الخميس , نوفمبر 15 2018
الرئيسية / آراء وتحليلات / القُدس في الرواية العربية كتوثيق لمدينة تُطمس على الأرض

القُدس في الرواية العربية كتوثيق لمدينة تُطمس على الأرض

معاذ العامودي

كاتب في الشأن الفلسطيني


“مدينة الله”، هكذا كتب الروائي الفلسطيني حسن حميد في روايته عن مدينة القدس، التي تتخذ نفس العنوان، فهي ساحة الصراع على مدار العصور، شواهد قبورها بلغات مختلفة وثقافات مختلفة، قرن من الزمان على آخر صراعاتها التي ما زالت حاضرة، صراع الهوية الدينية، وقد اشتغل الاحتلال الإسرائيلي منذ استيطانه على تغيير معالمها، شوارعها وثقافتها والكتابة على جدرانها، ما جعل الكتّاب يبرزون تاريخها وحاضرها، ويحافظون على بقاء معالمها في الكتب على الأقل ما دام الأمر الواقع غير ذلك، وقد احتضن الكتّاب والروائيون القدس بين جنبات أوراقهم، خطوها قصصًا، منهم من هو داخل القدس أو خارج المدينة أو خارج فلسطين.

صورة القدس للروائيين المقيمين في القدس

صدرت عدد من الروايات التي وصفت واقع القدس الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، وكان أهم الروائيين في القدس ديما السمان في رواية “برج اللقلق”، وعلاء مهنا في رواية “مقدسية أنا”، وعزام أبو السعود في روايتيه “حمام العين” و”سوق العطارين”، وعارف الحسيني في روايته “كافر سبت” التي سنروي بعض تفاصيلها لاحقًا.

أبدعت سحر خليفة في روايتها “صورة وأيقونة وعهد قديم”، وأضافت المزيد في روايتها “أصل وفصل”، وقد تحدث يوسف العيلة عن “قصة حب مقدسية”، وربط الرواية بالسياسي والاجتماعي أسامة العيسة في روايته “المسكوبية” التي تمرد فيها على الوجع، في فترة حصار بيروت عام 1982، وتدور أحداث الرواية في مكان محدد هو سجن المسكوبية، وفضاء محدد مدينة القدس، باعتبار المسكوبية جزء من تراثها، وقد تحدث عن التعذيب والإكراه الذي مارسه الاحتلال الإسرائيلي بشكل قصصي مثير، تحدث عن المسكوبية وبنائها، ومرورها عبر التاريخ من حرب القرم إلى الانتداب البريطاني، هذا السجن الذي أصبح معتقلًا رئيسيًا للثوار الفلسطينيين ومقرًا للموت والتعذيب لهم.

مهما كتب الروائيون فإن الأحداث تتسارع بشكل يومي في المدينة المقدسة لقتل علاقة الفلسطيني بها، بثقافتها وأجوائها وشوارعها ومياهها ونباتاتها وقصصها القديمة والحديثة

أما أماني الجنيدي فكتبت روايتها الشهيرة “قلادة فينوس” التي تدور أحداثها عن قصة أم أيمن كشفت من خلالها الفساد الاجتماعي المتفشي في المجتمع الفلسطيني من خلال أحداث دارت في القدس المكان الأكثر قدسية، تناقض عجيب جمعت فيه بين قدسية المكان وعبث الإنسان، وصفت فيه الإنسان المقدسي البسيط، الشرس، وصورة اليهودي، والاغتراب الفلسطيني.

أهم تلك الروايات لحسن حميد بعنوان “مدينة الله”، وواسيني الأعرج في روايته الشهيرة “سوناتا لأشباح القدس”، وعلي بدر في روايته “مصابيح أورشليم… رواية عن إدوارد سعيد”، وسنتطرق في القادم لمدينة الله نموذجًا نفككه وأثر هذه الرواية على القارئ.

مهما كتب الروائيون فإن الأحداث تتسارع بشكل يومي في المدينة المقدسة لقتل علاقة الفلسطيني بها، بثقافتها وأجوائها وشوارعها ومياهها، ونباتاتها وقصصها القديمة والحديثة، لكن تبقى الرواية أحد أهم الأسلحة المتوفرة لتوثيق تاريخ المدينة وتأريخ أحداثها.

تغلق الأبواب في السبت عيد اليهود على المدينة المقدسة، ويجتمع المتدينون منهم أمام حائط البراق، فكاتب الرواية المقدسي مواليد المدينة، متخصص في الفيزياء والإلكترونيات، لكنه أضفى على روايته بُعدًا اجتماعيًا عابرًا، فروايته تسرد حكايات بسيطة بشكل أدبي ترتبط بأمكنة وأزمنة مقدسية وفلسطينية كما يراها الكاتب ابن المدينة لا المغتربين أو المبعدين عنها، أهل البلد بهوياتهم الزرقاء وبعض حديثهم المختلط باللغة العبرية، فيها يتداخل نبيل بشخصيته الساخرة ومواقفه الظريفة ليخرج بوصف جمالي للمكان، وحالة اللامكان في القدس.

تفاصيل تاريخية وسياسية بأسلوب حكواتي ساخر عميق الثقافة، يعتمد فيها الكاتب أسلوب التورية والتلميح عن أشياء يقصدها ليبتسم القارئ عبر شخصية نبيه البطل الذي لا تظهر نواجذه وهو يضّحك الحاضرين بحواراته باللهجة المقدسية الفريدة وبعض الكلمات الطريفة بعيدًا عن التعقيد والمبالغة.

من نص رواية “كافر سبت”

“لم أناقشه كعادتي، ولم أشتمه لأنه عنصريّ، كما كنت أفعل دومًا، ولم أستفزه بصراخي في وجهه: أن دولته هي دولة القانون، ولكن قانونهم هم، ومن أجلهم هم، ولم أعطه الفرصة ليقتادني خلفه مثل الكثيرين قبله، إلى أقرب مخفر، بتهمة السبّ والتطاول على موظف حكوميّ أثناء تأدية واجبه، لأقضي ليلة في الحجز، وأخرج بكفالة مالية، (غير مستردة) تذهب لخزينة الدولة كي تصرفها على الجيش والعسكر، ليقمعنا كما يجب، وقّعت هذه المرة على قبولي المخالفة بلطف وخنوع، وأكملت دربي…”.

أبدع الكاتب حسن حميد في وصف المدينة المقدسة من خلال روايته “مدينة الله” التي رصد فيها أصوات تكبيرات المساجد ودقات النواقيس والروائح المقدسية وأصحاب العربات والسلال وهم يتوافدون إلى الأسواق القديمة، يفرشون بضائعهم أو يشترون، وينقل حميد القارئ إلى جو المدينة مباشرة، أشكال حجارتها وبيوتها وشوارعها وأسواقها وهضابها.

وقد سعى الكاتب في تقريب مشهد المدينة المقدسة تارة من فوق وتارة من الداخل، فتشتم رائحة القهوة وتسمع ضحكات الوافدين عليها وأنت تقرأ عن مقاهيها، وأحاديث النساء والأطفال وكبار العمر وهم يتحدثون اللهجة العامية الفريدة، ثم يعود لحقيقة الصراع في المدينة، فيفصّل معاناة الناس ومنعهم وقهرهم وصمودهم، ويبرز من ذلك إسلامية القدس في مواضع ما وقوميتها ووطنيتها في مواضع ثانية، يتحدث عن أبوابها وأحيائها القديمة، ليجعل القارئ يتخيلها بطريقة سهلة.

لطالما كانت الرواية أحد أهم الوثائق التاريخية إن صحّت معلوماتها وأُتقن سردها، تكشف الحالة الاجتماعية للناس وعلاقتهم بالمكان

ولربما من أجمل ما كُتب في رواية “مدينة الله”، هذا الاقتباس: “من أين يأتون بالصفاء والمودة. إنها أزهار الصحراء.. كيمياء الفلسطينيين، فرحهم الخاص الذي يستنبتونه من المآسي.. أحيانًا تقوم الخيول بأعمال لا تليق بها، وتخضع لأوامر ظالمة لا تعرف طبيعتها، ومع ذلك تظل خيولاً.. حال الفلسطينيين كحال الخيول”.

“منذ متى أقيم هذا المخيم.. هذا شاهد على اللامنطق الذي تعيشه الآن.. عمر هذا المخيم يساوي عمر الدولة الإسرائيلية.. فيه أهل القرى والبلدات والمدن الذين هاجروا من بيوتهم وأراضيهم عام 1948”.

“هنا القدس.. هنا أول الدنيا.. هنا أقرب الأمكنة إلى السماء.. هنا مدينة الله.. هنا باب السماء.. هنا باب العمود.. باب الخليل.. باب المغاربة.. باب الساهرة.. باب دمشق.. هنا بلد السيد المسيح عليه السلام والسيدة العذراء عليها السلام.. هنا من رأى الغزاة يأتون ثم يذهبون مدحورين مهزومين.. هنا من رأى كل الحروب والدمار والخراب.. وبقيت القدس وأهلها وناسها وأحبتها.. داخلها وخارجها.. انزرعوا في مدينتهم.. ولم يبق من الغزاة غير ذكريات أعمالهم الملعونة.. هنا القدس.. شعب مكافح يؤكد لا سلام في العالم بدون أن تعود القدس لفلسطين ولأمتها العربية ولأهلها.. ويعود أهلها”.

لماذا الرواية العربية؟ وما دورها في حفظ المدينة المقدسة؟

لطالما كانت الرواية أحد أهم الوثائق التاريخية إن صحّت معلوماتها وأُتقن سردها، تكشف الحالة الاجتماعية للناس وعلاقتهم بالمكان، والحالة السياسة وعلاقتهم بما يدور حولهم خصوصًا في المدن المركزية التي تشهد صراعًا عليها، والقدس أم المدن وأقدسها، لذلك كان دور الرواية في توثيق التاريخ وتأريخ المشاهدات، فهي تشمل حقائق وإن دُمجت بالخيال الأدبي، ومن خلالها تكشف معاناة ساكنيها وتحدياتهم ومقاومتهم وتعايشهم خصوصًا في مدينة عابرة للشعوب والديانات كالقدس.

والرواية مما تبقى من أسلحة يقاوم بها الفلسطيني تغيير الهوية وطمس معالم المدن وإرهاق الجماهير بكل لغاتها بمعلومات كاذبة فيها من اللاحقيقة ما يكفي لقلب المحتل إلى مستضعف، فتأتي الروايات لتعزز رواية صاحب الحق، إن لم تستفد منها الأجيال التي عايشت الحدث، فسترسم الصورة الحقيقية الكائنة لأجيال حاليّة وقادمة تظل على نهج المدينة وتراثها وثقافتها وحضارتها، وتبقى الصراع ضمن حقيقته أن ساكني الأرض الحقيقيين هم ما تظهرهم الرواية لا ما يحاول إظهارهم الاحتلال.

نون بوست 

شاهد أيضاً

التهدئة في غزة من منظور المصلحة الإسرائيلية

حيدر إبراهيم المصدّر باحث في مجال الإعلام السياسي والدعاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *