً فلسطينياً صرفاً فحسب. فما يساهم في تحديدها هو مجموعة من الأطراف والدول، تبدأ بـ”إسرائيل” والدول العربية المؤثرة في القرار العربي حالياً، ولا تنتهي بتركيا وإيران وأوروبا والصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية.

إن حجم التأثير الخارجي يمكن أن يكبر أو يصغر ويكون حاسماً أو هامشياً بقدر عمق التفاهم الذي يتحقق بين الفلسطينيين. ويرتبط التأثير بعدد من القضايا، منها: استمرار الانقسام وتعمقه أكثر أفقياً وعمودياً، ومواصلة سياسة الانتظار المعتمدة من القيادة الفلسطينية، وعدم تحديد آلية انتقال السلطة بعد أبو مازن في ظل تنافس عدد وافر من أصحاب الطموح من داخل فتح وخارجها، إضافة إلى عدم وجود شخصية وازنة لأي من المتنافسين باستثناء مروان البرغوثي القابع وراء جدران الأسر في السجون الإسرائيلية، والذي لا يستطيع أحد ضمان إطلاق سراحه. البرغوثي رقم صعب في معركة الرئاسة، لدرجة أنه لا يمكن لأيٍّ كان أن يكون رئيساً من دون دعمه.
طبعاً، لا تقرر فتح وحدها هوية الخليفة، لأن حماس أصبحت لاعباً مهماً لا يمكن تجاوزه، فهي تنافس فتح على القيادة والتمثيل، وفي صناديق الاقتراع، وتسيطر على قطاع غزة، وبمقدورها أن تسهّل أو تصعّب مسألة الخلافة. لذلك، من المهم عقد فتح مؤتمرها السابع بعد استكمال الاستعدادات والتحضيرات المناسبة التي تضمن استعادة الحركة تنوعها وانفتاحها، ولعب دورها الوطني الفعّال والمبادر، الذي يعد شرطه الأول الخروج من أسر أوسلو وقيوده الغليظة، واعتماد مسار سياسي جديد قادر على توحيد الشعب بما يتجاوز التفاهمات بين فتح و حماس والفصائل. كما أن عقد مجلس وطني توحيدي ينبغي أن يندرج في سياق إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أساس برنامج وطني موحد، بصورة تسمح لها بضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، وبأخذ الدروس والعبر من التجارب السابقة والحقائق الجديدة والخبرات المستفادة.
في حال تم ترتيب البيت الفلسطيني، سيدعم العرب، راغبون أو مكرهون، ما يختاره الفلسطينيون. أما إذا استمرت حالة التيه، وما أدت إليه من تداعيات على القضية والحقوق والمؤسسات، فهذا يفتح الأبواب لأنواع التدخلات كلها.
ليس السؤال الجوهري حول هوية الرئيس القادم، بل ذاك المتعلق بالمكان الذي نقف فيه الآن، وذاك الذي نريد الوصول إليه، وبكيفية تحقيق ذلك؟
بعد الإجابة على هذه الأسئلة يمكن شق الطريق الذي يتوجب السير فيه، وبلورة البرنامج الذي يحتاج إليه الشعب للصمود أولاً، والتقدم على طريق التحرر الوطني والديموقراطي ثانياً. بعد ذلك يمكن اختيار الرئيس والقادة القادرين على الوفاء بمتطلبات هذا الطريق، وذاك البرنامج.
لكن الرئيس القادم أياً يكن، لا يملك عصا سحرية، ولا يجب أن يجمع السلطات والمناصب كلها، إنما لا بد أن يكون فرداً ضمن قيادة تحكمها الاعتبارات الوطنية، والديموقراطية التوافقية، والمؤسسة الجامعة، كي يتحمل جميع أفرادها أعباء المرحلة القادمة، التي ستحسم ما إذا كانت القضية الفلسطينية ستبقى حية أم لا.

السفير

شاهد أيضاً

“نار وغضب” وتصفية القضية الفلسطينية

غسان الشامي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *