الثلاثاء , ديسمبر 18 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / ماذا يجري في القاهرة بين مصر وحماس..؟

ماذا يجري في القاهرة بين مصر وحماس..؟

د. حسام الدجني


أكثر من أسبوعين من الإقامة المتواصلة لوفد يمثل غالبية أعضاء المكتب السياسي في الداخل والخارج يقيمون في جمهورية مصر العربية ويعقدون اللقاءات المتواصلة مع الجانب المصري وسط تعتيم إعلامي وبحر من الشائعات التي تتحدث عن طبيعة الزيارة وملفاتها.

لمحاولة فهم العلاقة بين حماس ومصر، وهل ما يحدث يعبر عن تحول بالعلاقة طويل الأمد أم أنه تطور طارئ مرتبط بظروف موضوعية سرعان ما تتغير؟ لا بد من تحليل وتشخيص علمي أكاديمي لشكل التحول ومستقبل العلاقة من خلال الإجابة على السؤال الآتي:

ما هو التشخيص السليم لطبيعة العلاقة بين مصر وحركة حماس ومستقبلها؟

من خلال متابعتي لمنحنيات العلاقة بين الطرفين، وعلى وجه التحديد بعد 30/6/2013، وحالة التوتر التي شهدتها العلاقة يدفعني ذلك للبحث بشكل موضوعي حول مستقبل تلك العلاقة وآليات المحافظة عليها بل وتعزيزها، انطلاقاً من إيماني بأهمية الدور المصري لعدة أسباب لعل أهمها: الجغرافيا السياسية والعمق التاريخي والحضاري وتكليف جامعة الدول العربية لمصر بقيادة ملف المصالحة، وعلاقات مصر المهمة بالأطراف الإقليمية والدولية بما فيها الاحتلال الصهيوني.

حددت فتحية النبراوي ومحمد نصر مهنا في كتابهما أصول العلاقات السياسية الدولية أنواع التغيير في السياسة الخارجية للدول على النحو التالي:

1. التغير التكيفي: وهو تغير في مستوى الاهتمام الموجه إلى قضية معينة مع استمرار بقاء السياسة في أهدافها وأدواتها كما هي.

2. التغير البرنامجي: حدوث تغير في أدوات السياسة الخارجية مع استمرار الأهداف كما هي.

3. التغير في أهداف السياسة الخارجية وليس مجرد تغير الأدوات.

4. التغير في توجهات السياسة الخارجية، وهو أكثر أشكال التغيّر تطرفاً، ويؤدي إلى تغير في التوجه العام للسلوك الخارجي بحيث يشتمل تغيراً في الأدوات والأهداف والاستراتيجيات.

من أجل تحديد موقع كل من مصر وحماس ضمن شكل التحول لابد من تحليل البيئة الجديدة التي دفعت إلى هذا التقارب بين مصر وحماس.

أسباب ودوافع التحولات الجديدة (ما الجديد)؟

بالنسبة لمصر:

1. يشكل الإرهاب في سيناء معضلة حقيقية للدولة المصرية، وللأمن القومي المصري، ولعل ما طرحه المفكر المصري جمال حمدان في كتابه “شخصية مصر: .. دراسة في عبقرية المكان عن الأمن القومي المصري” بأنه يبدأ من البوابة الشرقية لمصر، ويتجاوز سيناء ليصل إلى فلسطين، وخصوصية سيناء بالنسبة للمصريين يجب أن ندركها نحن الفلسطينيين، فمعظم الغزوات التي استهدفت مصر انطلقت من الشرق (من شبه جزيرة سيناء)، ويشير حمدان إلى ظاهرةٍ مهمة في جغرافية وتاريخ مصر منذ القدم وحتى الآن، وهى أن الدلتا في الحقيقة مفتوحة ومكشوفة من الشرق، ولذلك فإن السيناريو المفضل لمعظم غزاة مصر، عبر العصور، هو اختراق سريع لسيناء يؤدي إلى الوصول إلى الدلتا، وتهديد حقيقي للأمن المصري في عقر الدار. ولذلك يصف حمدان طريق سيناء، لا سيما طريق الشمال طريق الفرما، بأنه طريق الغزاة لكثرة ما عبره من جيوش.

فما يجري في سيناء اليوم من عمليات إرهابية تستهدف الجيش المصري وتستنزفه مالياً وعسكرياً جعل من القيادة المصرية التفكير بشكل أوسع وأعمق لإنهاء معضلة سيناء، ومن أجل استعادة الأمن والاستقرار في سيناء لابد من خيار التنمية، ويشكل قطاع غزة مدخلا مهمًا للتنمية عبر تأهيل معبر رفح ليكون قادراً على أن يكون معبراً اقتصادياً يخدم الطرفين.

2. وثيقة حماس السياسية: ساعدت وثيقة حماس السياسية التي أطلقتها الحركة في 1/5/2017، وأعلنت عن هويتها بشكل واضح وصريح بعدم ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين, بشكل أو بآخر في صناعة تحول ولو طفيفا بالموقف المصري تجاه حماس.

3. الحدائق الخلفية لمصر (القرن الإفريقي وسد النهضة): تقرأ مصر بشكل كبير شكل التمدد الصهيوني بالقرن الإفريقي، ودورها في سد النهضة والعبث المتكرر بالحدائق الخلفية للقاهرة بما يمس أمنها القومي، ومن هنا فإن انفتاح القاهرة على المقاومة الفلسطينية بشكل عام وحماس على وجه الخصوص، والتعاطي معهم كلواء متقدم للدفاع عن الأمن القومي العربي عموماً والمصري على وجه الخصوص والضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي من تلك البوابة لضمان مصالحها بالقارة السمراء.

4. تراجع الدور المصري لحساب الدور القطري والتركي في غزة: لا شك أن القطيعة المصرية مع حماس بالفترة الماضية منحت دولا تعدّها القاهرة خصماً سياسياً لها لملء الفراغ مثل قطر وتركيا، وهذا يضعف الدور والمكانة التي تتمتع بها مصر في احتضان ورعاية الملف الفلسطيني.

5. صفقة القرن والأطماع الأمريكية بسيناء كمدخل للحل النهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

بالنسبة لحماس:

1. ديكتاتورية الجغرافيا، فمصر هي الرئة الوحيدة لقطاع غزة التي تربطها بالعالم الخارجي.

2. الحصار وإغلاق المعابر والأزمات المتتالية، فالواقع المعاش في غزة لم يعد يحتمل، وعليه فإن أقل الخيارات تكلفة بالنسبة لحماس هو علاقة قوية مع القاهرة بموجبها يخفف الحصار ويفتح المعبر وتتدفق البضائع.

3. الإرهاب والخطر على الأمن القومي الفلسطيني، تخشى حماس من سيطرة تنظيم ولاية سيناء على مناطق الحدود، أو هروب أفراد التنظيم في ظل العملية العسكرية المستمرة بسيناء، وأثر ذلك على أمن ومصالح غزة عموماً و حماس على وجه الخصوص.

4. إدراك حماس بعدم رغبة الرئيس عباس بتنفيذ المصالحة دون عودة حماس لحضن الشرعية، ومتطلبات هذا الحضن ترك السلاح والتخلي عن الحكم بشكل كامل ونهائي.

وفق ما سبق فإن شكل التحول في علاقة مصر بحماس هو التغير البرنامجي من خلال تغيير أدوات السياسة الخارجية تجاه قطاع غزة مع بقاء الأهداف المتمثلة في تحييد حركة حماس وتوظيف قوتها لخدمة المصالح المصرية هو الأكثر ترجيحاً.

أما شكل التحول الحمساوي تجاه مصر فربما التوصيف الأكثر ترجيحاً هو التغير في أهداف السياسة الخارجية وليس مجرد تغير الأدوات. وفي حال استمرت خطوات تعزيز الثقة بين الطرفين فربما يتطور شكل التحول إيجاباً.

ماذا يجري بالقاهرة؟

وفد قيادي رفيع يمثل الداخل والخارج يرأسه رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية يتلقى دعوة رسمية لزيارة القاهرة للقاء وزير المخابرات المصري الجديد اللواء عباس كامل، ويعقد هذا الوفد عدة لقاءات منها لقاء جميع أعضاء من المكتب السياسي لحماس في العاصمة المصرية، بما يدلل أن حماس تؤمن بأهمية الدور والمكانة التي تتمتع بها مصر في المنطقة.

ملفات المصالحة الوطنية وملف العلاقات الثنائية وسبل تطويرها بين حماس ومصر، وملف الأمن، وصفقة القرن، وعلاقة حماس بالتيار الإصلاحي لحركة فتح وسبل الانتقال لخيارات جديدة مثل تشكيل حكومة (مجلس) إنقاذ وطني، وملفات أخرى ذات أهمية للطرفين.

ثانياً: مستقبل العلاقة بين حماس ومصر وآليات تطورها

حماس تحكم قطاع غزة، وهي حركة تحرر وطني لها حضورها ومكانتها في المعادلة السياسية، فهي من أكبر الفصائل الفلسطينية والأكثر تنظيماً وانضباطاً، ومكانتها بالوعي الجمعي العربي والإسلامي كبيرة ومؤثرة، ومصر دولة مركز لها مكانتها ودورها في المعادلة الدولية والإقليمية، وهي المكلفة رسمياً من جامعة الدول العربية بإدارة ملف المصالحة الوطنية.

تقاطع المصالح بين الطرفين، مصر وحماس، والمصداقية في التعامل، وحرص كل طرف على أمن ومصالح واستقرار الطرف الآخر كفيلة بتعزيز العلاقة وديمومتها واستمراريتها بل تطورها.

الأهم من استمرارية تطور العلاقة بين مصر وحماس هو وضع آليات كل طرف لتطور العلاقة بالطرف الآخر على قاعدة المصالح المشتركة، والإرث التاريخي والعروبي والحضاري الذي يجمع الشعبين الفلسطيني والمصري، ومن أهم آليات تطور العلاقة ما يأتي:

1. ينبغي أن يعمل الطرفان بكل الوسائل والسبل على حماية الأمن القومي للطرف الآخر.

2. أن تعمل حماس على تعزيز دور ومكانة وحضور القاهرة بالملف الفلسطيني من خلال منحها لأوراق التهدئة وصفقة التبادل والعملية السياسية والمصالحة الداخلية، مقابل أن تعمل مصر ودبلوماسيتها النشطة بالعمل مع الدول الغربية على رفع الحركة من قوائم الإرهاب الغربية، وفتح صفحة جديدة مع الحركة تضمن فتح معبر رفح وإعادة النظر بقوائم المدرجين على المنافذ البرية والجوية للدولة المصرية.

3. أن تبدأ حماس ومصر بتبني محددات خطاب إعلامي يؤكد على متانة العلاقة بين الطرفين وسبل تعزيزها.

4. أن تبدأ مصر بترسيخ مفاهيم القوة الناعمة في فلسطين عموماً وقطاع غزة على وجه الخصوص عبر إنشاء مستشفى مصري، وبنك مصري، ومكتب تمثيل مصري لتسهيل السفر والتنقل والدراسة والتبادل الشبابي، وتعزيز العلاقات الاقتصادية.

5. تبادل الخبرات في الزراعة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتطوير الواقع الزراعي والتكنولوجي للطرفين.

المركز الفلسطيني للإعلام 

شاهد أيضاً

الضفة على صفيح ساخن

رضوان الأخرس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *