الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية / آراء وتحليلات / هل “إسرائيل” جادة في إحباط المصالحة الفلسطينية؟

هل “إسرائيل” جادة في إحباط المصالحة الفلسطينية؟

صالح النعامي


كما كان متوقعا، فقد عمدت “إسرائيل” إلى التشويش على الجهود الهادفة إلى تحقيق المصالحة الوطنية، حيث تنافس قادتها في وضع الشروط التي يتوجب الوفاء بها قبل اعتراف “تل أبيب” بنتائج هذه المصالحة.

وقد تباينت الشروط الإسرائيلية حسب هوية المسؤول وانتمائه الحزبي. فقد طالب رئيس الوزراء بأن تفضي المصالحة إلى اعتراف الفلسطينيين بيهودية “إسرائيل” ونبذ “الإرهاب”؛ في حين اشترط زعيم حزب “البيت اليهودي” ووزير التعليم نفتالي بنات أن تفرج حماس عن الأسرى الإسرائيليين لديها، وتوقف مظاهر تعاظم القوة العسكرية.

ويمكن القول، إنه على الرغم من هذه المواقف، فإن لإنجاز المصالحة تأثيرات متباينة ومتضاربة على خارطة المصالح الإسرائيلية.

فمما يثير قلق “إسرائيل” من المصالحة حقيقة أن إنجازها يعني تقليص هامش المناورة الذي كان متاحا لها في مواجهة حركة حماس

فمما يثير قلق “إسرائيل” من المصالحة حقيقة أن إنجازها يعني تقليص هامش المناورة الذي كان متاحا لها في مواجهة حركة حماس.

ففي “تل أبيب” يؤمنون أن تصدي حماس لحكم قطاع غزة منح “إسرائيل” الفرصة لممارسة الضغوط عليها ودفعها للحرص على عدم تنفيذ عمليات انطلاقا من القطاع، وذلك من خلال تعمد ضرب أهداف حماس ردا على أي عملية تدعي “تل أبيب” أنها تمت من قطاع غزة، مع إدراك “إسرائيل” أن حماس ليست مسؤولة عن العملية.

في الوقت ذاته، فإن “إسرائيل” تستغل عمليات إطلاق القذائف “المفبركة” في معظمها، من أجل تبرير توجيه ضربات لأهداف عسكرية حيوية لحركة حماس، سيما تلك المتعلقة بتعاظم قوتها العسكرية.

إلى جانب ذلك، فإن “إسرائيل” منزعجة من المصالحة لأنها تساعد السلطة على خوض غمار استراتيجية تدويل الصراع، حيث إن “إسرائيل” ترد على التحركات الفلسطينية في المحافل الدولية بالقول بأن قيادة السلطة الفلسطينية لا تمثل الفلسطينيين في مناطق نفوذ السلطة، ولا سيما قطاع غزة، مما يفرض على المجتمع الدولي عدم التعاطي مع تحركات قادتها بجدية. وفي حال أنجزت المصالحة، فإن “إسرائيل” ستخسر هذه الورقة.

ومما يفترض أن يقلص رغبة “إسرائيل” في إفشال المصالحة، إدراكها أن انفجار مواجهة عسكرية مع حركة حماس لا يخدم مصالحها الإستراتيجية بالمطلق في الوقت الحالي

لكن في المقابل، فإن هناك ما يدعو “إسرائيل” للقلق في حال تم إفشال المصالحة، على اعتبار أن هذا التطور يحمل في طياته فرص تحسين الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة؛ حيث إن “إسرائيل” تخشى أن يفضي تدهور الأوضاع الاقتصادية في القطاع إلى دفع حركة حماس لافتعال مواجهة جديدة.

ويمكن الافتراض أن “تل أبيب” تدرك أن إفشال المصالحة يعني وضع حد لحالة الهدوء الأمني السائدة على الحدود مع القطاع، على اعتبار أن حماس قد تضطر لافتعال مواجهة عسكرية من أجل درء تبعات الأوضاع الاقتصادية. وتعي “إسرائيل” أنها ستخسر فترة الهدوء الأمني الواضح على الحدود مع القطاع، حيث إنه منذ اندلاع الانتفاضة الأولى أواخر 1987، لم يحدث أن تمتعت “إسرائيل” بفترة هدوء متواصلة على حدودها مع قطاع غزة، كما حدث بعد انتهاء حرب 2014.

ومما يفترض أن يقلص رغبة “إسرائيل” في إفشال المصالحة، إدراكها أن انفجار مواجهة عسكرية مع حركة حماس لا يخدم مصالحها الاستراتيجية بالمطلق في الوقت الحالي. فـ”إسرائيل” تعيش حالة انعدام اليقين بشأن مستقبل الأوضاع على حدودها الشمالية في أعقاب تعاظم تأثير إيران وحزب الله في سوريا، مع ميل الكفة بشكل واضح لصالح نظام الأسد. ومن نافلة القول أن انفجار مواجهة مع حماس سيقلص من قدرة “إسرائيل” على التصدي للتهديدات على الساحة الشمالية.

وليس من المستبعد أن تحاول “إسرائيل” بالتعاون مع قوى إقليمية ودولية توظيف ملف المصالحة في إيجاد بيئة تساعد على المس بسلاح المقاومة عبر الاغراءات

وعلى الرغم من أن “إسرائيل” ستواصل ابتزاز السلطة ومصر التي ترعى المصالحة من خلال طرح سلاح المقاومة، فإنها قد تبدي مرونة في النهاية إزاء هذه القضية، حيث تدرك “تل أبيب” أن الجيش المصري نجح في تدمير الأنفاق التي تربط القطاع ومصر وعزز من مستوى الرقابة على المنطقة الحدودية، مما قلص إلى حد كبير من قدرة المقاومة الفلسطينية على تهريب السلاح والوسائل القتالية.

وليس من المستبعد أن تحاول “إسرائيل” بالتعاون مع قوى إقليمية ودولية توظيف ملف المصالحة في إيجاد بيئة تساعد على المس بسلاح المقاومة عبر الإغراءات. فعلى سبيل المثال دعت بعض محافل التقدير الإستراتيجي في “تل أبيب” لاستغلال الأزمة الخليجية وتوظيف ثقل دول خليجية، في استدراج حركة حماس للتخلي عن قوتها العسكرية مقابل أن تتولى هذه الدول تمويل مشاريع إعادة الإعمار التي تعكف عليها حاليا قطر.

لكن مثل هذا التحرك لن يكتب له النجاح لسبب بسيط، وهو أنه بعد أن تخلت حماس عن حكم القطاع فلم يعد من مسؤوليتها تحسين الأوضاع الاقتصادية في القطاع حتى تضحي بسلاحها من أجل تحقيق هذا الهدف.

قصارى القول، “إسرائيل” ترى في المصالحة نافذة فرص ومصدر مخاطر، وستكون الأيام كفيلة بمعرفة موقف “إسرائيل” النهائي والحقيقي منها.

صحيفة السبيل

شاهد أيضاً

اعتراف بواشنطن عاصمة لـ”إسرائيل”

محمود الريماوي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *