الأربعاء , يوليو 26 2017
الرئيسية / آراء وتحليلات / في غياب استراتيجية أقوياء على حماس

في غياب استراتيجية أقوياء على حماس

 ألون بن دافيد

هذا الأسبوع تبين حقا أنه “قوي على حماس″.  فالرجل الذي لم يتجرأ على الإقتراب من  قطاع غزة منذ أكثر من عقد، والذي يحرص  على إدارة قدميه  عن جنين وطولكرم، وبالكاد يدير رام الله، تبين كمن يتجرأ على الوقوف في وجه حماس ومستعد لان يقاتل ضدها حتى آخر الجنود الإسرائيليين. وزراء الكابنت خاصتنا، الذين لا يوفرون  عنه كل يوم الهزء والشتائم، ساروا على الخط كرجل واحد إلى جانب أبو مازن وربطوا “إسرائيل” كلها في  كفاحه السياسي الداخلي. بقعة الضوء الوحيدة في الظلام الذي فرضناه على القطاع هذا الأسبوع كانت الأغلبية التي تبينت في الكابنت لإقامة ميناء في غزة.

بعض الترتيب في المعطيات التي يخيل لي أن الكثير من الإسرائيليين لا يعرفونها: لسنا نحن من نمول الكهرباء التي تورد إلى قطاع غزة. “فإسرائيل” تقتطع كلفة الكهرباء من أموال الضرائب التي تحولها كل شهر الى السلطة الفلسطينية (نحو 40 مليون شيكل في الشهر). وطلب محمود عباس أن نقلل الكهرباء التي تنقل إلى غزة بـ 40 في المئة وإلا نجبي إلا 25 مليون من المال الذي يحول إليه. والمعنى هامشي ظاهرا. ففي الأشهر الأخيرة “تمتعت” غزة بأربع ساعات في اليوم. معظم القطاع لم تتمكن من الإستحمام في المياه الساخنة في الشتاء الماضي. وفي أعقاب قرار الكابنت فإن الأربع ساعات ستقل إلى ثلاث ساعات وربع من توريد الكهرباء. ولكن يمكن لحماس الآن أن تتهم “إسرائيل” بالضائقة وإذا ما تفاقمت – يمكنها أيضا أن تقنع سكان غزة بالحاجة إلى الخروج إلى حرب أخرى ضدنا.

الجيش والمخابرات الإسرائيلية يفهمون جيدا حجم الرهان، ولا يزال، بقصر نظر شديد، أيدوا القرار بالفم الملآن. حاولت أن إستوضح مع الأشخاص الذين أوصوا تقليص الكهرباء، ما هو السيناريو المثالي من ناحيتهم. هي يعتقدون أن في أعقاب الضغط فإن حماس ستضع المفاتيح وتدعو أبو مازن للعودة إلى غزة؟ هل يؤمنون بأنه سيكون للسلطة في أي مرة مكانة في القطاع؟ هل كانوا على ما يكفي من الإستقامة كي يعترفوا أن لا. في أقصى الأحوال يأملون بإن يوافق أحد ما آخر على تمويل الكهرباء.

منذ يوم الأثنين تتطلع كل العيون إلى اللواء يوآف فولي مردخاي، منسق أعمال الحكومة في المناطق، كي ينقذنا من أنفسنا ومن القرار الذي عمل عليه هو نفسه. فهو يجري مكالمات هاتفية مع أوروبا ومع الأصدقاء الجدد في العالم العربي على أمل أن يهرعوا لنجدة غزة. ولكن  هو أيضا يتذكر كيف أنه بعد الجرف الصامد عقد مؤتمر وعدت فيه عشرات الدول في التبرع بـ 4 مليار دولار لإعمار غزة. أما غزة فلم ترى بعد 10 في المئة من هذا المال.

ينبع وقوف الجيش والمخابرات الإسرائيلية إلى جانب أبو مازن من غريزة مفهومة: حماس تعتبر عدوا والسلطة الفلسطينية شريكا. إضافة إلى ذلك، إنضمت إلى هذا الأن الريح الجديدة التي تهب في العالم العربي ضد حماس وقطر، فما الذي هو أكثر  طبيعية من إنضمامنا إلى المعسكر السني؟ سيسر هذا المعسكر أن يرانا نقاتل مرة أخرى ضد حماس ونضربهم – غير أن من سيدفع الثمن بدمه هو نحن.

السلطة الفلسطينية هي بالفعل شريك في الكفاح ضد شبكات حماس في يهودا والسامرة، إذ أن هذه مصلحتها هي أيضا. ولكنها لا تزال، صحيح حتى هذه الأيام، تواصل دفع المخصصات لعائلات المخربين. ليس واضحا لي لماذا ملح لنا أن نزيد تمويلها على حساب سكان غزة.

الناس في القفص

في غزة أقيمت قبل عقد دولة حماس. هي دولة عدو، وهي غير ناجحة على نحو خاص أيضا، ولكنها تدير مليوني نسمة ومنذ الجرف الصامد تثبت أيضا بإن إدارتها عقلانية. حماس لا تطلق حتى ولا رصاصة أو صاروخ واحد منذ نحو ثلاث سنوات. في كل واحدة من الـ 49 حالة من إطلاق الصواريخ نحو “إسرائيل” في هذه الفترة – عملت حماس ضد مطلقي النار. لقد كانت حماس وستكون عدوا مريرا “لإسرائيل”، ولكن مصلحتها اليوم هي حفظ السيادة الوحيدة القائمة للأخوان المسلمين في العالم العربي.

وصف معظم المحللين في “إسرائيل” تعيين يحيى السنوار رئيسا لحماس في غزة كإشارة على أن الحركة تعود إلى خطها الكفاحي. فالسنوار، الذي يصفه محققوه كرجل قوي وفهيم، على علم بأن التوقع منه هو أن يقود كإرهابي. ومنذ تسلم مهام منصبه فإنه يتصرف بالذات كمن مهم له أن يظهر كسياسي. وفي مواجهة العداء المتزايد في العالم العربي، يحاول السنوار الوصول إلى تفاهمات مع العالم العربي وعلى رأسها مصر.

نشأ في العقد الأخير شرخ عميق بين غزة والضفة. فالشرخ الإجتماعي – الثقافي كان موجودا دوما ولكنه تبين الآن عمق الشرخ السياسي، الذي لم يعد قابلا للرأب.  فأي مصلحة “لإسرائيل” أن تجتهد وأن تعيد من جديد الربط بين هاتين الأرضين  الإقليميتين؟ فهل نؤمن حقا بأن أبو مازن يمكنه أن يمثل “الشعب الفلسطيني” بما في ذلك حماس في غزة أيضا؟

المشكلة الأساس، مثلما أجاد في صياغتها الوزير يسرائيل كاتس هي ان ليس “لإسرائيل” استراتيجية تجاه غزة. فالزعامة الإسرائيلية، بتبطل شخصياتها، غير قادرة على أن تعرف ما هي طبيعة العلاقات التي تريدها “إسرائيل” تجاه غزة، وهكذا فإننا نجد أنفسنا نخدم مصالح غريبة. هذا لم يبدأ في عهد نتنياهو، ولكنه تفاقم.

غزة هي قفص لمليوني إنسان بنيناه نحن. صحيح أننا لا نحتل أرضهم، ولكن حين قررنا أن الغزيين لا يمكنهم أن يطيروا، يبحروا أو يسافروا عبر البر إلى أي مكان – فإننا أخذنا على أنفسنا مسؤولية اطعام الناس الذين في القفص. في كل صباح ندخل ألف شاحنة تموين إلى غزة: غذاء، وقود، اسمنت (يوجه قسم منه إلى الإنفاق)، حديد (يوجه قسم منه إلى الصواريخ) – فلماذا نختار نحن تحمل هذه المسؤولية؟ قريبا لن يكون ماء شرب في غزة وعندها سيتعين علينا أيضا أن نسقي مليوني نسمة.

أخيرا تفضل نتنياهو هذا الأسبوع بالسماح بنقاش إقتراح يطرحه كاتس لبناء ميناء في غزة، الإقتراح الذي حظي بتأييد لا لبس فيه من الجيش. ففي إمكانية لأن يبعد كثيرا المواجهة التالية في غزة وأن يملي  إنفصالا بينها وبين الضفة الغربية، قبل لحظة من هبوط  الإمريكيين هنا مع مسودة اتفاق، لا يبدو أنها ستكون مريحة. ستة من وزراء الكابنت أعربوا عن تأييدهم للاقتراح. أما نتنياهو وليبرمان فأوقفاه.

لماذا يؤيد وزراء البيت اليهودي الفكرة؟ هل هم مؤيدون لحماس؟ فهم  أيضا يرون الإمكانية السياسية الهائلة الكامنة في خلق فصل بين الفلسطينيين. ليس “لإسرائيل” أي مصلحة لتأييد الربط بين  غزة ويهودا والسامرة. لا سبيل لثبيت سياسة واحدة لهذين الأرضين  الإقليميتين. ولكن مشكوك ان يكون للزعامة الإسرائيلية الحالية نضج لإتخاذ قرار استراتيجي. فمريح  أكثر التعلق بإرادات أحد ما آخر.

وبالتالي بانتظارنا في هذه الأثناء أسابيع متوترة مع غزة، على أمل أن يمد أحد ما الحبل للنزول عن شجرة القرار الأخير. نحن يمكننا أن نقاتل غزة مرة في السنة، بما في ذلك صباح غد. فهم لن يهزمونا، لن ينتصروا علينا، وسيؤلمهم أكثر. ولكن إذا ما أدت قراراتنا إلى مواجهة أخرى وزائدة هذه السنة – ماذا سنقول لعشرات العائلات الذين سيضحون بأبنائهم في هذه الحرب. هل سقطوا كي يعززوا ابو مازن؟

معاريف

شاهد أيضاً

من هي أم الولد في القدس؟

حسام شاكر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *