السبت , يوليو 21 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / مسيرة العودة.. جردة حساب في سياق العمل الوطني

مسيرة العودة.. جردة حساب في سياق العمل الوطني

غازي حمد

(1) بين التوقعات والاحتمالات

من أجل تقييم مسيرة العودة تقييما موضوعيا، ولإعطاء نتائج عملية، فإنه لابد من وضعها في مكانها الصحيح ضمن السياق الوطني العام.

في حال جرى تقييمها في إطار منفرد، بعيدا عن مكونات العمل الوطني الأخرى، فإنه لا يمكن التوصل إلى نتائج موضوعية. ذلك أن البعض يضع (كل البيض) في سلة مسيرة العودة، وكأنها (المخلص الوحيد)، وبالتالي يحملها عبئا فوق طاقتها، ويتوقع منها ما لا يمكن توقعه.

بمعنى أنه لا يصح أن تكون المسيرة (يتيمة) أو منعزلة عن الفعل الوطني.

نحن نتعلم من ثلاثة أشياء: العلم والتجربة والتاريخ. وهذه الثلاثة حاضرة في التجربة الفلسطينية الطويلة.

من باب الاختصار والإعادة، فإنّ الأمور لا تقاس بكثرة الأعمال /التضحيات، بقدر ما تقاس بالنتائج العملية الملموسة، والنتائج نسبية، وتأتي بشكل تراكمي، وبالتالي لا الاستعجال مطلوب، ولا التراخي إلى حد الركون صحيح.

لقد تم حشد كل طاقات الشعب من قوى وفصائل في هذه المسيرة، وجرى ضخ أموال هائلة، وجند لها المئات من الكوادر الوطنية، وارتقى فيها العشرات من الشهداء، وسقط الآلاف من الجرحى، وعقد عليها الكثير من الآمال.

ألا يتطلب كل ذلك أن نفكر بشكل جدي وعملي في تحصيل النتائج المرجوة، وخلق حالة تحول في المشروع الوطني، وتجنب التجارب الفاشلة التي أودت بكثير من المحاولات إلى مسارات غير معلومة؟؟

السياسي (الشاطر) يجب أن يكون مثل التاجر (الشاطر)، يعرف نسبة أرباحه قبل أن يطرح بضاعته في السوق.

المشكلة لدى الفلسطينيين -عموما – أنهم يندفعون لطرح بضاعتهم في السوق الوطني، وبعد مضي فترة يتساءلون عن الأهداف والأرباح !!.. ومن هنا تنبع لديهم أزمة (عويصة) في الحكم على مدى تحقق الأهداف من عدمها.

مسيرة العودة هي تعبير شعبي وطني ضد الاحتلال والحصار، نجحت في تحريك-نسبي- لعجلة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وفي ترجمة حالة التلاحم الوطني لأول مرة بعيدا عن الرايات الحزبية، وأثبتت أن العمل الوطني أفضل وأجدى بكثير من العمل الحزبي (وإن وصلنا إلى هذه المعادلة متأخرين كثيرا)، كما أثبتت جدواها في ضرورة استمرار حالة الاشتباك مع الاحتلال، وتشكيل حالة ضغط عليه ، وقدمت نموذجا إضافيا في التضحية والبطولة الفلسطينية.

صحيح أن هناك العديد من الثغرات والأخطاء، على المستوى الإداري والميداني؛ لكنها لا تمس بجوهر المسيرة وعنفوان تأثيرها وحضورها.

ما دامت المسيرة رفعت شعارها (السلمي) كان لا بد من العمل على تقليص الضحايا إلى الحد الأدنى، خاصة وأن الاحتلال لن يتورع عن قمع التظاهر بقوة السلاح.

إن كل ميدان له أدواته الخاصة به، ولا ينبغي خلط الأدوات حتى لا تتوه الأهداف والغايات.

الآن نحن أمام التحدي التقليدي – والمزمن- طوال مسيرة العمل الفلسطيني: هل -وكيف- تستطيع المسيرة أن تحقق جزءا من الأهداف الوطنية، وما هي علاقتها بمنظومة العمل الوطني ومفرداته الأخرى؟؟

بالرغم من مرور سبعين عاما على الاحتلال، وعلى التجربة الكفاحية والنضالية الفلسطينية، إلا أن الفلسطينيين غالبا ما يتكئون على النهج التبريري لتبرير قصورهم عن انتقاء وسائلهم بعناية فائقة وعن قدرتهم على الاستثمار السياسي، بالادعاء أن الثمرات السياسية لا تقطف سريعا، وأن الظروف الدولية والإقليمية لا تساعد، وأنه.. وأنه ..!! .

هذه ثقافة خطيرة استشرت وأصبحت مرجعية في الحكم على النتائج مما فوت علينا فرصة المراجعة والتقييم والتمييز بين الأهداف (الموهومة) والأهداف الحقيقية.

(2) بين الأهداف المعنوية والحقيقية

هناك ضرورة للتفريق بين الأهداف المعنوية وبين الأهداف الحقيقية الملموسة حتى لا نقع ضحية الأوهام أو دغدغة العواطف.

نحن أتخمنا من الإنجازات المعنوية، والشعارات الكبيرة، وبالتالي أصبح البعض -الذي يتهرب من إثبات وجود منجزات حقيقية – يلجأ إلى التمويه والاستعراض والاتكاء على منجزات معنوية.

شعبنا لا يحتاج أن نذكره بحق العودة- على أهمية ذلك- لأنه متأصل في جيناته- ولا أن نقنعه بأننا نجحنا في وضع القضية على جدول المجتمع الدولي-المأزوم بالنفاق السياسي- لأنها وضعت عشرات المرات، وفي مناسبات كثيرة، دون حراك فعلي.

لا يستقيم -بعد كل هذه التضحيات -أن نقنع أنفسنا بهذه الأهداف المعنوية أو أننا قطعنا شوطا كبيرا على طريق الأهداف الكبيرة.

آن الأوان أن ننتقل إلى التفكير الجدي والعملي لتجسيد الأهداف الحقيقية التراكمية والتي يمكن قياسها وحسابها وإقناع الشعب بها. هذه الأهداف يمكن قياسها-عمليا- في المظاهر التالية:

1- تجسيد الوحدة الوطنية الحقيقية وتجاوز الانقسام (رأسمال المشروع الوطني وسر نجاحه)

2- تبني استراتيجية وطنية موحدة (مشروع التحرر الوطني الذي تشتت دمه بين الفصائل)

3- تراجع/ تزحزح العدو عن مخططاته ومشاريعه، ولو بشكل نسبي تدريجي

4- تحرك فعلي للمجتمع الدولي في تبني الحقوق الوطنية والدفاع عنها، وليس مجرد الاستنكار والإدانة.

5- تفعيل الحالة الوطنية بتبني الخيارات المختلفة بشكل متواز، مثل الكفاح المسلح، المقاطعة، مواجهة التطبيع، الملاحقة القانونية.

هكذا يمكن القول إننا نسير قدما، ونسجل النقاط في المرمى الإسرائيلي، ندفع بعربة المشروع الوطني، نعيد ترتيب الحالة الوطنية ونخرجها من حالة الشرذمة والانقسام.

بغض النظر عن النظرة السوداوية للمصالحة ومآلاتها، فإنه يمكن الجزم بأنه لا يمكن لشيء أن ينجح ما لم يقم على قاعدة الوحدة الوطنية.

جربنا كثيرا الأعمال المنفردة – مهما كانت قوتها – لكنها كانت تعجز عن الوصول إلى أهدافها وتحقيق غاياتها.

أما أن نفرح ونصفق بأن تصريحا خرج من هنا أو هناك، أو أن مقالا كتب في نيويورك تايمز أو اللوموند، أو (نعوم على شبر) لتصريح مسؤول إسرائيلي، وحينها نظن أن العالم تغير، وأن الموازين انقلبت لصالحنا، فهذا ضرب من الوهم الذي يجب أن نتخلص منه ونطلقه بالثلاثة.

(3) الخيارات الأحادية ..قاتلة

إن الاعتماد على أحادية الوسائل تمثل ثغرة خطيرة في العمل الفلسطيني، كما أن الانتقال –غير المدروس- من خيار لآخر دون ربط محكم بين الخيارات يهدد بضياع التضحيات.

إن الانتقال/القفز السريع من خيار الانتفاضة ثم إلى خيار الحرب ثم إلى خيار المقاومة السلمية، وكل خيار منفصل عن الآخر لا يحقق حالة من الانسجام والتكامل بين مختلف الخيارات.

بعض الخيارات يأتي نتيجة ظروف قائمة أو قهرية أو بسبب توفره دون غيره. من هنا تأتي ضرورة انتقاء الخيارات والتحكم فيها، وتوجيهها من أجل ضمان تحقيقها لأهدافها.

إن حركة فتح اعتمدت خيار التفاوض السلمي، ووضعت الكفاح المسلح جانبا، والنتيجة بعد ربع قرن: فشل ذريع. حماس اعتمدت على المقاومة المسلحة طوال فترة طويلة من الزمن دونما اعتبار للخيارات السياسية والشعبية مما شكل ثلمة كبيرة، والفصائل الأخرى تراوحت مواقفها بين المقاومة المسلحة والشعبية، وتبني قوة الشرعية الدولية، وهذه شكلت حالة تشتت في المجهود الوطني.

مسيرة العودة لا يمكن لوحدها أن تدفع مسيرة التحرر الوطني ما لم تسند وتدعم بالخيارات الأخرى، وما لم تتوسع في مساحاتها الجغرافية، وما لم تكن محل إجماع وطني.

حركة فتح تعاطت مع المسيرة بنوع من الحذر والشك، والسلطة اكتفت ببيانات عائمة وخجولة، وبقيت غزة وحدها تتحمل العبء والثمن الأكبر، فيما المجتمع الدولي تعاطى معها كجانب إنساني محض وتناسى أن الأزمة في غزة سياسية وليست إنسانية فقط.

أما “إسرائيل” فقد فوجئت من زخم واستمرار المسيرة، وقدرتها على إحداث حالة من الإرباك والتشويش، لكنها –كعادتها- تعمل على استهلاك الوقت، ومحاولة التأقلم، كما تأقلمت مع الانتفاضتين، وتراهن على تراجع وتعب الفلسطينيين مع الزمن، ومحاولة تقزيم المطالب وحصرها في (تسهيلات) يمكن لها أن تتحكم بها. ما يشجعها على ذلك الموقف الدولي العاجز ودعم الإدارة الأميركية بشكل وقح.

(4) الأهداف تأتي بعد العمل!!

إن غالبية الأعمال التي تجتاح الحالة الفلسطينية غير مهدفة سلفا أو مخطط لها مسبقا بشكل محكم، بمعنى أننا نندفع إلى ساحة العمل، ثم بعد قليل تراودنا الأسئلة المقلقة: ما هي الأهداف؟ ما هي المكاسب المتوقعة؟ ما حجم خسارتنا؟ وهل هذا هو الخيار الأفضل؟ هل هذه هي الأدوات المناسبة؟

وتكون الأحداث قد فرضت نفسها علينا وجرتنا إلى مسافات بعيدة.

انظر إلى تجربة الانتفاضة الأولى، ثم الثانية ثم الحروب الثلاث، كانت كلها تدخل في أتون الفعل ثم يبدأ التساؤل يطرح نفسه.

هذه تدل على أننا نفتقد التخطيط للمستقبل وكيفية الاستفادة من الأحداث بحد أقصى.

والمشكلة (الأعوص) أنه حتى الأهداف التي تطرح إما أن تكون حالمة وغير واقعية، وإما أن تكون غير قابلة للتحقق، لذا يصدم الكثير بسبب انتهاء مرحلة ما دون تحقق أدنى الأهداف من ورائها مما يخلق حالة من الإحباط.

إن التخطيط للأعمال الوطنية الكبيرة يحتاج إلى تعب وجهد في التفكير والتخطيط ومدارسة الأهداف وإمكانية تحقيقها.

للأسف أن البعض يستخف بذلك، ويعتقد أن هذا شيء من الترف والعقلانية الزائدة، ويقول لك (خليها ماشية ..الله بدبرها.. وبلاش فلسفة زيادة!!) .

تذكروا أن الله يعامل الناس بمنطوق السنن –القوانين الإلهية- وليس بمنطق (البركات)، وهناك من هم أفضل منا من حيث القوة والأعداد تعرضوا إلى ضربات مزلزلة بسبب تجاهلهم لسنن الله في خلقه. قضايا الوطن تحتاج -قبل الشجاعة والاندفاع – إلى فهم وتخطيط ودراسة وترجيح للخيارات، وتقدير للمخاسر والمكاسب.

الأوطان لا تحرر بالـ(فزعات) !!

خلاصة
مسيرة العودة هي جزء أصل من منظومة وطنية، ويجب أن توضع في السياق الوطني، وأن تعزز بقوة شقيقاتها من الخيارات الأخرى، لأن الاعتماد عليها وحدها غير كاف ومرهق، والتنسيق والتوأمة والترجيح بين الخيارات انعكاس للفهم العميق.

وتكثير المكاسب وتقليل المخاسر من فنون الذكاء السياسي..

ثم تذكروا للمرة الألف: أن كل عمل لا يستند إلى قوة ودعامة الوحدة الوطنية لن ينجح.

المركز الفلسطيني للإعلام 

شاهد أيضاً

مدى قبول (إسرائيل) بالخيار الإنساني بديلًا للعسكري في غزة

د. عدنان أبو عامر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *