الأربعاء , يوليو 26 2017
الرئيسية / آراء وتحليلات / الهمّ الأمني الفلسطيني

الهمّ الأمني الفلسطيني

عبد الستار قاسم

 

 

أثارت قضية اغتيال الشهيد مازن فقها النقاش الخاص بالأمن الفلسطيني من جديد. لقد كشفت العملية أن التحصين الأمني الفلسطيني ليس على ما يرام، وأن هناك حاجة ماسة للمزيد من الجهود الفلسطينية -وخاصة من قبل فصائل المقاومة في غزة- للتحصين وحماية الشعب وعناصر المقاومة من الهجمات الصهيونية.

تمكنت أجهزة أمن حماس من كشف المتورطين في الاغتيال وأعدمتهم. هذا شيء جيد ويدل على قدرة أمنية جيدة، لكنه لا يكفي، ومن المفروض الحرص على وقاية المقاومة الفلسطينية من الاختراقات الأمنية الصهيونية وغير الصهيونية.

عبث “إسرائيل” بالمقاومة
لقد عبثت “إسرائي”ل كثيرا بالمقاومة الفلسطينية منذ سنوات طويلة، وعملت دائما على تخريبها من الداخل والقضاء عليها. وكان على رأس أعمالها تجنيد عملاء وجواسيس لاختراق الصفوف الفلسطينية والعمل من داخل فصائل المقاومة.

لقد اخترقت أجهزة الأمنية الإسرائيلية -وأجهزة أمن دول أخرى مثل أميركا والأردن ومصر- الصفوف الفلسطينية، وأبقت عيونها مفتوحة على نشاطات المقاومين وخططهم وبرامجهم. ولم يقتصر التجنيد على عناصر عادية، وإنما تم تجنيد قيادات تعمل ضد مصلحة المقاومة وضد شعب فلسطين.

تمكنت “إسرائيل” من زرع العديد من الجواسيس والعملاء إلى درجة أن الفصائل الفلسطينية أصبحت كفا مفتوحة أمام المخابرات الإسرائيلية، وأخذت تجمع الكثير من المعلومات حول نوايا الفصائل والخلايا السرية والخطط العسكرية والأهداف المنوي العمل عليها ضدها.. إلخ. وهكذا أفسد الاختراق الأمني على الفلسطينيين أعمالهم العسكرية ضد الاحتلال وأجهض العديد من محاولاتهم للنيل من الجيش الإسرائيلي.

كان من الواضح -من خلال الفشل المتكرر الذي كانت تمنى به المجموعات العسكرية الفلسطينية المتحركة سابقا عبر الأردن وجنوب لبنان- أن إسرائيل كانت تملك المعلومات الكافية عن هذه المجموعات، فتوجه لها ضربات قبل أن تصل إلى أهدافها. وكانت إسرائيل على اطلاع عالي المستوى على نشاطات تشكيل الخلايا في الضفة الغربية وغزة، وتمكنت غالبا من تفكيكها قبل أن تنطلق نحو تنفيذ هجمات ضدها.

لقد شكل الاختراق الأمني خطرا كبيرا على الشعب الفلسطيني، وقتل آلاف الفلسطينيين قبل أن يقوموا بمهامهم بسبب حصول إسرائيل على معلومات مسبقة. وكان الشعب -كما الفصائل- على وعي بوجود اختراقات أمنية، لكن القليل جدا من الجهود كانت توظف للتحصين الأمني.

وقد وصل الحد إلى أن جيش “إسرائيل” كان ينادي على أفراد المجموعات العسكرية بمكبرات الصوت يحذرهم من التقدم نحو أهدافهم، ويطلب منهم الاستسلام أو الموت. كان شباب فلسطين يفضلون الموت على الاستسلام، وكانت القيادة في بيروت تصدر بيانات حول عمليات عسكرية ناجحة أوقعت العديد من الإصابات في صفوف العدو، وعودة المجموعات سالمة إلى قواعدها.

كان من يرسلهم أو من لف لفه يبلغ إسرائيل بالنشاط. كان الجميع يراقب المشهد الخطير والمكلف ويعي أن الاختراق موجود، لكن القيادات لم تكن تولي المسألة الاهتمام الكافي. اعتمدت “إسرائيل” بكثافة على جمع المعلومات، وكانت دائما حريصة وما زالت على اختراق الصفوف الفلسطينية.

ولهذا نقول دائما إن المقاومة كمبدأ ونهج لم تفشل، إنما المقاومة الفلسطينية التي انطلقت إجمالا بعد هزيمة يونيو/حزيران لم تتمسك بأصول ومبادئ وممارسات المقاومة الناجحة. فشل المقاومة الفلسطينية كان بسبب عبث القيادات وليس بسبب عدم جدوى المقاومة.

الأمراض الاجتماعية والاختراق
هناك أبواب ومنافذ عديدة تستغلها “إسرائيل” وأعوانها في اختراق الصفوف العربية عموما والفلسطينية خصوصا. الأمراض الاجتماعية العربية تشكل جزءا من هذه المنافذ. فمثلا تشكل ظاهرتا المفاخرة والتدخل في الشؤون الخاصة منفذين كبيرين، وبوابتين واسعتين لجمع المعلومات.

يعاني المجتمع العربي من الفضولية الاجتماعية المفرطة، وهناك توجه اجتماعي قوي نحو التدخل في شؤون الآخرين، وإخضاعها للقيل والقال الذي قد يشكل فضائح وتشهيرا. فمثلا قد يرى شخص شابا خرج من منزله بعد منتصف الليل وهو يحمل شيئا. يرغب المراقب في معرفة ذلك الشيء، ولا يبخل في الصباح في التحدث عن الشاب وخروجه في وقت متأخر.

وقد يصدف في تلك الفترة أن عملا عسكريا قد تم ضد جندي إسرائيلي ليلا. الحديث بأمر الشاب سيؤدي إلى اعتقاله والتحقيق معه لأن الجواسيس يرصدون مختلف الأقاويل والنشاطات. وكم من مرة أودت أحاديث الناس وتدخلهم في الشؤون الخاصة بحياة شباب كانوا يعملون سرا من أجل وطنهم.

“هناك أبواب ومنافذ عديدة تستغلها إسرائيل وأعوانها في اختراق الصفوف العربية عموما والفلسطينية خصوصا. الأمراض الاجتماعية العربية تشكل جزءا من هذه المنافذ. فمثلا تشكل ظاهرتا المفاخرة والتدخل في الشؤون الخاصة منفذين كبيرين، وبوابتين واسعتين لجمع المعلومات”

أما المفاخرة فهي عمل ذاتي يوقع المرء فيها نفسه بين مخالب الصهاينة. نحن العرب ننزع نحو الظهور، ونرغب في أن نتحدث عن إنجازاتنا حتى ولو كانت وهمية. المناضل نفسه قد يوقع نفسه في الفخ بسبب البوح بأسراره لصديق أو قريب أو ابن تنظيم. ولا أحد يضمن بعد ذلك كيف يمكن تداول المعلومة، والمعلومة إجمالا لن تعود سرا بمجرد خروجها من الصدور. ومن المستمعين من يحب أن يتظاهر ويتفاخر بأنه يملك معلومات.

وهناك مرضان خطيران جدا أوقعا كثيرا بالأمة العربية جمعاء وهما حب المال على حساب القيم والمبادئ، والسقوط في أحضان النساء. المال مغر لكل الناس، لكن يبدو أن هذا الحب يطغى لدى العرب على الكثير من القيم الوطنية والدينية، وهناك جنوح نحو تفضيل المال على المصالح الوطنية والعامة العليا.

لقد أوقع المال بالعديد من الأشخاص -ومنهم حكام عرب- فجندوا أنفسهم عملاء لصالح الأعداء. فعلى ذمة محمد حسنين هيكل رحمه الله، جند ملك عربي نفسه عميلا للأميركيين براتب شهري ضخم، فكيف بالإنسان العادي الذي يعاني الفقر والجهل؟

أما في مسائل النشاط الجنسي، فيبدو أن العربي ضعيف أمام النساء إلا إذا كانت زوجه أو أمه، وهذا أمر يحتاج إلى أبحاث ودراسة وتمعن. العربي ضعيف أمام الجنس بسبب عوامل تربوية وثقافية، وكم استخدمت إسرائيل وغيرها من الدول النساء لإسقاط مسؤولين عرب وضباط جيش، وأصحاب قرار؟

ألم تقل رئيسة وزراء “إسرائي”ل السابقة تسيبي ليفني إنها حصلت على فتوى دينية يهودية بممارسة الجنس مع مسؤولين عرب خدمة “لإسرائيل”؟ وهذا يشهده العديد من الناس من زاوية إغراء المخابرات الإسرائيلية لبعض المعتقلين بالنساء، فيسقطون ويتحولون إلى أدوات ضد شعبهم.

وسائل “إسرائيل” للاستخبار
بالإضافة إلى العنصر البشري الذي يعتبر الأهم؛ تملك “إسرائيل” العديد من الوسائل لجمع المعلومات عن أعدائها العرب والمسلمين. “إسرائيل” تخترق بعض شبكات الاتصال العربية، وبالأخص في الدول التي توجد فيها فصائل مقاومة. إنها تخترق شبكات الأردن وسوريا ولبنان، وربما مصر والعراق. وهي تطلع على تفاصيل مجريات الأمور في هذه الدول.

وكان من أخطاء المقاومة الفلسطينية أنها كانت تستعمل شبكات الاتصال الرسمية في الأردن ولبنان، وبالتالي وضعت نفسها مكشوفة أمام المتابعات الإسرائيلية. وهذا ما يفسر لنا قيام حزب الله في يوم ما بالسيطرة على بيروت دفاعا عن شبكة اتصالاته الخاصة.

فقد بلغ الصلف بالحكومة اللبنانية حينها أنها أرادت تصفية شبكة حزب الله لحساب الشبكة اللبنانية، مما يعني القضاء على حزب الله. وواضح أن حكومات عربية ليست معترضة على اختراق “إسرائيل” لشبكات اتصالاتها، ما دام الهدف هو القضاء على المقاومة والمقاومين. ثم إن هذه الحكومات لا تمتلك أسرارا تخفيها عن “إسرائيل”.

“ما قامت به المقاومة الفلسطينية في غزة من خطوات نحو التحصين الأمني مهم جدا لكنه لا يكفي، ودائما هناك المزيد الذي يجب عمله. “إسرائيل” ساهرة وتعمل ليل نهار على تطوير قدراتها على جمع المعلومات، ومن المفروض ألا يطمئن الجانب الفلسطيني لخطواته باتجاه التحصين، فهي تبقى ناقصة مهما بلغ التطوير”

استغلت “إسرائيل”التطور التقني الإلكتروني الذي حصل في العالم، وعملت جهدها لتكون من رواد التطوير الإلكتروني. لقد دخلت المنافسة العالمية مبكرا، وأقامت مراكز البحوث العلمية واستقطبت الخبراء والعلماء في المجال، واندفعت بقوة في الاكتشاف والاختراع حتى أصبحت على رأس الدول المتطورة في مجال التصنيع الإلكتروني.

ومن ثم وظفت قدراتها الخاصة في جمع المعلومات، واستغلت قدرات آخرين -مثل الولايات المتحدة- لتزويدها بالمعلومات التي تعجز عن تحصيلها. طورت “إسرائيل” أقمارا صناعية، وشكلت شبكتها الفضائية الخاصة بها، وأقامت قواعد معلومات واسعة وعلى كفاءة عالية لمتابعة نشاطات الدول والأفراد والتنظيمات حرصا على أمنها.

كما نشطت “إسرائيل” في مجال الهواتف لتطوير قدراتها على التنصت والتقاط الأصوات والتعرف عليها. “إسرائيل” تستطيع الآن ملاحقة الفلسطينيين وغيرهم عبر أجهزة الاتصال الخلوي، ومن خلال بصمات الصوت وليس بالضرورة من خلال الأرقام. إنها تخزن البصمات الصوتية لتتعرف على شخص بغض النظر عن الرقم الذي يتحدث منه ومكانه. حتى إن هناك أجهزة خلوية تستطيع “إسرائيل” التسمع على أصحابها وهي مغلقة.

وقد تمكنت “إسرائيل” باستمرار من ملاحقة مناضلين فلسطينيين وقتلهم قبل أن يقوموا بالنشاط ضدها، وهي تملك قدرات على استلام إشارات إلكترونية من الأرض لتوجيه طائراتها صوب أهدافها. وطبعا هذا يعتمد على عناصر بشرية تعمل على الأرض لصالح المخابرات الإسرائيلية.

ولدى إسرائيل أجهزة لتجميع الأصوات واختراق حواجز الصوت، فضلا عن الطائرات المسيرة التي تعتبر رائدة في تصنيعها. وكم من مرة تم تحذير الشباب من استعمال الخلويات في مكالمات لها علاقة بالأمن، وبقي التجاوب ضعيفا؟

وقد طورت “إسرائيل” أيضا أجهزة معقدة جدا لاختراق شبكات الاتصال في عدد من البلدان العربية، طبعا شبكات الاتصال التقليدية وغير التقليدية. وقد اكتشف اللبنانيون العديد من هذه الأجهزة المزروعة على الأرض اللبنانية لاختراق مختلف أنواع الشبكات.

المغزى من هذا الشرح أن ما قامت به المقاومة الفلسطينية في غزة من خطوات نحو التحصين الأمني لا يكفي، ودائما هناك المزيد الذي يجب عمله. “إسرائيل” ساهرة وتعمل ليل نهار على تطوير قدراتها على جمع المعلومات، ومن المفروض ألا يطمئن الجانب الفلسطيني لخطواته باتجاه التحصين، فهي تبقى ناقصة مهما بلغ التطوير.

من المهم التدقيق في الأشخاص ومتابعتهم والتأكد من علاقاتهم وسجلاتهم قبل ضمهم إلى المقاومة، ولا مانع من إخضاع كل شخص لتقنيات الكشف عن الكذب. ومطلوب أيضا العزوف عن استعمال الأجهزة الحديثة في الاتصال، واعتماد وسائل الاتصال البدائية في التنسيق والتخطيط واتخاذ القرار.

الاتصال الشخصي هو الأسلم شريطة أن يتم التواصل عبر أسماء وهمية وفي نقاط ميتة. وكلما زادت الخلية عن فرد واحد أصبح الخطر واردا. الأفكار في هذا المجال كثيرة، لكن يبقى المهم أن يعتبر المرء من أخطائه وأخطاء غيره، وألا يظن أنه قد حقق أقصى درجة من النباهة والحرص.

 الجزيرة

شاهد أيضاً

من هي أم الولد في القدس؟

حسام شاكر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *