الإثنين , أغسطس 20 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / «الصفقة» بين الأوهام والحقائق

«الصفقة» بين الأوهام والحقائق

علي جرادات


لنبدأ بالقول: إذا أخذنا بالحسبان أن أعقد أشكال الحركة هي الحركة الاجتماعية، وأن الحركة السياسية هي أشدّ أشكال الحركة الاجتماعية تعقيداً، يصبح من الطبيعي حدَّ البداهة أن يتمتع العاملون في الحقل السياسي بعقل مركب به، وبه فقط يستطيعون إدارة تعقيدات السياسة، والنجاح في حل قضاياها، وصراعاتها، أياً تكن جنسيتها، وأياً يكن زمانها ومكانها. وإذا أضفنا أن للسياسة لغة ومفردات خاصة بها، ولا يربطها رابط بلغة ومفردات عالم التجارة والمال والأعمال، يصبح من الطبيعي حدَّ البداهة، أيضاً، أن نحكم بالفشل على كل حالات ومحاولات «تسليع السياسة» التي يتحول فيها السياسيون إلى رجال تجارة ومال وأعمال.

وإذا شئنا الانتقال من عالم التجريد إلى عالم الملموس عبر إضافة أن قضية فلسطين هي جوهر صراع العرب السياسي مع «دولة» الاحتلال، «إسرائيل»، وأن هذا الصراع، بدوره، هو أساس، وأخطر الصراعات السياسية في المنطقة وأكثرها تعقيداً، بل، وأكثر الصراعات السياسية المعاصرة تهديداً للاستقرار والأمن في العالم، يصبح من الطبيعي حدَّ البداهة، أيضاً وأيضاً، أن نسأل، وأن يسأل كثرٌ غيرنا من العرب و«العجم»: كيف يمكن أن يُكتب النجاح للإدارة الأمريكية، برئاسة ترامب، في تصفية هذه القضية، عبر فرْض خطة، تحمل اسم «صفقة» تزيل، تماماً، الفوارق بين السياسة والتجارة، وبالتالي، بين الجد والهزل، اللهم إلا إذا كانت فلسطين عقار أمريكي قررت إدارة ترامب بيعه، وأن ما يعترض سبيل إتمام صفقة البيع، هنا، ليس إلا الاتفاق على السعر مع المُشتري، وعلى مقدار العمولة مع السمسار.

يعني؟ نحن إزاء خطة أمريكية تُحل الخيال محل حقائق الواقع، متناسية أن أرض فلسطين هي ليست عقاراً يُباع ويُشترى، وأن قضيتها هي أعدل قضية سياسية وطنية وإنسانية معاصرة، وأن «إسرائيل»، وإن حملت اسم دولة، هي آخر، وأطول، وأبشع احتلال في التاريخ المعاصر، وأنها ولِدت شاذة مارقة، وأن عمر الصراع الوجودي الشامل المفتوح بينها وبين شعب فلسطين، وشعوب العرب كافة، هو،( حتى الآن)، مئة من السنين.

هذا، عدا أن الشعب الفلسطيني هو شعب حي مكافح مقاوم صبور، وأنه، حتى إن كان يمر بظروف خارجية وداخلية صعبة، لكنها ليست أصعب، ولا أكثر مجافاة، من ظروف ما بعد صدور «وعد بلفور»، ولا من ظروف ما بعد صدور «قرار التقسيم»، ولا من ظروف ما بعد زلزال «النكبة»، ولا من ظروف ما بعد صدمة نتائج عدوان 67. وكلها ظروف لم تُجبر هذا الشعب على التسليم بنتائجها، أو الاستسلام لها، أو الاستكانة أمام اختلالات موازين القوى التي قادت إليها، حيث لم يكف، جيلاً بعد جيل، عن إطلاق مبادراته الكبرى للمواجهة والمقاومة، بأشكالها كافة، سواء في الوطن، أو في الشتات. وكل ذلك حين كان أقل عدداً، فما بالك بعدما أصبح نحو 13 مليوناً ويزيد، فيما تبلغ نسبة الجيل الشاب منهم نحو 60%، فضلاً عن ارتفاع نسبة التعليم في أوساطه، وعن أن، وهنا الأهم، نصفه ما زال في الوطن، وعن أن نصفه الثاني، (اللاجئين)، كان، ولا يزال العنصر الرئيسي، والرافعة الأساسية، لنضاله الوطني التحرري المديد، وتضحياته الجسيمة الغالية التي قدمها، طوعاً وعن طيب خاطر، ككل شعب واجه استعماراً أجنبيا، آخذين في الحسبان أن الفلسطينيين إنما يواجهون استعماراً استيطانياً، عنصرياً إقصائياً إحلالياً، ما يجعل الصراع معه صراعاً وجودياً شاملاً.

لذلك فإن الأدهى في «صفقة القرن» هو أن يتولى مهمة تمريرها فريق يضم «كوشنير»، و«غرينبلات»، و«فريدمان»، و«هايلي»، ويتلقى التوجيهات من نائب الرئيس ترامب، مايك بنس، ومستشاره للأمن القومي، جون بولتون، وهُم، جميعاً، ليسوا فقط من أشد السياسيين الأمريكيين تأييداً لرؤية ومطالب «إسرائيل» «التلمودية»، وعداء لفلسطين، شعباً وقضية وحقوقاً، بل ومن أكثر هؤلاء السياسيين جهلاً بشؤون قضية فلسطين، وبتاريخ الصراع فيها، وعليها، وبشؤون المنطقة وقضاياها وصراعاتها السياسية المعقدة، عموماً. وإذا أضفنا جهل أعضاء هذا الفريق، هنا، إلى غرور قناعتهم بالنجاح في المهمة، تصبح فرضياتهم مجرد أوهام، وتصبح النتيجة مزيجاً من المأساة والملهاة، حالهم حال كل من يحاول «حرث البحر»، أو مناطحة الصخر بالرأس. كيف لا؟ وهم يواجهون شعباً تجذرت هويته الوطنية الكفاحية، وتتجلى مظاهرها، الآن وهنا، في الرفض السياسي والشعبي الشامل للصفقة الأمريكية، وفي المواجهة السياسية والشعبية الدائرة مع الاحتلال، وهي القابلة، تقدم الأمر أو تأخر، للاستمرار، وللتوسع، بالمعنى الشامل للكلمة.

صحيفة الخليج الإماراتية

شاهد أيضاً

غزة تتصدر مبكرًا الدعاية الانتخابية الإسرائيلية

عدنان أبو عامر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *