الثلاثاء , نوفمبر 13 2018
الرئيسية / دراسات وأبحاث / دراسات علمية / من الاقتراح الأمريكي وحتى إصرار بيغن: هكذا تورطت (إسرائيل) في غزة

من الاقتراح الأمريكي وحتى إصرار بيغن: هكذا تورطت (إسرائيل) في غزة

معاريف _إيال ليفي

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية

ملاحظة: لا يخفى ممارسة الكتاب الإسرائيليين للدعاية والتحريض بهدف تحسين صورة الاحتلال في العالم وإحباط الأعداء والخصوم.

هل جلبنا على أنفسنا كل هذه المشاكل التي تهبط علينا من القطاع؟ كيف ضاعت الفرصة لإعادة البطاطا الساخنة إلى مصر (يقصد إعادة قطاع غزة إلى الحكم المصري)؟

في عام 1980، بعد حوالي سنة من تعينه حاكماً لغزة، قرر العميد في الاحتياط “إسحاق سيجف”، إصدار كتاب بعنوان “كيف سيصبح القطاع في عام 2000؟”  وفي محاولة لجمع أكبر عدد من الأفكار والرؤى، التقى بجميع ضباطه وسمع منهم تقديراتهم.

يقول سيجف: “عندما لخصت المواد التي جمعتها، أظلمت عيناني، كانت هناك حاجة لميزانيات لا نهائية من أجل إعادة تأهيل اللاجئين، وإنشاء العيادات الطبية، غزة بدت وكأنها القنبلة الذرية التي لن تستطيع (إسرائيل) التعامل معها في كل المجالات، لا ديموقراطياً ولا ديموغرافياً ولا مالياً، كقائد عسكري كتبت لوزير الدفاع “عيزر فايتسمان”، أنني أقترح أن نهرب من غزة في أسرع وقت ممكن، الأمر الذي اعتبره “رفائيل ايتان” قائد الأركان آنذاك خيانة، حيث أحضرني إلى مكتب رئيس الوزراء “مناحيم بيغن” لاستيضاح الأمر، حينها قال بيغن: “العميد سيجف المحترم، قطاع غزة هو جزء من أرض (إسرائيل)، للأسف لن يتم ضمه إلى الدولة في حياتي، لكن في المستقبل سيتم ضمه لـ(إسرائيل)”، وقفت محرجاً لكني لم أخاف وقلت: “سيدي رئيس الوزراء كنت قائداً لسيناء طوال 5 أعوام، والآن أنا قائد قطاع غزة، أريد أن أقول (إسرائيل) وصلت ذات مرة لوادي العريش دعنا نأخذ هذه المنطقة ونعيد لمصر قطاع غزة”.

أجاب بيغن: “العميد سيجف المحترم، سيناء ليست جزءاً من (إسرائيل)، تنازلت عن سيناء لمصر حتى آخر شبر”.

ليست علبة مليئة بالسمن

من كان يصدق أن وجع الرأس الذي ينزل علينا في الوضع السيء كصواريخ وفي الحالات الأقل سوءاً يأتينا كطائرات ورقية حارقة، لم يفكروا حتى بإعادة القطاع إلى المصريين.

الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من اليمين واليسار، كانوا ينظرون إلى غزة كجزء لا يتجزأ من دولة (إسرائيل).

منذ عام 1949 وحتى عام 1992، الحكومات الإسرائيلية جميعها أرادت غزة ولم يرغبوا في التنازل عنها، ويشمل ذلك الرغبة في ضمها بشكل كامل لـ(إسرائيل).

        قال العقيد في الاحتياط “شاؤول أريئيلي” _قائد اللواء الشمالي السابق في غزة والذي كان رئيساً لإدارة ترتيبات الوضع الدائم_: “في عام 1949، وأثناء لجنة المصالحة في لوزان، تلقت (إسرائيل) عرض دولي أمريكي لضم غزة ومنح الجنسية الإسرائيلية لسكانها، (إسرائيل) وافقت على استيعاب اللاجئين، وإعادتهم إلى أراضيهم، وحتى أنها وافقت على تعويض مصر بمساحة مساوية في النقب الغربي، من حظنا أن مصر رفضت هذا المقترح، وأيضاً في عام 1956 وفي أعقاب عملية قادش (العدوان الثلاثي على مصر)، حاولت (إسرائيل) التمسك بقطاع غزة وعقدت محادثات مع الأمريكان حول هذا الموضوع، وبعد حرب الأيام الستة كان قرار الحكومة الإسرائيلية بالإجماع لصالح ضم قطاع غزة لـ(إسرائيل).

أما “آري نائور” _سكرتير الحكومة إبان توقيع اتفاق السلام مع مصر_ فعاد خطوة إلى الوراء وأوضح أن قضية غزة لم تبدأ مع “بيجن” إنما بدأت بالتحديد مع كل حكومات اليسار التي حكمت القطاع حتى الانتفاضة.

يقول نائور: “القصة الأكثر إثارة من اتفاق السلام مع المصريين هي قرارات الحكومة منذ عام 1967، والتي بطريقة ما لا يذكرها أحد”، يضيف نائور: “بعد حرب الأيام الستة كان الرأي بالإجماع أن هناك حاجة لضم قطاع غزة، ظهرت الكثير من الأفكار، أثيرت اقتراحات تقضي بنقل اللاجئين للضفة الغربية حتى يتم إضعاف القطاع، وكأن الحديث يدور عن أشياء يمكن نقلها من مكان لآخر، كان من الواضح عدم وجود إمكانية لتنفيذ ذلك، كما أنه لم يكن مؤكداً مدى قانونية هذه الخطوة وفق القانون الدولي، فهذا يعتبر ترانسفير قسري، في النهاية الجميع طلب ضم قطاع غزة، لكن كما قال رئيس الوزراء ليفي أشكول: “أنا أريد غزة لكني لا أريد دفع مهرها، مهرها طبعا كان مشكلة اللاجئين”.

مع انتهاء حرب الأيام الستة وجدت (إسرائيل) نفسها أمام مساحة إضافية كبيرة، وأعداد كبيرة من اللاجئين الذين يحتاجون حلاً فورياً، العالم طلب أن يسمع موقفاً واضحاً، والحكومة الإسرائيلية كانت ملزمة بصياغة حل بشكل سريع.

في الثامن عشر من يونيو عام 1967، اجتمعت الحكومة لمناقشة المشكلة، في الجلسة قال وزير التطوير والسياحة موشيه كول: “يوجد إمكانية لإنشاء حكم ذاتي مستقل”، رد عليه أحد الحضور سيكون ذلك بمثابة كانتون، الوزيران “يسرائيل برزلاي” و”زيراح فرهابتيغ” قالا إنه يجب استغلال الفرصة والإعلان أن (إسرائيل) مهتمة في إيجاد حل لمشكلة اللاجئين، والذي سيكون جزء منه توطينهم في الضفة الغربية، فبدلاً من 400 ألف عربي الموجودون الآن (يقصد فلسطيني الداخل المحتل) سيصبح 1.7 مليون عربي يشمل غزة والضفة الغربية، لكن بهذه الطريقة نقترب من دولة ثنائية القومية، ونحن لا نريد ذلك.

رئيس الوزراء “ليفي أشكول” حاول هو أيضاً إيجاد حل وقال: “أنا أريد أن ألفت انتباهكم إلى البند الرابع من الجزء “هــ” الذي يناقش مشكلة اللاجئين والذي ينص على: (يجب بحث الاحتمالات من قِبل إسرائيل بواسطة الدول العظمى، وذلك لتوطين اللاجئين في بعض المناطق التي تخضع للحكم العسكري الإسرائيلي، شبه جزيرة سيناء وأجزاء من الضفة الغربية) ونحن نقول فيما يتعلق بمنطقة المثلث، ربما يمكننا أن ننقل إلى هناك 200 ألف لاجئ من غزة”، ما الذي ستكون عليه الصورة؟ حكم ذاتي أو شيء آخر؟ السؤال ما زال مفتوحاً.

في اليوم التالي اجتمعت الحكومة حتى تصوغ موقفها الذي ستعلنه للعالم بخصوص المناطق التي سيطرت عليها، خلال دقائق طويلة كان النقاش حول المصطلح الدقيق الذي يمكن أن يوصف قطاع غزة، الحضور لم يكن لديهم شك أنه جزء من دولة (إسرائيل) بل إنه ضمن الحدود التي حُددت في بداية القرن العشرين.

لا يوجد سؤال

البروفيسور يوسي جولدشتاين من جامعة أريئل، _باحث في الصهيونية ومؤلف السيرة الذاتية لرئيس الوزراء ليفي أشكول_ يعرف جيداً هذا الموضوع يقول: “بعد أسبوع من حرب الأيام الستة عُقدت جلسة سرية وتقرر فيها إعادة المناطق التي احتلتها (إسرائيل) من مصر وسوريا، وتقرر أيضاً أن يكون قطاع غزة جزء من دولة (إسرائيل)، أما بالنسبة للضفة فقد ظهر شكوك ولم يقرروا، رأينا في قطاع غزة جزء لا يتجزأ منا حسب الخطوط التي حُددت عام 1916، هذا لم يكن إرادة شخصية لإحداث تغييرات، إنما جزء من التفكير التقليدي لقادة الدولة، من المؤكد أنهم فكروا في المشكلة الديموغرافية التي يمكن أن تظهر، لكن هذا لم يكن دافعاً للسؤال هل نعيد القطاع أم لا؟”.

احتلت (إسرائيل) قطاع غزة في حرب الأيام الستة، المصريون لم يضموا قطاع غزة إليهم أبداً، إنما حكموه من خلال سلطة عسكرية، “المصريون إن أمكن القول، يحترمون القانون” قال البروفيسور الجغرافي والمؤرخ “جدعون بيجر” وأضاف: “وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة فإن مصر لم تضم قطاع غزة ونظرت إليه طوال وقت حكمها له كمنطقة محتلة، وهذا يختلف عما فعلته الأردن عندما ضمت إليها الضفة الغربية، الأردنيون لم يكونوا في تلك الفترة أعضاء في الأمم المتحدة، عندما انضموا إلى المنظمة، لم يعترف أحد بضمهم للضفة”.

عندما بدأت محادثات السلام بين (إسرائيل) ومصر قبيل اتفاق كامب ديفيد، ظهرت من جديد الأسئلة حول غزة، لكن العدو لم يرد أن يأخذ غزة، ونحن لم نفكر مطلقاً التنازل عنها، “بيغن لم يكن يفكر في التنازل عن سنتيمتر مربع من (إسرائيل)، والتي من ضمنها قطاع غزة” يقول موشيه آرنس _ رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست آن ذاك_، يضيف آرنس: “صوّتُ ضد اتفاق كامب ديفيد ولم أغير رأي حتى اليوم، بيغن وصل إلى الاتفاق ومعه أوراق قوية، في حرب يوم الغفران حقق الجيش انتصار باهراً، الجيش وقف على مسافة 101 كيلو متر من القاهرة، الجيش المصري الثاني كان محاصراً، كنا على بعد رمية مدفع من دمشق، هذا هو السبب في دخول المصريين والسادات لمباحثات السلام، هم فهموا أنه ليس لديهم فرصة في الانتصار، إذاً هل نعيد كل شيء للدولة التي هاجمتنا أربع مرات؟ هذا الأمر لم يحدث في تاريخ الشعوب، كنت مستعداً للحل بالتأكيد، لكن لم أفكر أن ذلك يعني العودة حتى الخط الأخضر”.

ماذا كان موقفك تجاه قضية غزة؟

يقول آرنس: “لم أنظر إلى حدود الانتداب البريطاني أنها حدود مقدسة، لذلك في سيناء كنت جاهزاً للتنازل وأيضاً عن أماكن أخرى، نظرت إلى الموضوع من وجهة نظر استراتيجية، لم أصر على غزة لأنني فهمت الإشكاليات”.

هل كان إصرار بيجن في ذلك الوقت نقطة تحول في علاقتنا مع الغزيين؟ هل كنا نستطيع في نفس المفاوضات التوضيح للمصريين: “تريدون أن نعيد لكم سيناء، لا مشكلة خذوا هذه أيضاً (غزة)، فهي ليست لنا”.

“(إسرائيل) تتحمل المسؤولية كاملة في حقيقة أن غزة بقيت تحت سيطرتها” الدكتور شاؤول أريئيلي مقتنع بهذا الكلام وهو يصدر في هذه الأيام كتابه السادس عن الصراع الإسرائيلي_الفلسطيني، يضيف أريئيلي: “كانت (إسرائيل) تستطيع أن تقول للمصريين، الانسحاب لحدود 1967، حسب قرار الأمم المتحدة هو أساس المفاوضات، وفق ذلك نحن نعيد لكم غزة أيضاً، تريدون أن تمنحوها الاستقلال؟ افعلوا ذلك، لقد ضيعّت (إسرائيل) فرصة حياتها، ليس فقط “بيجن”، إنما الجميع، لقد كان اتفاقاً جماعياً على مستوى الحُمق”.

مقابل موقف “أريئيلي” يوجد ادعاءات أنه لم يكن هناك احتمال لزحزحة المصريين عن موقفهم: “أنت لا تستطيع أن تعطي أحداً هدية إذا لم يرغب في قبولها”، يقول البروفيسور بيجر _الذي لعب دوراً صغيراً في محادثات السلام مع المصريين ودوراً أكثر مغزى في المحادثات مع سوريا_  ويضيف: “أنا أريد أن أذكر لك أنه كانت هناك فكرة أثارها البروفيسور “يهوشع بن آريا” وشجعها جيورا آيلند: الاتفاق الثلاثي: (إسرائيل) تنقل أراضي للسيطرة المصرية، ومصر تعطي أراضي لصالح توسيع قطاع غزة، مصر رفضت على الفور، طوال الطريق هي لم ترى غزة منطقة يجب أن تطالب بها، مصر ناضلت كالأسد على قضية طابا، لأنها تؤمن أنها جزء منها، لكن رفح على سبيل المثال حتى اليوم مقسومة إلى نصفين، كان هناك اقتراح لمصر: إما أن تكون كلها لكم أو أن تكون تحت السيطرة الإسرائيلية، مصر لم تكن جاهزة ولا حتى لسنتيمتر، الادعاء كان بسيطاً “هذا ليس لنا”.

مصر حاولت أن تصر على أن يكون لها تواجد عسكري في قطاع غزة، لكن بيغن رفض، “عندما زار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر القدس في مارس عام 1979، نقل طلب السادات بنشر ضباط ارتباط مصريين”، يضيف نائور سكريتر رئيس الحكومة في تلك الأيام:” بيجن قال له أن هذا ليس وارداً، غضب كارتر وقال: إن الولايات المتحدة تعتبر ذلك مصلحة قومية، بيجن أجاب أنه أيضاً يعتبر رفضه مصلحة قومية، كارتر صعّد حديثه وقال سيدي رئيس الوزراء في نهاية الأمر ستحتاجون للتوقيع، رد بيجن سيدي الرئيس في نهاية الأمر نحن سنوقع على ما نقرر أن نوقع عليه، هذا تقريباً كاد أن ينتهي بانفجار، في النهاية، كان هناك اتفاق ينص على أن عندما تبدأ المفاوضات على الحكم الذاتي، وبعد ذلك إذا طلبت مصر إدخال رجالها فإنها يمكن أن تفعل ذلك”.

قررت الحكومتان المصرية والإسرائيلية في موازاة اتفاق السلام الذي سيوقع بين الدولتين، أن تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لسلطة الحكم الذاتي، حيث عرض بيجن هذه الخطة على الكنيست في ديسمبر عام 1977.

“لسكان يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وقطاع غزة الحرية في اختيار الجنسية الإسرائيلية أو الأردنية” قرأ ذلك بيجن من على المنبر”، وأضاف: “سكان الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يختارون الجنسية الإسرائيلية تمنح لهم وفق قانون الجنسية لدولة (إسرائيل)، هؤلاء الذين سيختارون الجنسية الإسرائيلية بمحض إرادتهم، يحق لهم الانتخاب والترشح للكنيست حسب قانون الانتخابات”.

رئيس الوزراء تلى بنداً آخر: “مواطني (إسرائيل) سيسمح لهم امتلاك أراضي والاستيطان في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، العرب منهم واليهود وكذلك من حصل على الجنسية الإسرائيلية من الفلسطينيين وفق إرادته الحرة” هو أيضاً أوضح: “(إسرائيل) ما زالت تصر على حقها في المطالبة بالسيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة، معلوم أنه يوجد مطالب أخرى، لأجل اتفاق السلام لتبقى مشكلة السيادة على هذه المناطق مفتوحة”.

من مقاعد المعارضة نهض حينذاك “مائير فيلنر” الذي ينتمي للحزب الشيوعي وصرخ: “ربما يجب أن توضح لنا رأيك فيما يخص الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة؟ أنت تتجاهل الشعب الآخر، أنت تريد تصفية شعب كامل”، أجاب بيجن: “في البند رقم (11) في خطتنا حددنا أن الأمن والسلم المجتمعي في مناطق يهودا والسامرة وقطاع غزة تحت سيطرة السلطات الإسرائيلية، بدون هذا البند لا معنى لخطة الحكم الذاتي الإداري، أريد إعلان هذا البند من منصة الكنيست والذي يشمل بالطبع تمركز قوات الجيش في يهودا والسامرة وقطاع غزة، لم نفكر في إخراج قواتنا وإعطاء منظمة القتلة (منظمة التحرير الفلسطينية) الأقذر في التاريخ، السيطرة على هذه المناطق”.

الابتسام والضم

اتفاق السلام المصري مازال صامداً، خطة الحكم الذاتي لم تخرج حيز التنفيذ مطلقاً، “الاتفاق الثاني لن ننفذه مطلقاً، وهذا كان سبب استقالة موشيه ديان وعيزر فيتسمان من حكومة بيجن”، قال الجنرال في الاحتياط شلومو جزيت الذي شغل في تلك الفترة قيادة الاستخبارات العسكرية “أمان”، وأضاف: “حكومتنا أفشلت خطة الحكم الذاتي، غزة كانت في نظرنا مثل العظمة في الحلق، أيضاً حينها ثارت موجة من العمليات ونشطت المجموعات الإرهابية، هذا ليس المكان الذي كنت سأكون سعيداً للاستمرار أو البقاء فيه”.

حاكم غزة السابق العميد في الاحتياط سيجف قال: “لماذا لم يخرج الحكم الذاتي لحيز التنفيذ؟ وزير الخارجية كان ديّان ووزير الدفاع كان فيتسمان، الإثنين فكروا أن تكون هناك سلطة حكم ذاتي تقام بعدها دولة فلسطينية مستقلة، بيجن في مقابلهم فكر في حكم ذاتي يكون بعده ضم المناطق لـ(إسرائيل)، بيجن عيّن يوسف بورج لرئاسة لجنة الحكم الذاتي، ومنذ ذلك كان واضحاً أنه يذهب إلى خطوة لن توصل إلى كيان فلسطيني إنما إلى حكم ذاتي يستمر بصورة أو بأخرى، هذا ما أدى إلى استقالة فيتسمان وديّان، هم رأوا أن بيجن يقود الحكومة لخطوة بعيدة عن تصورهم”.

آري نائور _ سكرتير الحكومة إبان توقيع اتفاق السلام مع مصر ذاك_ قدم رواية مختلفة للأحداث: “بيجن أراد بشدة تطبيق الحكم الذاتي، هو رأى فيه البديل الوحيد لتقسيم البلاد، الحكم الذاتي حسب رأيه العائق الوحيد الذي يمكن أن يوضع أمام إقامة دولة فلسطينية”.

ما دور السادات في نسف الفكرة؟

في أعقاب اتفاق السلام مع (إسرائيل)، قطعت الدول العربية العلاقات الدبلوماسية مع مصر، ونقلوا مكاتب جامعة الدول العربية من القاهرة، وقاطعوا السادات ودولته، حينها رأى أن الصفقة لن تؤتي ثمارها، ففضل أن يكون الاتفاق في هذه المرحلة ثنائياً وانتظر فرصة لنسفه، الفرصة كانت عندما عرضت غيئولا كوهين في الكنيست القانون الأساسي الذي يعتبر القدس عاصمة (لإسرائيل)، حيث أوقعت بيجن في الفخ، لأنه لم يكن يستطيع أن يعارض ذلك، السادات قال: “هكذا تفعلون، نحن نعلق المفاوضات”، فقط قبل مقتله بدأ الرئيس المصري الحديث مع الأمريكيين على إمكانية العودة إلى مخطط كامب ديفيد.

قُتل السادات في أكتوبر عام 1981، الرئيس الجديد حسني مبارك لم يكن مهتماً في الموضوع، اندلعت حرب لبنان الأولى وقطاع غزة لم يعُد في سُلم الأولويات، إسحاق سيجف مقتنع أنه أُرسل إلى المنفى تحت حجة التعليم والحصول على درجة البروفيسور من أمريكا حتى لا ينشر رأيه حول الانفصال عن غزة، عندما عاد إلى البلاد عام 1984، وجد حاكم غزة السابق موشيه آرنس وزيراً للدفاع، والذي جمعته به معرفة سابقة، فترة عمل آرنس سفيراً لـ(إسرائيل) في أمريكا عندما كان سيجف يكمل دراسته ويحاضر هناك.

“آرنس قال لي أنه سيرفع رتبتي إلى لواء ويعينني كمنسق للحكومة في المناطق” يضيف سيجف: “قلت له سأكون سعيداً، فقط أخبرني عن سياستك”، قال: “أنت تحتاج أن تبتسم وتضم، الابتسام والضم”، قلت له: “سيد آرنس أنا لا أستطيع أن أنفذ هذه السياسة، المناطق ستنفجر، لا أريد أن أكون مسؤولاً عن ذلك”، اقترح علي أن نسافر معاً إلى غزة وأن أشرح له وجهة نظري، قُدت السيارة وجلس بجانبي وشرحت له ما الذي يحدث، عندما عدنا قال لي: “سيجف أنا أتنازل عن غزة، فقط ستضم الضفة الغربية”، تنفيذ ذلك خيانة لمبادئي، لذلك رفضت واستقلت من الجيش، بعد ذلك بعدة سنوات اندلعت الانتفاضة الأولى، واشتعلت المناطق (الضفة وغزة)، بعدها بعامين التقينا وقال لي: “لقد كنت محقاُ”.

آرنس لا يتذكر هذه المحادثة العميقة مع سيجف يقول: “عرضت عليه وظيفة، وهو بدوره رفضها، لم أفكر أبداً في وجوب ضم غزة، وأيضاً اليوم أنا لا أفكر أننا يجب أن نضم مناطق إضافية، بالتأكيد ليس في الوقت الراهن، كل الأراضي الغربية لـ(إسرائيل) حسب الالتزامات الدولية، هناك من يقول أننا يجب أن نضم المناطق الشرقية، لا أحد يخطر بباله اليوم أن نضم الأردن، صحيح؟.

مفتاح البيت

ترك سيجف الجيش وعمل مستشار لشؤون الأقليات لدى قادة الأركان، أراد بكل قوته المساهم في تحقيق السلام، وأنشأ مع ياسر عرفات مؤسسة “أبناء إبراهيم” التي هدفت إلى تجهيز الطرفين للعيش المشترك، هذه الفكرة أيضاً تبددت.

“من داخل القنبلة الديموغرافية، والإيمان الذي تربيت عليه أنه لا يمكن أن نسيطر على شعب آخر، بنيتُ على الحكم الذاتي وآمنت أنه في أعقابه ستكون هناك دولة فلسطينية مستقلة” يقول سيجف، ويضيف:” أنشأت مع عرفات مؤسسة وفي النهاية خانني، في اللحظة الحرجة عاد وأراد أن يبقى الزعيم الثائر، الفلسطينيون كانوا أغبياء للغاية”.

في كل مرة تُعرض عليهم المقترحات يرفضونها، ونحن أيضا نعاني، كان يجب أن نكون أكثر ذكاءً، وأن نبذل الجهود في تحقيق اتفاقيات سلام مع مصر والأردن، وهكذا نتخلص من المشكلة”.

 

هل كان من الممكن التوصل إلى حل؟

“دائماً أفكر أن الحل العسكري لن يفيد، وفي النهاية هناك حاجة لحل سياسي، إذا كانت لدينا حكمة للوصول إليه، كان من الممكن أن نحافظ على حياة الكثير من الأشخاص، وأن نمنع العديد من المغامرات التي حدثت في غزة بما في ذلك الاستيطان اليهودي المسيحي، ضاعت فرصة كبيرة، عندما كنت أصل لمخيم اللاجئين وألتقي بهم، كانوا يرون بيوتهم ليست في جباليا أو في الشيخ رضوان، كانوا يقولون “بيتنا في أسدود وعسقلان”.

القيادات المحلية نجحت في تجذير الموضوع، والأمم المتحدة أسسته، هذه المشكلة التي لم نحلها والآن أبقينا الجيش للتعامل مع الطائرات الورقية والأطفال والنساء، أنا متأكد أن أولئك الذين يقتحمون الحدود يحضرون معهم مفتاح البيت في جيوبهم، هم يؤمنون بما وعدوهم به، أنه سيأتي يوم سيعودون فيه إلى بيوتهم”.

لقراءة الترجمة pdf: من الاقتراح الأمريكي وحتى إصرار بيغن: هكذا تورطت (إسرائيل) في غزة

شاهد أيضاً

ما هي الاستراتيجية الصحيحة للتعامل مع حماس: تقديم تنازلات أو البدء بالقتال

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *