الثلاثاء , ديسمبر 18 2018
الرئيسية / ترجمات عبرية / الحياة على حافة الهاوية  “”إسرائيل” وقطاع غزة”

الحياة على حافة الهاوية  “”إسرائيل” وقطاع غزة”

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية

دراسة مهمة أعدها قائد المنطقة الجنوبية السابق في الجيش الإسرائيلي “سامي ترجمان”، تتناول “معضلة غزة”، يقدم خلالها الخيارات الممكنة للتعامل معها، مع سرد مزايا وعيوب كل خيار.

تعريف بالمؤلف

شلومو “سامي” ترجمان، وهو زميل عسكري في معهد واشنطن، هو جنرال رئيسي في قوات الاحتياط التابعة للجيش الإسرائيلي، حيث أكمل 34 سنة من الخدمة في مركز القيادة العملياتي، خلال حرب لبنان الثانية كان رئيس لواء العمليات في قيادة الأركان من 2005 – 2007، بعد الحرب قاد الفرقة المدرعة السادسة والثلاثين في القيادة الشمالية من 2007 إلى 2009.

كان الجنرال ترجمان قائدًا في قيادة الجيش الإسرائيلي من 2009 – 2013، ورئيس القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي أثناء عملية (الجرف الصامد)، حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بار إيلان وماجستير إدارة الأعمال من جامعة تل أبيب.

يقول ترجمان في بداية دراسته: إن أحداث “مسيرة العودة” ورعب الطائرات الورقية في الأسابيع الأخيرة هي تذكير حقيقي للواقع المتفجر في قطاع غزة، من ناحية فشلت المحاولة السادسة للمصالحة بين حركتي فتح وحماس بوساطة مصرية في أكتوبر 2017، فشلاً ذريعاً، ومن ناحية أخرى في المستقبل القريب علينا أن نعيش مع حقيقة أن حماس تسيطر فعلياً على قطاع غزة، لكن حماس غير قادرة على تلبية الاحتياجات الصعبة لنحو مليوني شخص، والسلطة الفلسطينية غير راغبة في التعامل مع المشاكل المدنية دون مراقبة وسيطرة أمنية كاملة.

لطالما كانت غزة مثالاً متطرفاً ومصدر لانعدام الأمن على الحدود الجنوبية لـ(إسرائيل)، حيث تبحث هذه الدراسة الظروف التي تجعل معضلة غزة صعبة للغاية بالنسبة لـ(إسرائيل) وتقدم أربعة خيارات سياسية ممكنة، إذ يسعى النموذجان الأول والثاني إلى تغيير الواقع، بينما يهدف النموذجان الثالث والرابع إلى احتواء الواقع على أفضل وجه ممكن:

  • وضع حد لحكم حماس عن طريق التدخل العسكري.
  • وضع حد لحكم حماس من خلال تشجيع حدوث أزمة داخلية.
  • استخدام التنمية الاقتصادية لإدارة الصراع.
  • الحفاظ على الوضع الحالي.

حيث تختتم هذه الدراسة بالتوصية بخيار قابل للتطبيق لتقليل المخاطر بالنسبة (إسرائيل) مع تحسين الوضع في غزة.

قطاع غزة

لقد كانت غزة محط التركيز الاقتصادي والاجتماعي ومصدراً لعدم الاستقرار العسكري، حيث كانت المدن الساحلية في غزة وخان يونس ورفح نقاط اتصال للاجئين الفلسطينيين الذين فروا من المعارك في جنوب ووسط (إسرائيل) –يقصد عام 1948-، وخاصةً من السهل الساحلي، لقد ولد قطاع غزة الذي نعرفه اليوم في وقت كان فيه السكان الأصليون البالغ عددهم 70،000 نسمة وقد انضم إليهم عدد من اللاجئين ليتضاعف عدد السكان بدون أساس اقتصادي ولا روابط اجتماعية أو سياسية.

لقد استغل (الاحتلال) العسكري المصري لغزة، وخاصةً في الخمسينات من القرن الماضي هذه الفرصة لتحويل غزة إلى منصة (إرهابية) فعالة ضد (إسرائيل)، فقد سمح الموقع الجغرافي لغزة بتسهيل عمليات تسلل إلى قلب (إسرائيل) لأغراض (إجرامية وإرهابية)، ومن الناحية الاستراتيجية عكست غزة تهديدًا أمنيًا محتملاً لـ(إسرائيل) من خلال كونها نقطة انطلاق للجيش المصري – أكبر جيش عربي في المنطقة – على بعد 60 كم من تل أبيب.

غزة إذن ليست مشكلة جديدة لـ(إسرائيل)، في الواقع تم تحديدها كتحدي مستعصٍ حتى بعد حرب الأيام الستة في عام 1967، عندما اعتبرت عملية الاستيلاء على غزة من قبل الجيش الإسرائيلي ضرورية لإزالة تهديد الجيش المصري من حدود (إسرائيل) الجنوبية.

ظلت مصر حاكمة لقطاع غزة حتى عام 1967، وعلى الرغم من أنها لم تقم بضم أراضيها أو محاولة حل مشاكلها في اتفاق السلام بين (إسرائيل) ومصر، أصر الرئيس المصري الأسبق أنور السادات على عدم تحمل مسؤولية قطاع غزة، وبالتالي تم تقسيم مدينة رفح بشكل فعال إلى قسمين “رفح الفلسطينية والمصرية”  وبالمثل، خلال خطة فك الارتباط عام 2005، كان من المهم بالنسبة لمصر أن تظل غزة “مرتبطة وتعتمد” على (إسرائيل) بدلاً من مصر.

اليوم وبعد سبعين سنة من إنشائها، ما هي القضايا التي تجعل من غزة قنبلة موقوتة؟ الأسباب ترجع إلى عدة محاور رئيسية: أسباب اجتماعية اقتصادية وسياسية.

العوامل الاجتماعية

قطاع غزة هو منطقة صغير يبلغ طوله 40 كم، وعرضه من 5 إلى 12 كم، إذ يبلغ عدد سكانه مليوني نسمة على مساحة أرض تبلغ 365 كيلومتر مربع، ونصفهم تقريباً لاجئون، تواصل الأونروا منح ورعاية حقوق اللاجئين وهي سياسة لا تطبق على أي شعب آخر في العالم، على الرغم من أن هذا يمنح غزة فوائد كبيرة في مجال الرعاية والتعليم، إلا أنه يكرس رواية عن الضحية وثقافة الاعتماد على المعونات الاقتصادية الخارجية التي منعت تاريخياً إعادة تأهيل اللاجئين وإقامة اقتصاد محلي.

يعتبر قطاع غزة فقيراً للغاية ومنطقة ذات كثافة سكانية مرتفعة جداً، لكن النمو السكاني يبلغ حوالي 3.3٪ سنوياً، أكثر من نصف السكان هم دون سن الثلاثين، وبالمعدل الحالي سيزداد عدد سكان غزة بنحو 25%- حوالي 500،000 شخص – في العقد القادم، لقد أدى النمو السكاني السريع عبر السنوات إلى تحويل غزة إلى منطقة مكتظة على حساب القطاع الزراعي، وبمجرد الحصول على سبل العيش التقليدية للغزيين، أصبحت الزراعة صناعة متقلصة، كما أن نقص الغذاء يؤثر على أكثر من نصف السكان.

لقد كانت غزة دائماً تعتمد على الاستيراد وتصدير العمالة والبنية التحتية الخارجية مثل الموانئ البحرية والمطارات، مع معدل بطالة يبلغ حوالي 45 ٪، وما يترتب على انخفاض القوة الشرائية فإن الاقتصاد مشلول.

علاوة على ذلك، ومع زيادة الكثافة السكانية انهارت البنية التحتية مثل مياه الصرف الصحي ومحطات المياه وتقلصت مصادر المياه، مما أدى إلى تضخيم الحوض الجوفي الساحلي المشترك، الأمر الذي أدى إلى زيادة ملوحة المياه وجعلها في نهاية المطاف غير صالحة للشرب.

لا شك في أن مشكلة غزة هي مشكلة متعددة الأبعاد، فبالنسبة لساعات قليلة فقط من الكهرباء في اليوم، انخفض إجمالي الدخل القومي للفرد إلى أقل من 1000 دولار في السنة، حيث يبدو أنه لا يوجد مجال في غزة فالحياة على حافة الهاوية، إن سياسة حماس هي المسؤولة في المقام الأول عن هذا الوضع وقد أثبتت أنها وصفة لليأس والفقر.

العوامل السياسية الحالية

في العقد الذي تلى إبرام اتفاقيات أوسلو، استخدمت (إسرائيل) استراتيجيتين متميزتين لمواجهة موجات (الإرهاب) الفلسطيني في عام 2002، أُجبرت (إسرائيل) على استعادة المدن الفلسطينية في الضفة الغربية من أجل اجتثاث البنى التحتية (الإرهابية) وتفكيكها والاحتفاظ بوجودها على الأرض حتى بعد عودة المنطقة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية.

لكن في غزة اتبعت (إسرائيل) نهجاً مختلفاً وقررت في عام 2005، الانسحاب عسكريًا واقتصاديًا وقانونيًا عن طريق سحب جميع المواطنين الإسرائيليين وإغلاق القطاع واحاطته بسياج أمني قوي، عند هذه النقطة توقفت حركة العمال من غزة إلى (إسرائيل) تمامًا.

في أقل من عامين، قامت حماس بإنهاء حكم السلطة في غزة باستخدام (القوة المفرطة)، للمرة الأولى سيطر نظام فلسطيني مستقل بالكامل على الأراضي الفلسطينية في حدث ترى (إسرائيل) ومصر والسلطة الفلسطينية أنه يشكل تهديدًا كبيرًا لأمنها.

وكما هو الحال في الأنظمة الراديكالية الأخرى، فإن الأزمة الاقتصادية السكانية لم تمنع حماس من استغلال جميع الموارد المتاحة لبناء قوتها العسكرية، ولكن الغريب في الأمر أن معظم الاحتياجات الحيوية للسكان يتم توفيرها بشكل أساسي من قبل أولئك الذين تعتبرهم حماس أعداء لها، إذ أن جميع البضائع التي تدخل غزة تأتي من معابر (إسرائيل) الحدودية، وإلى حد أقل بكثير من الحدود مع مصر، بالإضافة إن توليد الطاقة المحلية، صحيح أن الوقود الإسرائيلي لا يوفر الكهرباء الكافية للقطاع، لذلك لا بد من تكملته بالكهرباء من (إسرائيل) ومصر.

يعتمد اقتصاد غزة بشكل كبير على المساعدات الإنسانية للأونروا، بالإضافة إلى ذلك فإن اعتماد الاقتصاد على الرواتب التي تنقلها السلطة الفلسطينية لموظفيها يشكل مشكلة كبيرة، كما تواصل السلطة الفلسطينية دفع فاتورة الكهرباء أيضًا.

حتى عندما خاضت (إسرائيل) مواجهة في عام 2014، عبرت الشاحنات المحملة بالبضائع إلى غزة من (إسرائيل)، وتدفقت الكهرباء من (إسرائيل) إلى غزة، ودفعت السلطة الفلسطينية رواتب موظفي الخدمة المدنية في غزة، وهي الأموال المغذية لدعم واستمرار (التخريب) في غزة.

باختصار، نظام حماس معادٍ ويهدد جميع جيرانه، إن (إسرائيل) ومصر والسلطة الفلسطينية بدورها مضطرة للاختيار بين توفير الدعم المادي والعملي لعدو مُعلن أو توجيه ضربة قاصمة لشعب كبير، منذ ولادتها كمنطقة بين (إسرائيل) ومصر، واجهت غزة مستقبل قاتم، بيد أن سيطرة حماس على غزة دفعت غزة إلى أن تكون منصة لـ(الإرهاب والتخريب) الإقليمي.

من ناحية أخرى، فإن غياب التحسن في اقتصاد غزة يعني أن الضغوط الاقتصادية ستسهم في اندلاع أعمال عنف جديدة، كما حدث في 2009 و2012، ومرة أخرى في عام 2014، لذلك قد يكون الحفاظ على تواجد حماس فيه مصلحة (لإسرائيل) وللجيران الآخرين.

التعامل مع التحديات

خلال صيف عام 2005، قامت الحكومة الإسرائيلية بترحيل 8600 مستوطن إسرائيلي من قلب قطاع غزة، وتحويلها إلى أول أراضي فلسطينية كبيرة بدون وجود مدني أو عسكري إسرائيلي.

في ضوء استراتيجية الانفصال عن غزة، تمحورت المصالح الإسرائيلية من الانسحاب فيما يلي:

  • الحفاظ على نمط حياة طبيعي لسكان (إسرائيل).
  • إعادة تأهيل غزة لمنع حدوث أزمة إنسانية.
  • تعزيز سلطة مسؤولة مركزية فوق غزة دون قدرة عسكرية كبيرة.
  • الحفاظ على حرية (إسرائيل) العسكرية في العمل وشرعية أعمالها المتعلقة بغزة.
  • الحد من تأثير العناصر المتطرفة الإيرانية و(الإسلام المتطرف).
  • الحفاظ على العلاقات مع مصر لضمان استمرار القاهرة في الوفاء بالتزاماتها تجاه (إسرائيل) في سياق الأمن والاستقرار في قطاع غزة.

بعد تحديد مصالح (إسرائيل) والظروف الضرورية التي تملي عليها مساحة المناورة في التعامل مع قطاع غزة، فإن الأقسام التالية ستحلل الخيارات السياسية المذكورة أعلاه لتحقيق أقصى قدر من المصالح الأمنية الإسرائيلية:

النموذج الأول: إنهاء حكم حماس بالتدخل العسكري

هناك عوامل عديدة يمكن أن تدفع (إسرائيل) إلى الرد عسكرياً متمثلةً في الشلل السياسي، فالأزمة الإنسانية في غزة تمثل تهديد عسكري لاستقرار (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية، كما أن محاولة حماس للسيطرة على السلطة الفلسطينية أو الشروع في عملية ضد (إسرائيل) قد تدفع الأخيرة للتدخل العسكري.

حتى لو افترضنا بشكل متفائل أن عملية عسكرية إسرائيلية في غزة ستستمر بدون تعقيدات كبيرة مثل حرب إقليمية على الجبهتين اللبنانية أو السورية، كيف يمكن لمثل هذه الخطوة أن تخدم المصالح الإسرائيلية؟

مزايا النموذج:

  • المساهمة المباشرة في حفظ أمن (إسرائيل): حيث يمكن لعملية عسكرية على الرغم من العدد الكبير المتوقع من الضحايا فإنها ستقلل إلى حد كبير من قدرات حماس العسكرية.
  • المرونة الاستراتيجية: بعد هذه العملية يمكن لـ(إسرائيل) أن تختار السيطرة على غزة بنفسها أو السماح للسلطة الفلسطينية بالعودة، سوف تكون (إسرائيل) قادرة على فرض ثمن سياسي مناسب لعودة غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية كتعويض عن تكلفة التدخل العسكري.
  • إعادة بناء غزة وتخفيف الضغط الاقتصادي: مع السيطرة الكاملة على غزة، يمكن لـ(إسرائيل) أن تحدد ترتيباتها الأمنية – دون أن تأخذ حماس الموارد من السكان، ومع النمو الاقتصادي الذي لن يدعم القوة العسكرية لحماس، يمكن لبرنامج الانتعاش أن يشمل استيراد وتصدير البضائع، وإصدار تصاريح لسكان غزة للعمل في (إسرائيل)، وتجديد المناطق الصناعية في غزة.
  • التأثير الإقليمي: حيث إن إزالة جماعة الإخوان المسلمين من غزة ستنقل رسالة مشجعة إلى دول الشرق الأوسط المعتدلة.
  • تعزيز استقرار السلطة الفلسطينية: إن إزالة حماس من السلطة سيقلل إلى حد كبير من التهديد الذي تمثله حماس للسلطة الفلسطينية.
  • الردع: إن تحركاً عسكرياً كبيراً وحاسماً سيعزز من ردع (إسرائيل) تجاه المنظمات الأخرى في المنطقة.

مخاطر وعيوب النموذج الأول:

كما هو الحال مع أي حرب كبيرة، فإن العملية العسكرية ستكون محفوفة بالمخاطر والشكوك الاستراتيجية.

  • مضاعفات في العملية:

غزة تفيض بالتهديدات العسكرية وستكون العملية في غزة طويلة ومعقدة، ومن الناحية الاستراتيجية يمكن أن يؤدي ذلك إلى عدم استقرار خطير في الضفة الغربية، فضلاً عن إمكانية اندلاع حرب ضد حزب الله والقوات الإيرانية على الحدود اللبنانية والسورية، إن السعي إلى حل عسكري قد يقود (إسرائيل) إلى وضع أمني أكثر خطورة، إلى جانب تهديد حقيقي لها.

  • المسؤولية المباشرة عن غزة:

يمكن لـ(إسرائيل) أن تجد نفسها في وضع لا مصلحة لها فيه من خلال تولي المسؤولية العسكرية أو السياسية عن غزة، رغم أن (إسرائيل) لم تكن لديها سيطرة مدنية مباشرة على الغالبية العظمى من الفلسطينيين لمدة 25 سنة، حيث يمكن الافتراض أن السيطرة على 1.9 مليون من سكان غزة البائسين ستجلب ما يمكن أن يكون كارثة مدمرة على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين.

يمكن لخيار الخروج بدون وجود بديل حكومي أن يتجنب هذه التكاليف، لكن مع ذلك سيؤدي إلى حدوث فوضى في غزة، والواقع أنه في غياب سلطة مركزية لا تتحمل سوى قدر ضئيل من المسؤولية، فإن الحكم في غزة سوف يتدهور بلا شك إلى خلايا (إرهابية) صغيرة فوضوية دون منطق محدد.

  • تحويل غزة إلى عبء سياسي للمفاوضات المستقبلية:

وبمجرد اكتمال هدف القضاء على البنية التحتية لـ(الإرهاب)، فإن (إسرائيل) تريد مغادرة قطاع غزة ونقل السيطرة إلى السلطة الفلسطينية، وبما أن جميع اللاعبين الإقليميين يدركون أن السيطرة على قطاع غزة تشكل عبئاً هائلاً، فقد تنشأ حالة سياسية تقوم فيها دول المنطقة والسلطة الفلسطينية “بابتزاز” (إسرائيل) لقبول سيطرة فلسطينية جديدة على القطاع.

بعبارة أخرى، يمكن لـ(إسرائيل) أن تجد نفسها تجدد العملية السياسية مع السلطة الفلسطينية من موقف تفاوضي أضعف، على الرغم من الثمن الباهظ الذي ستدفعه من أجل هزيمة أخطر عدو للسلطة الفلسطينية.

استنتاج

احتمالية حدوث واحدة أو أكثر من هذه المخاطر الأربعة عالية جدًا، إذا تم تحقيق المخاطر، فإن مزايا التحرك العسكري لا تكاد تذكر، لذا فإن نزعة (إسرائيل) لحل مشكلة غزة بالقوة العسكرية ضئيلة للغاية، ليس من قبيل المصادفة أنه خلال ثلاث عمليات عسكرية واسعة النطاق خلال السنوات السبع الأولى من حكم حماس في غزة، التي تمت إدارتها من قبل رئيسا الوزراء (إيهود أولمرت، بنيامين نتنياهو)، ووزيرا الدفاع (إيهود باراك، موشيه يعلون)، ورئيسان لهيئة الأركان (غابي أشكنازي، بيني غانتس)، وثلاثة من قادة القيادة الجنوبية (يوآف غالانت ، تال روسو ، المؤلف) لم يوصِ أحد بالسيطرة العسكرية على غزة.

النموذج الثاني : إنهاء حكم حماس عن طريق تشجيع أزمة داخلية

تسيطر حماس على قطاع غزة منذ 11 عاماً، لقد تدهورت خلالها ظروف الحياة المدنية إلى حد كبير، لكن رغم هذه الأزمة الاقتصادية، تمكنت حماس من السيطرة على القطاع دون مواجهة تحديات محلية كبيرة، غالبية سكان غزة يظهرون الاحترام لحماس في المقام الأول بسبب الخوف من استخدام القوة ضد السكان.

وكما نوقش في الخيار الأول، قد ترى (إسرائيل) أن وقف حكم حماس هو الطريقة العملية الوحيدة لكسر شلل سياسة غزة، والتهديد العسكري المستمر، والأزمة الإنسانية المستمرة، لكن بدلاً من التدخل عسكرياً، يمكن لـ(إسرائيل) أن تحاول تقويض النظام من خلال تشجيع المقاومة الداخلية وتعزيز عناصر السلطة البديلة التي تهدد استقرارها.

مزايا النموذج:

  • هزيمة التهديد الرئيسي لـ(إسرائيل) والسلطة الفلسطينية: حماس هي الحركة العسكرية الفلسطينية الوحيدة التي تهدد حقاً أمن المواطنين الإسرائيليين، ولكنها أيضاً البديل السياسي والأيديولوجي الوحيد لسيطرة حركة فتح على السلطة الفلسطينية.
  • تجنب الحرب: ستقوم القوات الفلسطينية الداخلية في غزة بإسقاط حماس، وبالتالي منع مواجهة عسكرية محفوفة بالمخاطر عالية التكلفة لـ(إسرائيل).
  • إمكانية الحكم المعتدل البديل: هزيمة حماس يمكن أن تمهد الطريق لسلطة حكم أكثر اعتدالاً في القطاع.

المخاطر والعيوب:

  • الانهيار المدني: من أجل جعل حماس على حافة الانهيار، على (إسرائيل) أن تشجع التدهور الكامل في الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي لا يحتمل أصلاً في غزة، وهذا من شأنه للأسف أن يشكل عقاباً جماعياً، وهي سياسة ينبغي على (إسرائيل) أن تحاول تجنبها.
  • حدوث ثورة عسكرية: قد يؤدي الانهيار الاجتماعي الاقتصادي المعجل إلى دفع حماس نحو مواجهة عسكرية مع (إسرائيل) قبل أن تؤدي إلى اضطرابات مدنية في غزة ضد النظام، كان هذا هو الحال في مواجهات 2009 و 2012 و 2014، والتي كانت تُعزى جزئياً للضغوط الاقتصادية على غزة، حيث تتنبأ المصادر الإسرائيلية بديناميكيات مماثلة في المواجهة المستقبلية.
  • إمكانية زيادة الحكم المتطرف: إذا انهار نظام حماس من الداخل، فمن المرجح ألا يكون ذلك من فعل حركة فتح، التي تعاني من الانقسام، ولها تاريخ من الفساد، علاوة على ذلك، فإن فتح تخضع لقمع سياسي من قبل سلطات حماس، السيناريو الأكثر احتمالاً هو ظهور منظمات محلية متطرفة مختلفة ستسيطر على مناطق مختلفة من القطاع، وقد تجد (إسرائيل) نفسها تواجه دولة فاشلة على بعد بضعة كيلومترات فقط من مدينة عسقلان.
  • اندلاع أزمة ضد (إسرائيل): من المحتمل أن يؤدي الضغط الإنساني والاقتصادي والسياسي والوطني الذي يحمله هذا النموذج على غزة إلى اندلاع أعمال عفوية شعبية ضد (إسرائيل)، حيث إن موجات اللاجئين من أفريقيا والشرق الأوسط التي تحطمت على شواطئ أوروبا تنذر بسيناريو مماثل، وإن كان أبسط بالنسبة لـ(إسرائيل) يمكن لمئات الآلاف من سكان غزة البائسين أن يسيروا نحو السياج الحدودي لـ(إسرائيل)، سواء في للاحتجاج السياسي أو للبحث عن ملجأ في (إسرائيل).
  • نقل مشاكل غزة الاقتصادية إلى (إسرائيل): قد تصبح غزة عبئًا ماليًا وإنسانيًا هائلًا على (إسرائيل).

استنتاج

إن فرص تحويل السلطة في غزة إلى أيدي حكومة أكثر اعتدالاً منخفضة جداً، لقد حدثت معظم عمليات نقل السلطة في العالم العربي على حين غرة، دون أي تقييم مسبق لطبيعة التغيير ومعناه، على الرغم من وجود توترات اجتماعية في قطاع غزة، إلا أنه لا يبدو أن أي قوة سياسية تهدد نظام حماس في الوقت الحاضر علاوة على ذلك، لا تسيطر حماس على قطاع غزة  من خلال القوة والترهيب فقط، فخلافاً لنظام الأسد السوري أو نظام مبارك المصري، لا يزال يُنظر إلى حماس على أنها حركة شعبية مشروعة.

إذا فشل هذا الخيار في إحداث تغيير بالقوة، فستكون هناك نتيجتان ممكنتان، الشيء الأكثر استحساناً هو أن الحرب الأهلية الداخلية المستمرة ستجعل حماس تعطي الأولوية لاحتياجات السكان المدنيين على احتياجات بناء قوتها العسكرية، غير أن النتيجة الأكثر ترجيحاً والأكثر توقعاً ستكون تصعيد المشاكل الاقتصادية والأمنية لغزة، إن احتمال تدهور غزة إلى حالة من الفوضى والجماعات المتطرفة التي تقاتل على الحدود هو أسوأ سيناريو محتمل لـ(إسرائيل)، إذا حدث هذا فإنه يمكن أن يسحب (إسرائيل) إلى مستوى من المشاركة المباشرة أو السيطرة المباشرة، وهي الحالة ذاتها التي يهدف هذا النموذج إلى تجنبها.

النموذج الثالث: استخدام التنمية الاقتصادية لإدارة الصراع

يفترض هذا النموذج أن الظروف الاقتصادية لغزة هي العامل المهيمن في عدم استقرارها، على أساس أن الاقتصاد ليس هو السبب الوحيد في عنف غزة: الإيديولوجيات المتطرفة والاعتقاد بأن استخدام القوة يمكن أن يغير الحسابات الإسرائيلية يؤدي دوراً كبيراً، ومع ذلك وبناءً على هذا الافتراض، ستعمل (إسرائيل) مع المجتمع الدولي على تحسين اقتصاد غزة بشكل كبير من خلال تحسين بنيتها التحتية الكهربائية والمائية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، والسماح لأعداد كبيرة من العمال بالدخول إلى (إسرائيل).

المزايا:

  • قطع الصلة بين الاقتصاد والسياسة: في حين أنه من الناحية المثالية فإن السلطة الفلسطينية ستقوم بإدارة الاستثمارات، إلا أن فصل العناصر الاقتصادية والسياسية يمكن أن يسمح لغزة بالاستفادة من الاستثمارات والهبات الدولية.
  • خلق فرص للاعتدال والاستقرار: ليس من المتوقع أن تتخلى حماس عن رؤيتها الأيديولوجية لتدمير (إسرائيل) أو جهودها لبناء قوة عسكرية ومع ذلك، فكلما تمتعت غزة بتحسينات في مستوى المعيشة، أو حتى فرصة لإجراء مثل هذه التحسينات في المستقبل القريب، كلما كان من الأصعب على حماس أن تبدأ التصعيد العسكري، يبدو أن خوف السلطة الفلسطينية من ازدهار قطاع غزة هو في حد ذاته حافز كبير لحماس، إذا قدم الإخوان المسلمون في غزة نموذجًا حكوميًا معقولًا ومستدامًا، فسوف يشكل سابقة في العالم العربي لحكم الإخوان المسلمين الناجح.
  • التنمية الاقتصادية التنافسية ستحفز التنافس مع الضفة الغربية: لقد قيل الكثير عن التهديد الذي يشكله نظام حماس الناجح في غزة للسلطة الفلسطينية، ومع ذلك لم يُكتب ما يكفي حول إمكانية أن تُجبَر السلطة الفلسطينية على العمل بقوة أكبر للحد من الفساد الداخلي وتسريع النمو الاقتصادي في منطقة الضفة الغربية، حيث إن القوة الشرائية المحسنة لسكان الأقاليم وغزة ستسهم ليس فقط في الاستقرار والأمن ولكن أيضا في الاقتصاد الإسرائيلي.
  • المساهمة في توضيح أن استخدام حماس لقوتها لن يخدم مصالح الغزيين: إن تحسن الأوضاع المالية لسكان غزة نتيجة للمشروعات الأجنبية والعمل في (إسرائيل) سوف يؤكد على الدور الإيجابي الذي تلعبه (إسرائيل) والمستثمرون على عكس الدور الاقتصادي السلبي الذي تلعبه حماس.
  • تحسين صورة (إسرائيل) الدولية: حيث سيتم دحر مسار الانتقادات الموجه لـ(إسرائيل) إذا لعبت (إسرائيل) -على الرغم من عداء نظام حماس-، دورًا مهمًا في تعبئة وإعادة تنظيم الموارد والاستثمارات في غزة.
  • خلق فجوة بين حماس وإيران: تتحول حماس إلى إيران كلما شعرت بالعزلة، وكلما زادت قسوة الظروف الاقتصادية، لذلك ستساهم التنمية الاقتصادية في خلق مسافة طبيعية بين حماس وايران.

مخاطر وعيوب هذا النموذج:

  • قد تستخدم حماس الوضع الاقتصادي المحسن لتطوير قدراتها العسكرية: لقد أظهر العقد الماضي أن اقتصاد غزة يخدم في المقام الأول الاحتياجات العسكرية لحماس، وبالتالي فإن الازدهار الاقتصادي المحسن يعني زيادة الضرائب على سكان غزة التي ستؤدي على الفور إلى زيادة حادة في استثمارات حماس العسكرية، يمكن أن يصبح معظم الاستثمار الأجنبي في غزة استثمارًا في القدرة على (الإرهاب) الموجه ضد (إسرائيل).
  • التنمية الاقتصادية في غزة قد لا تكون مجدية: على الرغم من أن العديد من الدول العربية قد تعهدت باستثمارات واسعة النطاق في قطاع غزة في نهاية حرب 2014، إلا أن تلك الاستثمارات لم تتحقق سوى نسبة مئوية صغيرة، إن الفلسطينيين بشكل عام وغزة على وجه الخصوص ذو أولوية منخفضة لدى العالم حتى في العالم العربي.
  • مقاومة السلطة الفلسطينية: ترى السلطة الفلسطينية أن الاستثمارات في غزة تقويض لسلطتها السيادية وتهديد حقيقي لاستقرارها في منطقة الضفة الغربية.
  • قد يؤدي التحسين الاقتصادي في غزة إلى إضفاء الشرعية دون قصد على حكم حماس وأيديولوجيتها: ربما يكون هذا هو جوهر كل المخاطر السابقة، إن الاقتصاد الأفضل يعادل نجاح نموذج حماس في قطاع غزة، مثل هذا النجاح لا يمثل تهديدًا للسلطة الفلسطينية فحسب، بل أيضًا لدول سنية معتدلة.

استنتاج

الاستثمار في غزة قد يحتمل نجاح حماس السياسي في الضفة الغربية، وقد يؤدي إلى تراكم قدرات حماس العسكرية للاستيلاء على السلطة الفلسطينية، إذا كانت الأيديولوجية الفلسطينية الداخلية والسياسة تصنعان مواجهة مستقبلية مع حماس لا مفر منها، سيقول البعض إنه من الأفضل لـ(إسرائيل) أن تحارب منظمة تفتقر إلى الموارد من منظمة جيدة التمويل.

النموذج الرابع: الحفاظ على الوضع الحالي

ستحافظ (إسرائيل) على اقتصاد غزة في حالته الراهنة – مع منع حدوث أزمة إنسانية – للحفاظ على سلطة مركزية يردعها الجيش الإسرائيلي بما يكفي من مهاجمة (إسرائيل) ويحملها المسؤولية عن أي هجمات من جماعات إسلامية أخرى، وبالتالي الحفاظ على أمن المواطنين الإسرائيليين، حيث ليس من الواضح ما إذا كانت هذه هي نية سياسة (إسرائيل) الحالية لكن من المؤكد أنها نتاجها.

مزايا النموذج:

  • يوضح أن حماس لا تستطيع الحكم: مع غرق اقتصاد غزة سيُنظر إلى نموذج حماس للحكومة على أنه نموذج فاشل من جانب مواطنيها والعالم.
  • يقلل الموارد لحماس: حيث أن مدى التعزيزات العسكرية المحتملة لحماس يعتمد على صحة اقتصاد غزة، فإن الاقتصاد الضعيف يعني تمكينًا عسكريًا محدودًا.

مخاطر وعيوب النموذج:

  • عيب هذا النموذج هو ببساطة أنه مؤقت: ظاهرياً، هذا هو النموذج الذي تستخدمه (إسرائيل) حالياً، ولكن بدلاً من عكس الاستراتيجية الواعية، فإنه يعكس شللًا عامًا في مواجهة مشاكل غزة الاجتماعية والاقتصادية الوخيمة، على الرغم من أنه من الممكن حساب احتياجات السكان الأساسية وتلبية احتياجاتهم الأساسية، إلا أن تراكم واليأس والغضب – بالترافق مع أيديولوجية حماس الإسلامية – يبقى غير مرئي حتى لحظة اندلاع العنف.

استنتاج

لا يوجد “توازن” في قطاع غزة والبيانات الاقتصادية المنشورة من وقت لآخر، بقدر ما هي دقيقة تشير إلى أن الوضع الراهن سيؤدي في النهاية إلى اضطرابات واسعة النطاق – الحالة التي تم تحديدها مع النموذج الثاني، وبالتالي، فإن المخاطر التي ينطوي عليها هذا النموذج هي في الواقع نفس المخاطر التي ينطوي عليها النموذج الثاني – على الرغم من أن مثل هذه الاضطرابات يمكن أن تخلق فرصة لحشد المجتمع الدولي وراء خطة استراتيجية للتعامل مع المشاكل الأساسية التي تواجه غزة فمن المرجح أن الاستقرار والأمن سيعاني على حساب أي تغيير إيجابي كبير.

النموذج الرابع هو وهم، فالهدوء النسبي في السنوات الأربع الماضية لم يكن مستقرًا، ولكن هو مجرد هدوء ما قبل التصعيد المقبل، وبالتالي فإن النموذج الوحيد القابل للتطبيق هو النموذج الثالث: تحسين الوضع الاقتصادي لغزة.

يجب أن يتم تنظيم ائتلاف دولي للتعامل مع أزمة غزة، مشجعاً لكن ليس مشترطاً عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، هذا النموذج له مخاطر واضحة، ولكن بالمقارنة مع الخيارات الأخرى فإن المخاطر يمكن التحكم فيها.

بدلاً من ذلك، أوضح هذا النص أنه من خلال استثمار الموارد القليلة المتوفرة في الأنفاق والصواريخ والقدرات العسكرية الأخرى على حساب الرفاهية الاجتماعية، فإن حماس هي المسؤولة ولا ينبغي تفسير هذا النموذج على أنه خوف من حرب أخرى مع حماس في الشرق الأوسط، من الخطأ أن نتصرف فقط من الخوف من الحرب – لأن الخوف يديمها.

إن استعداد الجيش الإسرائيلي والمجتمع للدفاع عن (وطنهم)، إلى جانب حقيقة أن الخاسرين الرئيسيين هم حماس وسكان غزة يجب أن يردعوا حماس عن التصعيد العسكري.

في الأيام الـ 51 من عملية (الجرف الصامد)، لم تنجح حماس في تحقيق أي فوائد لسكان غزة بدلاً من ذلك، تضاعفت المشاكل إلى درجة اضطرت فيها حماس إلى الاعتراف بالفشل في جهودها لحكم القطاع وحاولت التخلي عن مسؤوليتها كسلطة مدنية، إن لـ(إسرائيل) مصلحة في أن تكون جزءاً من مبادرة دولية كهذه من أجل تعزيز أمنها وضمان الرفاه الاقتصادي لشعبها وشعب غزة، والحفاظ على صورتها الدولية، لقد انفصلت (إسرائيل) عن غزة، لكن غزة لم تنفصل عن (إسرائيل)، والمشاكل الناجمة عن أي وضع متطرف في غزة تقع في النهاية على عتبة (إسرائيل).

مخرجات النماذج:

ليس لدى (إسرائيل) حالياً خيارات جيدة لقطاع غزة، حيث إن أي محاولة لحل الوضع عن طريق تقويض نظام حماس يشكل مخاطر جسيمة على الأمن والاستقرار، لأن حماس هي عدو ذكي سيحاول إحباط استراتيجية (إسرائيل) للإطاحة بها، فإن شرط أن تتوقف حماس عن البناء العسكري يجب أن تتبعه عملية نزع السلاح، هذا النهج التدريجي من شأنه أن يعزز الأمن الإسرائيلي على المدى الطويل، أما الطريقة الوحيدة لضمان التجريد من السلاح على المدى القصير هي من خلال العملية العسكرية الخطرة المبينة في النموذج الأول.

إذا كانت حماس مهتمة حقاً بازدهار غزة، فإن ذلك يجب أن يشترط بنزع السلاح، إذا لم يتم تحديد هذا الجانب كهدف فلن تتردد (إسرائيل) في وقف توصيل المساعدات وتنفيذ التدابير الضرورية لتنمية غزة، مما يحد من مساحة المناورة لدى حماس ويجبرها على التخلي عن فكرة القضاء على (إسرائيل) بينما تستفيد من اقتصاد غزة.

  • المرحلة الأولى: إبطال مفعول حماس العسكري

منذ ثمانينيات القرن الماضي، كانت (إسرائيل) تتعامل مع موجة من المنظمات الإسلامية في المجالين السياسي والعسكري، من أجل التكيف بشكل أفضل مع هذه التهديدات الأخيرة، استخدم الجيش الإسرائيلي خبرته الواسعة في التعامل مع منظمات مثل حماس وحزب الله لتطوير مفهوم للتحول العسكري يتناسب مع التحديات الفريدة التي يواجهها.

التكنولوجيا المتاحة لـ(إسرائيل) اليوم غير مسبوقة في الابتكار والتنوع، حيث إن تطوير واستخدام هذه البنية التحتية التكنولوجية، إلى جانب القبة الحديدية وحاجز تحت الأرض لمعالجة تهديد الأنفاق، سيسمح لقوات الجيش الإسرائيلي بتقييم أكثر دقة للقدرات الهجومية.

إن القدرة العسكرية الفعالة ضد التهديدات الخارجة عن سياج غزة ستمكّن (إسرائيل) من المساعدة في تطوير اقتصاد غزة والحيلولة دون حدوث حالة يعرض فيها هذا التطور للخطر تجاه المصالح الأمنية لكل من (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية، ستبقى حماس سلطة سياسية في قطاع غزة، لكنها ستجد نفسها أسيرة للمصلحة العامة المتزايدة لتعظيم الرفاه الاقتصادي والحد من عدم الاستقرار العسكري، حيث ستنخفض أهمية حماس، ليس فقط كقوة عسكرية بل كقوة سياسية.

ويكمن الخطر هنا، كما هو الحال دائماً في قدرة العدو على التكيف وتوظيف تكنولوجيات جديدة وإحباط التفوق الجديد لـ(إسرائيل)، ومع ذلك ما دامت (إسرائيل) تواصل السيطرة الأمنية المطلقة على غزة، وتواصل التعاون مع الجيش المصري في سيناء، فإن هذا الاحتمال سيكون صعباً بشكل خاص بالنسبة لحماس، وسوف يكون، على أقل تقدير طويلاً وطويل الأمد.

  • المرحلة الثانية: تعزيز استقرار قطاع غزة

تدعو المرحلة الثانية إلى بناء بنية تحتية اقتصادية حقيقية ودائمة في غزة وزيادة القوة الاقتصادية في الوقت الذي تستخدم فيه الرافعات السياسية لتجاوز العقبات.

الجانب الاقتصادي

في الماضي، كانت التبرعات الدولية لدعم غزة في كثير من الأحيان قد وقعت في الأيدي الخطأ، ولم تستخدم لإكمال أي مشروع أو حتى لو فعلت ذلك سيتم تدمير المشروع من خلال العملية التالية، بموجب النموذج المقترح، سوف يتعهد ائتلاف دولي بالمبالغ في مشاريع محددة، حددتها الأمم المتحدة بالفعل؛ وبعبارة أخرى، لن تذهب التبرعات مباشرة إلى غزة بل إلى المنظمة الدولية المنفذة، يمكن أيضًا اعتبار هذه “التبرعات” كاستثمارات، والتي ستكون لها عوائد، وسيقلل هذا الترتيب من قدرة حماس على إعادة تخصيص الموارد من القطاعات الاقتصادية إلى القطاعات العسكرية، بالإضافة إلى ذلك، من أجل معالجة المخاوف المتعلقة بتدمير المشاريع ، تلتزم (إسرائيل) بعدم إلحاق الضرر بمشاريع محددة طالما لم ينشأ أي نشاط (إرهابي) منها.

الجانب السياسي

وهذا ينطوي على بناء ائتلاف دولي يضم دولًا عربية براغماتية (مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن) سوف يضغط على السلطة الفلسطينية وحماس لتنفيذ هذه الخطة، من المهم أن تأخذ السلطة الفلسطينية دورًا محوريًا في غزة قدر الإمكان، سيحتاج طرف ثالث لإدارة المشاريع كآلية تحكم فعالة، على سبيل المثال، في أعقاب عملية (الجرف الصامد)، ضمنت السيطرة على آلية إعادة إعمار غزة أن الاسمنت الذي يدخل قطاع غزة لم يذهب إلا إلى مبادرات إعادة الإعمار المدنية وليس إلى تعزيز القوة العسكرية.

استنتاج نهائي

تشكل أربعة نماذج مختلفة – لا شيء منها مثالي – الخيارات الاستراتيجية الحالية لـ(إسرائيل)، ومع ذلك فإن الخيار الثالث – أي إحداث تحسن كبير في اقتصاد غزة – هو الخيار الأكثر إنسانية ويمكن تطويره ليؤدي إلى نتيجة مرغوبة لـ(إسرائيل)، ولكي يحدث هذا ستحتاج (إسرائيل) إلى تنفيذ هذا النموذج في أربع مراحل شاملة:

  1. التحول العسكري الذي سيمكن الجيش الإسرائيلي من توفير استجابة أمنية مثالية لتطوير تهديدات حماس بأقل تأثير على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
  2. الاستثمار الاقتصادي الموجه وتوظيف الرافعات السياسية للجهات الفاعلة الفلسطينية المحلية لتنفيذ المشاريع وتحفيز التنمية الاقتصادية.
  3. خلق ازدهار اقتصادي وهيكلي للبنية التحتية في قطاع غزة والضفة الغربية.
  4. القضاء على المخاطر الأمنية التي تشكلها حماس.

وستحسن هذه المراحل الأربع، إلى جانب سياسة الردع الإسرائيلية المستمرة، من الظروف الاقتصادية لغزة والوضع الأمني لـ(إسرائيل) إذا قررت جميع الجهات الفاعلة الوقوف خلف هذه المبادرة فقد تصبح حقيقة على أرض الواقع.

مركز الدراسات الإقليمية 

شاهد أيضاً

الموجز البحثي العدد “الحادي والعشرون”

مركز الدراسات الإقليمية_فلسطين 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *