الخميس , يونيو 21 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / العلاقات المصرية السعودية… إلى أين؟

العلاقات المصرية السعودية… إلى أين؟

بدر شافعي

%d8%a8%d8%af%d8%b1-%d8%b4%d8%a7%d9%81%d8%b9%d9%89

أثار التصويت المصري في مجلس الأمن، أخيراً، لصالح مشروع القرار الروسي بشأن حلب، حفيظة الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية التي اعتبرته بمثابة خروج عن الإجماع العربي بشأن الموقف من سورية وبشار الأسد، لكنّ محللين، بينهم مصريون وسعوديون، اعتبروه متوقعاً، خصوصاً في ظل موقف عبد الفتاح السيسي من نظام الأسد، كما أنه دليل آخر على خروج مصر السيسي عن عباءة السعودية التي كانت إحدى الدول الداعمة لانقلابه على الشرعية في 3 يوليو/ تموز 2013، واتضح هذا الخروج بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم، أوائل العام 2015، وإطاحته مقربين من السيسي في دوائر الحكم الملكي، من أمثال خالد بن سلطان ومتعب بن عبد الله ولي ولي العهد ورئيس الديوان خالد التويجري وغيرهم في التعديلات الأولى، فضلا عن استبعاد ولي العهد الأخ غير الشقيق، الأمير مقرن، وهو ذو صلة وثيقة بالسيسي، في التعديلات الثانية.
وبالتالي، استجدّت، في ظل هذا التصعيد المتبادل بين الجانبين، خصوصاً على الجانب الإعلامي، ثم وقف شركة أرامكو السعودية إمدادات النفط لمصر، تساؤلات بشأن أسباب الموقف المصري من ناحية، ورد الفعل السعودي المتوقع من ناحية ثانية، بمعنى هل تستمر في تحالفها ودعمها الاقتصادي للسيسي، أم تبقي على التحالف مع تراجع الدعم أو توقفه، وهل يمكن أن تبحث عن بدائل له، وهل يمكن أن يكون الإخوان المسلمون جزءا من هذه المعادلة؟

على الرغم من سعي السيسي، منذ وصوله إلى الحكم، إلى إبراز تماهيه مع دول الخليج، وفي القلب منها السعودية، ومن ذلك حديثه إن أمن الخليج “خط أحمر”، وإن أي اعتداء على الأشقاء سيدفع الجيش المصري إلى التدخل السريع في زمن قصير (مسافة السكة)، إلا أن هذا الأمر يبدو على المستوى النظري بصورة أكبر من المستوى العملي. وقد ظهر ذلك بوضوح في موقف السيسي من “عاصفة الحزم” التي أعلنتها السعودية بتشكيل تحالف عربي في مارس/ آذار 2015، بعد تولي الملك سلمان الحكم بثلاثة أشهر، من بين دوله مصر، لمواجهة تمرد الحوثي- صالح. ما حدث عكس ذلك، حيث استقبلت القاهرة وفداً حوثياً، وممثلين من حزب صالح، فضلا عن هجوم إعلامي مصري عنيف في حينها على الموقف السعودي. وسمحت السلطات المصرية بخروج مظاهرة رافضة للعاصفة أمام مقر السفارة السعودية في القاهرة، ما حدا بسفيرها إلى تقديم احتجاج رسمي على هذه الممارسات. وربما تكرّر الأمر نفسه بالنسبة للموقف من سورية، حيث أعادت القاهرة فتح سفارتها في دمشق، وأعلنت رفضها المشاركة في أي عملية تدخل بري في سورية، حال الموافقة الدولية على ذلك، على الرغم من أنها إحدى الدول المنضوية تحت التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب الذي أعلنت الرياض عن تشكيله نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2015، لمواجهة “داعش”، بل اعتبرت على لسان وزير خارجيتها، سامح شكري، في فبراير/ شباط الماضي، هذا التدخل انفرادياً، ولا يأتي في إطار التحالف الدولي لمواجهة داعش.

يمكن تفسير هذا السلوك المصري المخالف للموقف السعودي في اليمن وسورية بأمرين أساسيين: رغبة السيسي في إظهار مصر دولة قوية، وبالتالي، لا يمكن فرض إملاءات عليها، ما قد يدفع الرياض إلى تقديم مزيد من المساعدات من ناحية، فضلا عن حصوله على مزيد من التأييد الشعبي الداخلي له من ناحية ثانية. وهناك من يربط بين توقيت هذا التصعيد ورغبة السيسي في الحصول على دعم مادي لتلبية شروط صندوق النقد الخاصة بإتمام قرض 12 مليار دولار، ومنها تخفيض الدين المحلي إلى 60%، ما يعني الحاجة إلى المزيد من الدعم الخارجي. الأمر الثاني هو السعي إلى تنويع مصادر الدعم الخارجي، وعدم الاقتصار على جانب واحد، سواء على الصعيد الدولي أو حتى الإقليمي، ففي وقتٍ تتوطد فيه علاقاته بواشنطن، يسعى أيضا إلى توطيد العلاقات مع موسكو، والأمر على الصعيد الإقليمي، ويبدو أن هذه الخطوة برزت مع تولي الملك سلمان الحكم، وهو الذي قام بتوطيد العلاقة مع كل من قطر وتركيا، ناهيك عن تحسن علاقة المملكة مع حزب الإصلاح اليمني، وبصورة جزئية مع حماس، وكلهم خصوم السيسي، فبات التفكير في تشكيل تحالف مواز للتحالف السعودي التركي القطري، ليضم مصر وسورية وإيران وروسيا.
ويذكر أن السعودية والإمارات والكويت تعهدت في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، في مارس/ آذار 2015، بتقديم دعم مالي لمصر يقدر بـ12 مليار دولار، وجاء موقف السيسي من “عاصفة الحزم” لاحقاً لذلك، ولكن يبدو أنه لم يؤثر على فكرة الدعم، وإنما على شكله (تقديم دعم نفطي بدلا من النقدي)، مع تراجع أسعار النفط العالمية، فضلا عن عقد صفقات بترولية بشروط ميسرة نسبية لتوريد النفط ومشتقاته لمصر، مثل صفقة شركة أرامكو السعودية بقيمة 23 مليارا على خمس سنوات، بنسبة ائتمان تقدر بـ 2%.
وقد طفت قضايا أخرى على السطح في حينها، لا سيما بعد تعقد الموقف في اليمن، خاصرة المملكة من ناحية الجنوب، وما استدعاه ذلك من ضرورة التدخل العسكري الخليجي من ناحية، فضلا عن الاضطرار للتعامل مع “الإخوان المسلمين” في اليمن وحزبهم التجمع اليمني للإصلاح، والأمر نفسه، وإنْ بدرجةٍ أقل، بالنسبة لسورية، ما يعني ضرورة تحسين العلاقات مع كل من قطر وتركيا، خصمي السيسي، وما يعنيه ذلك من إمكانية تراجع مكانة مصر، في ظل هذا التحالف الجديد، وهو ما تم تفسيره على الطرف الآخر بأنه محاولة لتقليص دور مصر. وبالتالي، إمكانية تراجع الدعم المادي لها.
ويبدو أن العلاقة بين الجانبين تحكمها روابط استراتيجية، على الرغم من التباينات التي تظهر بشأنها من حين إلى آخر، فالسعودية، تاريخياً، ضد فكرة وجود ديمقراطية “حقيقية” في المنطقة، لا سيما في مصر، ناهيك على أن يتصدّر “الإخوان المسلمون المشهد، ولعل هذا يفسر تاريخيا رفض المملكة، منذ تأسيسها، فكرة تغيير النظم من خلال الثورات، وبالطبع من خلال الديمقراطيات، وهو موقف متأصّل منذ مؤسسها الملك عبد العزيز آل سعود، ورفضه ثورة اليمن عام 1948، والتي أيّدها الإخوان المسلمون، ما دفعه إلى التقارب في حينها مع الملك فاروق، وحدوث شبه اتفاق ضدهم. وربما تكرّر الأمر نفسه مع ثورات الربيع العربي، فقد آوت المملكة الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، ورفضت تنحي حسني مبارك، ودعمت بلا حدود الثورة المضادة ضد حكم محمد مرسي والإخوان.

وقد يجعل هذا الموقف “المبدئي” صعوبة في الحديث عن رد فعل سعودي عنيف تجاه عبد الفتاح السيسي، من قبيل قطع العلاقات أو دعم قوى سياسية أخرى لإطاحته، لا سيما وأنه الرجل الذي يحظى بدعم المؤسسة العسكرية الأقوى في الداخل، فضلا عن التأييد الإسرائيلي والروسي والأميركي في الخارج، كما أن فكرة التواصل مع الإخوان المسلمين بديلاً غير واردة من الأساس، إذ يعد السيسي الضمانة الأولى لعدم عودتهم ثانية إلى المشهد السياسي، فلا مانع من اتخاذه مواقف مخالفة للمملكة في عدة قضايا، بهدف إثبات الوجود الداخلي أو الخارجي، أو حتى الابتزاز.
الخلاصة أن العلاقات والأهداف الاستراتيجية للطرفين قد تجعل صعوبة في إمكانية حدوث توتر حقيقي في العلاقات. وبالتالي، كل ما هو متوقع يدخل في إطار المناوشات الهامشية أو الشكلية، التي يكون هدفها إرضاء الرأي العام في كليهما. وبالتالي، يمكن فهم تلويح السعودية بعدم إرسال النفط، أو حتى تراجع الدعم، وعدم تنفيذ جسر الملك سلمان. وفي المقابل، يلوّح إعلام السيسي بأن إيران ربما تكون البديل، وأن جزيرتي تيران وصنافير مصريتان، لا سيما مع حكم المحكمة الأولى بعدم أحقية السعودية في تملكها، ورفض البرلمان المصري التصديق على الاتفاقية انتظاراً لحكم المحكمة، بل ربما منع المصريين من أداء العمرة، لتوفير نحو مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري!

العربي الجديد

شاهد أيضاً

التصعيد على غزة يهدف إلى التهدئة

د.فايز أبو شمالة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *