الأحد , مايو 27 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / تركيا وإيران ومنافسة غير عادلة

تركيا وإيران ومنافسة غير عادلة

إسماعيل ياشا

%d8%a5%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d9%84-%d9%8a%d8%a7%d8%b4%d8%a7

تخوض تركيا وإيران كلاعبين كبيرين في المنطقة منافسة محتدمة لتوسيع النفوذ وتعزيز القوة، بالتوازي مع العلاقات الثنائية بين الدولتين الجارتين في مختلف المجالات. واشتدت هذه المنافسة التي تضرب جذورها في أعماق التاريخ، بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا وتبنيه سياسة الانفتاح على جميع الاتجاهات.

أنقرة وطهران نجحتا حتى الآن في تجنب الصدام المباشر في هذه المنافسة، بل تشهد علاقاتهما مساعي التعزيز وحسن الجوار والشراكة في حل مشاكل المنطقة، إلا أن المؤكد في المعادلة الإقليمية أن صعود إحدى الدولتين وتوسيع نفوذها يعني بالضرورة تراجع الثانية وتقلص نفوذها في المنطقة.

لا بأس في قيام أي دولة بمنافسة أخرى سعيا لتحقيق أحلامها وتطلعاتها، ولكن المنافسة التي تخوضها تركيا وإيران ليست عادلة، بسبب تجاوز أحد اللاعبين قواعد المنافسة الشريفة ولجوئه إلى أساليب وأدوات لا يمكن للاعب الآخر استخدامها.

تركيا وإيران، كلتاهما ذات قوميات ومذاهب متعددة. وهنا أقلية علوية في تركيا كما أن هناك في إيران أقلية سنية. ولكن تركيا دولة علمانية تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمذاهب، في مقابل إيران التي ينص دستورها أن مذهب الاثني عشرية هو مذهب الدولة. وبالتالي، تستخدم إيران ورقة الانتماء المذهبي والطائفية إلى أبعد الحدود في توسيع نفوذها ونشر دعايتها، بالإضافة إلى ضرب خصومها وخلخلة أمنها واستقرارها، في الوقت الذي لا تستخدم فيه تركيا هذه الورقة الملوَّثة.

سلاح التهييج الطائفي يمنح إيران تشكيل ميليشيات وخلايا موالية لها في دول أخرى لتخدم مصالحها القومية، كما يمنحها فرصة القتال خارج حدودها الجغرافية، وعلى أراضي غيرها، باستخدام تلك الميليشيات والخلايا، ودون أن يخسر عددا كبيرا من جنودها وضباطها. وهو سلاح فعَّال في الحرب بالوكالة، في الوقت الذي يتعذر فيه الصدام المباشر.

تركيا نظامها ديمقراطي، وحكومتها مقيدة بالدستور والقوانين. وسقف الحريات فيها، سواء للأكثرية والمؤيدين للحكومة أو للأقلية والمعارضة، أعلى بكثير مقارنة بما في معظم دول المنطقة. وأما إيران فيحكمها نظام ولي الفقيه، في ظل سيطرة الحرس الثوري على الاقتصاد والمؤسسات الحكومية وشريان الدولة. وسقف الحريات في إيران للأقليات القومية والمذهبية والمعارضين للنظام لا يقارن بسقف الحريات في تركيا، الأمر الذي يمنح إيران مساحة واسعة داخل تركيا للتحرك والعبث عبر وكلائها وخلاياها، لتستغل مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات.

إيران تنشط داخل تركيا منذ قيام الثورة الخمينية لنشر التشيع السياسي والولاء لطهران، من خلال افتتاح دور النشر وترجمة الكتب التي تروِّج للثورة وإيران ورموزها، وإصدار صحف ومجلات، وتأسيس محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية، بالإضافة إلى الجمعيات والمنظمات الأهلية والفعاليات الطلابية، لأن أجواء الحرية والديمقراطية تعطيها كل هذه الإمكانيات. وفي المقابل، لا نرى مثل هذه الوسائل والمنظمات والفعاليات تنشط في إيران لصالح تركيا، لأن أجواء القمع في إيران لا تسمح لها بتأييد سياسات دولة أخرى ومواقفها ضد سياسات إيران ومواقفها.

 الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية وحتى المجموعات اليسارية في تركيا ساحة مكشوفة للاختراق الإيراني. وبخلاف الاعتقاد السائد، تخترق إيران صفوف الكماليين الأتاتوركيين واليساريين وتجنيد وكلاء منهم يعملون لصالحها، باستخدام الانتماء الطائفي أحيانا وورقة المال أحيانا أخرى.

وعلى سبيل المثال، لا الحصر، هناك نائب في البرلمان التركي متهم بتلقي الأموال من إيران ليقوم بالتحريض ضد الحكومة التركية أثناء أحداث ميدان تقسيم بإسطنبول في صيف 2013، بل يعلن هذا النائب المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري الذي أسَّسه مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه، أنه سيدعم إيران في حال نشبت حرب بين تركيا وإيران. أما في إيران، فلا يمكن أن نرى في برلمانها مثل هذا النائب، لأن مصيره سيكون السجن إن لم يجد نفسه مشنوقا على رافعة.

قوات الأمن التركية داهمت مساء الثلاثاء مقر قناة “قدس تي في” وأغلقته بعد مصادرة أجهزته تلبية لحملة شعبية طالبت الحكومة التركية بإغلاق هذه القناة الممولة من إيران، وعدم السماح لها بالترويج لميليشيات الحشد الشعبي الإرهابية التي تهدد تركيا وأمنها. وقد تشكل هذه الخطوة بداية لمراجعة قواعد اللعبة وتصحيح الخلل في المنافسة التركية الإيرانية.

تركيا في هذه المرحلة الحساسة لا يمكن أن تستخدم جميع الأوراق والأدوات التي تستخدمها إيران، ولكنها يجب أن تؤسس توازنا بين الحقوق والحريات والأمن القومي لتحول دون استغلال أجواء الحرية لضرب أمنها واستقرارها، وأن لا يتحول نظامها الديمقراطي إلى نقطة ضعفها في التنافس والصراع.

الجزيرة نت

شاهد أيضاً

القضية الفلسطينية ومحاولات تزييف الوعي العربي

سمية الغنوشي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *