السبت , يوليو 21 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / التسريبات.. إنها القدس يا غبي!

التسريبات.. إنها القدس يا غبي!

فراس أبو هلال

ربما لم تقدم التسريبات التي نشرتها نيويورك تايمز ثم بثتها قناة مكملين؛ جديدا عن الموقف البائس لنظام الحكم في مصر تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، كما أنها لم تقدم أيضا الجديد حول تلاعب النظام بالإعلام بطريقة تنتمي لعصر هتلر وغوبلز، فهذا النظام جعل استقراره منذ اليوم الأول مرتبطا بالرضا الأمريكي، عبر بوابة “تل أبيب”، وهو أيضا أعلن بشكل واضح لا لبس فيه أنه يريد إعلاما يشبه إعلام الرئيس الراحل عبد الناصر، الذي كانت أجهزته تتحكم في حركات وسكنات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. ولكن الجديد الأهم في ما كشفته التسريبات هو غباء هذا النظام، وعدم إدراكه خطورة محاولة إنزال مقاربته للصراع، وللقدس تحديدا، من مستوى العمل السياسي إلى مستوى الخطاب الإعلامي المفضوح والفاضح في آن واحد.

الجديد الأهم في ما كشفته التسريبات هو غباء هذا النظام، وعدم إدراكه خطورة محاولة إنزال مقاربته للصراع، وللقدس تحديدا، من مستوى العمل السياسي إلى مستوى الخطاب الإعلامي المفضوح والفاضح
يستطيع هذا النظام، وغيره من أنظمة الحكم العربية التي تتسارع لتقديم القدس كقربان للوصول إلى قلب نتنياهو وترامب، أن يتبنى سياسات بائسة تجاه الصراع، ويستطيع أن يمتنع حتى عن تقديم الحد الأدنى من الإدانة أو الاستنكار أو الجهود الدبلوماسية لدعم الفلسطينيين، ويستطيع أيضا أن يمارس الضغوط، في السر، ضد عباس لتقديم تنازلات أكبر، ولكن محاولته أن يحوِّل هذه السياسات الانبطاحية إلى عمل إعلامي، وإلى سياسة علنية ولو عن طريق أذرعه الإعلامية والفنية و”الثقافية”، هي محاولة تنم بشكل أساسي عن الغباء؛ لأنها تعني فيما تعني أنه لا يدرك رمزية القدس في قلوب وأرواح الشعوب العربية والإسلامية والمسيحية، وأن هذه الرمزية والمكانة حرقت وأنهت التاريخ السياسي لكل من حاول المساس بها عبر التاريخ.

فالقدس التي تمثل للمسلمين بوابة الأرض للسماء، وتعتبر المدينة الثالثة من حيث القداسة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، لا يمكن أن يقبل المسلمون بديلا لها، تماما كما أنهم لن يقبلوا بديلا لمكة والمدينة. والقدس التي تحتضن كنيسة القيامة، لا يمكن أن يقبل المسيحيون بديلا عنها، ولهذا فقد وقف المسيحيون الفلسطينيون والعرب بشكل حازم ضد بعض الإجراءات التي تواطأت فيها بعض الجهات الكنسية مع الاحتلال.

القدس التي تمثل للمسلمين بوابة الأرض للسماء، وتعتبر المدينة الثالثة من حيث القداسة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، لا يمكن أن يقبل المسلمون بديلا لها
والقدس التي تمثل رمزا للصراع في التاريخ العربي الإسلامي، هي التي أعطت المكانة التاريخية لشخصيات عظيمة مثل صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي، وهي التي “مسخت” تاريخ كل زعيم تخلى عنها أو استخدمها لتقديم تنازلات جبنا أو رغبة في الحصول على مكتسبات سياسية آنية.

لم يستطع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن يتخلى عن حي واحد من القدس هو الحي الأرمني في مفاوضات كامب ديفيد 1999، ودفع حياته ثمنا لهذا الموقف، فكان موقفه هذا عند الكثيرين نقطة مسحت كل الخلافات والانتقادات على تاريخه وسياساته، ولن يستطيع محمود عباس أو غيره من القيادات الفلسطينية أن يتنازلوا عن القدس – حتى لو أرادوا ذلك – لأنهم يدركون أن اللعب في ملف القدس يعني تلطيخ حياتهم وتاريخهم، ليس عند الفلسطينيين فحسب، بل عند العرب جميعا من مسلمين ومسيحيين وعند مسلمي العالم أينما كانوا.

محاولة محكومة بالفشل مسبقا، إذ أن عمل سنوات من الأجهزة، إياها، للتأثير على هذا الوعي سيصطدم بصخرة الوجدان العربي والإسلامي عند أي منعطف

وإضافة إلى أن محاولة “كي الوعي” العربي والإسلامي والفلسطيني تجاه القدس ستكون ضربة لحاضر وتاريخ أي سياسي مهما كان موقعه، فإنها أيضا محاولة محكومة بالفشل مسبقا، إذ أن عمل سنوات من الأجهزة، إياها، للتأثير على هذا الوعي سيصطدم بصخرة الوجدان العربي والإسلامي عند أي منعطف، أو أي حدث أو انتهاك تجاه القدس، وقد ظهر هذا جليا على سبيل المثال في الهبة الفلسطينية العظيمة والتفاعل العربي وتحييد الخلافات البينية خلال عدوان الاحتلال الأخير على أهالي القدس ومحاولة تقييد صلاتهم في الأقصى، وسيظهر الموقف العربي الإسلامي الشعبي حقيقة الوعي برمزية القدس وفلسطين في وجدان الشعوب عند أي اعتداء أو محاولة للتفريط والتنازل عنها.

إنها القدس أيها المتربعون على سلطة الأمر الواقع، يا من تجهلون التاريخ والدين وحتى السياسة، إنها القدس التي ترفع أقواما وتضع حكاما، إنها القدس “أقصر الدروب بين الأرض والسماء”، إنها القدس عاصمة العرب والمسلمين ومأوى أفئدتهم، إنها القدس أخت مكة المكرمة والمدينة، إنها القدس يا غبي!

عربي 21 

شاهد أيضاً

مدى قبول (إسرائيل) بالخيار الإنساني بديلًا للعسكري في غزة

د. عدنان أبو عامر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *