الإثنين , أكتوبر 15 2018
الرئيسية / ترجمات عبرية / شيوع جبهات المقاومة وتعدد منصات النضال

شيوع جبهات المقاومة وتعدد منصات النضال

د. مصطفى اللداوي

لستُ من دعاة الفصل بين ساحات الصراع، أو التفريق بين المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، ولست ممن يرى مناطق منخفضة التوتر وأخرى عالية التوتر وشديدة المواجهة، ولا يرضيني أن أرى مدنًا فلسطينية محاصرة وأخرى ميسورة الحال، وبلداتٍ تدفع ثمن المواجهة وأخرى تنعم بأثواب العافية.

ويحزنني أن أرى بيوتًا يسكنها الأسى وأخرى بالأفراح عامرةً، كما يحزنني أن أرى أسرًا حزينةً وأمهاتٍ ثكلى، وأخرى سعيدة وأمهاتهم جذلى فرحة، كما يؤلمني أن أرى أطفالًا فقدوا آباءهم شهادةً أو أسرًا واعتقالًا، وغيرهم يعيشون في كنف آبائهم وأحضان عائلاتهم، يمنحونهم الحب ويغدقون عليهم بالعطف، ويحيطونهم بالرعاية والاهتمام، ويشرفون معهم على بناء المستقبل واستشراف الغد الآتي.

لستُ فيما قدمتُ وبينتُ داعيًا إلى المساواة في المعاناة، والتشابه في الألم، والمشاركة في الضيق والسأم، ولا أريد تعميم الحصار وتوسيع العقاب وشمولية التضحيات وعموم المعاناة، بل أتمنى لشعبي كل السلامة، وأدعو الله له بالأمن والعافية، وبالفرح والسعادة، والرغد والعيش الكريم، بعيدًا عن الآلام والشجون والأتراح والأحزان.

وأتمنى أن يعيش بطمأنينة نفسٍ وهدوء بالٍ، ملتئمًا شمله وموحدًا صفه، وقويًّا جمعه، وسعداء أهله، تعم مناطقهم الأفراح وتسود أيامهم السعادة، فلا طفل يشكو غياب أبيه، ولا أم تبكي فقد الولد، ولا أسر تعاني من الفقر والجوع والتيه والتشرد والضياع، وقد هُدمَ بيتها ولا بديل لهم، وشردوا من مناطق سكنهم ولا أخرى تفتح لهم أبوابها ترحابًا.

يسرني أن أرى أهلي فرحين وشعبي بعيشه سعيدًا، وبلداتهم ومدنهم، وقراهم ومخيماتهم حرة وغير محاصرة، وقادرة وغير عاجزة، وتتمتع بفرص العمل ودوران رأسمالهم الصغير بينهم، فلا شكوى من بطالة، ولا معاناة من جمود الحالة الاقتصادية، ولا فقر وجوع، ولا حاجة ومسألة، ولا مخمصة ومسغبة.

كما أنني لست مع منطقةٍ تستعر ومخيم يلتهب، وبلدةٍ تنتفض ومدينةٍ تثور، ومناطق تضحي وبيوتٍ تدمر، في حين نظائرها في الأرض المحتلة هادئة ووادعة، ومستقرة ومطمئنة، فلا اضطرابات ولا تظاهرات، ولا مسيرات ولا اشتبكات، ولا شيء من أعمال المقاومة اليومية، وكأنها معفاة من المقاومة، ومستثناة من النضال، ولا يقع عليها عبء التحرير وواجب القتال.

لكني مع اشتراك الشعب كله في المقاومة، ومؤازرة بعضه بعضًا في القتال، ومع تعدد الجبهات وتنوع الاشتباكات وتشكل المواجهات، ومع المفاجآت والابتكارات، والإبداعات والاختراقات، ومع المقاومة السرية والاشتباكات العلنية، والفعاليات الجماهيرية المكشوفة، ومع المقاومة الإعلامية والميدانية، ومع القصف الإعلامي والحرب الدعائية المعادية، ومع القلم والريشة والكلمة والصوت والصورة، ومع الحجر والمدية والسكين والدهس والصدم، ومع الرصاصة والقذيفة والعبوة والصاروخ، ومع كل أدوات المقاومة الممكنة، المادية منها والمعنوية.

ومع إشغال العدو وإرباكه، ومناوشته وتشتيته، وتوزيع قواه وبعثرة جهوده ليضطرب أداؤه، ومع إحداث بلبلة في صفوفه واضطرابٍ في مؤسساته، وتيه وغربة بين أفراده، ومع بث الرعب بين مستوطينه، ونشر الذعر بين جنوده ومقاتليه، ومع إحداث صدماتٍ تربكه ومفاجآتٍ تحيره، وهزاتٍ تفقده توازنه.

لابد من فتح الجبهات كلها، وتعدد المواجهات في كل الأرض الفلسطينية المحتلة، في القدس ومدن الضفة الغربية وقطاع غزة، ليشعر العدو أن الأرض كلها تحت أقدامه تتزلزل، ومن حوله تشتعل في كل مكانٍ نارًا، فلا نجاة له فوقها، ولا قدرة له على الفرار من قدره المحتوم من تحتها، ولا مدينة معه مسالمة وأخرى مقاتلة، ولا خضوع لتصنيفاته ولا قبول بتقسيماته.

بل لابد أن تكون الأرض الفلسطينية كلها جبهة واحدةً مشتركةً، وميدانًا مفتوحًا موحدًا، يتواصل فيها خط النار وتلتحم فيها خطوط المواجهة والتماس، وإلا فلن تغير الأحداث الموضعية من الواقع شيئًا، ولن تلحق بالعدو ضررًا كبيرًا، ولن تجبره على تغيير مخططاته واستبدال مشاريعه، في حين عموم الثورة يخيف، وانتشار المقاومة يضعف، وتعدد أشكالها يزعج، واحتمالات السيطرة على نقاطها العديدة تبدو أحيانًا مستحيلة، ولو أثخن العدو في القتل وأمعن في الاعتقال والتضييق؛ فإنه لن يقوَى على لجم المقاومة، أو منع الشعب من مواصلتها حتى ينجح في تحقيق أهدافه وفي الوصول إلى غاياته.

ولا أستثني الساحات الخارجية من المقاومة ومواصلة النضال، فإن تعذر العمل العسكري فيها وصار صعبًا؛ فإن أعمال المقاومة الأخرى مفتوحة وكثيرة الأبواب والعناوين، خاصةً بعد العولمة التي سادت، وزوال الحدود وانسياح الثقافات وتبادل المعلومات، وعالم الإنترنت الذي قرب المسافات وألغى الحدود وانتصر على الممنوعات والمحرمات، فباتت مقاومة الإنترنت أكثر فعلًا وأشد أثرًا.

ولعل مجموعات “هكر” المقاومة التي تمارس عملها من كل الساحات، وتواجه العدو انطلاقًا من كل البلاد هي أكثر وجعًا وإيلامًا له من معارك النار وحروب البارود، ففي هذا النوع من المعارك خسر العدو معلوماته وفقد أسراره، وتضررت تجارته، وتعطلت مصانعه ومعامله، وتشوهت صورته، وساءت حالته، وبات المقاطعون له في ازدياد، حتى اتحدت مجموعاتهم واتسقت جهودهم، فباتوا يشكلون أوسع إطارٍ للمقاطعة، وأوجع وسيلةٍ للمواجهةٍ، تضرر منها أفراده ومستوطنوه، والجيش والحكومة، والدولة والمؤسسات.

لا أرى وسيلةً لكسب المعركة وجني ثمار المواجهة، وحصاد عطاء الانتفاضة، والحفاظ على إنجازات السنين وتضحيات الشعب، أفضل من شيوع جبهات المقاومة وتعدد منصات النضال، وتضافر الجهود وتكامل العمل، وهذا ما يخافه العدو ويخشاه، وما يتجنبه ويسعى إلى الخلاص منه، لذا لابد من وحدة النضال وصيرورة المواجهة وديمومة الثورة ومواصلة الانتفاضة، لتحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات، وإلا فإن العدو الذي يتبع هذه الوسائل نفسها في مواجهتنا، ويعدد الجبهات ضدنا، ويوسع المعارك والحروب لقتالنا؛ سيضعفنا وسيستفرد بمناطقنا، وسيخضعها لإرادته الواحدة تلو الأخرى، فهل نعطيه الفرصة لينجح، أم نسبقه نحن وننجح؟

فلسطين أون لاين 

شاهد أيضاً

الرد النسبي على الهجمات السيبرانية

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية معهد الأمن القومي INSS 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *