الثلاثاء , ديسمبر 18 2018
الرئيسية / ترجمات عبرية / تطوير الأمن والتفكير العسكري في الجيش الإسرائيلي

تطوير الأمن والتفكير العسكري في الجيش الإسرائيلي

دراسة صادرة عن معهد الأمن القومي الإسرائيلي من إعداد (غابي سيبوني، يوفال بازاك، غال بيرل فينكل)

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية

في الأسابيع السبعة بين 26 أغسطس و17 أكتوبر 1953، أمضى بن غوريون عطلته في التحضير لـ”الندوة”، التي تمت بعدها صياغة المفهوم الأمني لدولة (إسرائيل)، إلى جانب النقاط الرئيسية في عقيدة جيش (الدفاع) الإسرائيلي.

 جادل بن غوريون، الذي كان على رأس مؤسسة (الدفاع) منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أنه بحاجة إلى الابتعاد عن الشؤون الروتينية من أجل التدقيق في استراتيجيات الدفاع وإعادة تحليلها، لقد أدرك بن غوريون أن (إسرائيل) سوف تتصرف بشكل مختلف خلال الحرب القادمة – ضد الدول وأن الوسائل والقوى البشرية وعقلية قوات الهاغانا لا تلبي احتياجات المستقبل.

 وقد دفعه هذا إلى التركيز على الجهود الفكرية، التي أدت إلى صياغة نهج يمكن أن يتعامل بشكل أفضل مع تحديات المستقبل، لم يكن هذا سوى نقطة الانطلاق في تطوير وتأسيس التفكير العسكري الإسرائيلي الأصلي والفعال، حيث كان هذا التفكير في صميم بناء وتشغيل القوة العسكرية والأمنية في ظل ظروف متدنية مكنت من إقامة الدولة في ظل كافة الصعاب والتحديات.

المبدأ الأمني الذي وضعه بن غوريون كان مبنياً على فكرة تحقيق النصر العسكري في كل مواجهة، في الوقت الذي كان فيه السكان اليهود يبلغ عددهم 1.2 مليون نسمة ويتنافسون ضد بلدان يبلغ عدد سكانها حوالي 30 مليون نسمة، كان هذا نهجًا جريئًا، على حدود المستحيل، حيث أنه بقدر ما كان بن غوريون قلقا، كان هذا هو الخيار المنطقي الوحيد، على الرغم من معارضة القيادة العسكرية، خاصةً من قادة الهاغاناه السابقين.

لقد أدرك بن غوريون أن مزايا (إسرائيل) تنبع من مزيج من التفوق البشري، إلى جانب الروح الوطنية والقدرة على استغلال الظروف الطبوغرافية التي تسهل الحركة السريعة للقوات المركزة، على أساس العمليات داخل الخطوط الداخلية، من أجل خلق التفوق المحلي في كل ساحة، على هذا الأساس ، قال: “إذا هاجمونا في المستقبل، لا نريد شن الحرب في بلادنا، بل في بلد العدو، حتى لا نكون في موقف دفاعي، بل في موقف هجومي”.

هذه الحرب لا تشنّها المستوطنات الحدودية، بل القوات المتنقلة المجهزة بالمركبات السريعة حيث “أدت هذه الاستنتاجات ببن غوريون إلى اختيار استراتيجية المناورة لدفع الحرب بسرعة إلى أراضي العدو، وشكلت هذه المبادئ المذهب الإسرائيلي للعقود الثلاثة التالية وأدت إلى سلسلة من الانتصارات العسكرية المثيرة للإعجاب”.

على الرغم من أن (إسرائيل) قد استفادت من التفوق العسكري المطلق تقريباً في العقود الأخيرة، يبدو من المفارقات أن إنجازاتها ضد أعدائها آخذة في التلاشي، وهكذا على سبيل المثال، على الرغم من الفجوات الواضحة في نسب القوة بين (إسرائيل) وحزب الله في عام 2006، وبين (إسرائيل) وحماس عام 2014 ، استغرق جيش (الدفاع) الإسرائيلي الكثير من الوقت للوصول إلى الإنجازات الجزئية فقط في المعارك التي خاضها، حيث وجد العديد من المحللين ملجأ في التفسير بأن هذا “مقدر سلفاً”، نتيجة لخصائص المواجهات الجديدة، وهو تفسير ترسخ في سوق الرأي العام الأمني – العسكري الإسرائيلي.

تقدم هذا الدراسة مقاربة بديلة، تركز على الحجة القائلة بأن هذه الظاهرة مستمدة بشكل رئيسي من الضعف المستمر للأمن والتفكير العسكري، وتؤكد أن السبب الرئيسي لعدم قدرة المؤسسة الأمنية، وبشكل أساسي جيش (الدفاع) الإسرائيلي ، على توفير استجابة للتحديات التي تواجهها دولة (إسرائيل)، ليس نقصًا في الموارد، بل يرجع أساسًا إلى ضعف الهيكل التنظيمي، إذ أن أنظمة داخل جيش (الدفاع) الإسرائيلي مكلفة بمهمة تطوير واستيعاب المناهج القتالية.

حيث تحاول هذه الدراسة معالجة عدة أسئلة: لماذا أٌضعف التفكير العسكري الإسرائيلي؟ ما هي الآثار والعواقب المترتبة على الأمن القومي والقوة العسكرية لدولة (إسرائيل)؟ كيف يمكن إعادة النظر في التفكير العسكري الأمني في مكانه الصحيح في قلب القوة الوطنية لـ(إسرائيل)؟ ولعل السؤال الأهم – كيف يجب أن يتم ذلك حتى يكون جيش (الدفاع) الإسرائيلي مستعدًا بشكل كاف لتحديات المستقبل؟

الجيوش في عصر المعلومات: ماذا حدث للتفكير العسكري الإسرائيلي؟

التفكير العسكري هو مصطلح شامل لجميع الأغراض من أجل المعرفة التي تم تطويرها حول الحرب، والتحضير للحرب، وشن الحرب، وهو يعتمد على التأمل الذي يسعى إلى إدراك ظاهرة الحرب واستخلاص المبادئ والمعارف العالمية التي تم تطويرها نتيجة للبحث والدراسة لظاهرة الحرب عبر التاريخ، من ناحية أخرى، يرتبط التفكير العسكري ارتباطًا وثيقًا بالزمان والمكان والظروف المحددة، لأن الحرب هي ظاهرة اجتماعية تغير أساليبها ووسائلها والأفكار التي تخدمها مع تطور البشرية، حيث إنها تعمل على إعادة تشكيل المجتمعات وتحول نفسها بالتوازي مع تحول المجتمعات البشرية.

لذلك يجب تطوير التفكير العسكري وتنقيحه، ويجب أن يواكب التغييرات في البيانات الأساسية وفي البيئة ذات الصلة. بالنسبة لـ(إسرائيل)، فإن التفكير العسكري المبتكر والنشط  هو أساس لتطوير استراتيجيات وعقبات أمنية وعسكرية فريدة من نوعها ومعالجة التحديات الأمنية، وستشكل هذه الاستراتيجيات والمذاهب بدورها الأساس النظري لتطوير المناهج والتكتيكات القتالية لتعزيز القوة ونشرها، ومع ذلك ، يتم اختبار التفكير العسكري في العالم العملي خلال الحرب.

على مدى الأربعين سنة الماضية، مع التطور المتسارع من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، أصبحت المعرفة المورد الأكثر أهمية للمنظمات وللبلدان، حيث يعتمد إجمالي الناتج المحلي للبلد، وكذلك قوته العسكرية وقدرته على التأثير في الساحة الدولية، اليوم يعتمد على قدرته على اكتساب المعرفة وتطويرها، أكثر من أي مورد آخر، ومع ذلك كلما أدركت البيئة المحيطة لـ(إسرائيل) أن المعرفة هي جوهر الجودة، هي جوهر الاقتصاد، ومصدر القوة، كلما تحركت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والجيش الإسرائيلي بشكل خاص، في الاتجاه المعاكس.

لقد أصبح جيش (الدفاع) الإسرائيلي متوازن مع مرور الوقت، حيث كان هذا حتمياً تقريباً نتيجة للطريقة التي تطورت بها قوات (الدفاع) الإسرائيلية، في حين أن التكنولوجيا تطورت في العديد من المجالات المفتوحة في الصناعة، والأوساط الأكاديمية، والبحوث العلمية، فإن أسس المعرفة التي يعتمد عليها النظام العسكري والأمني كانت تتآكل باستمرار، لماذا حدث هذا؟

حتى السبعينيات من القرن الماضي، تمتع جيش (الدفاع) الإسرائيلي بشروط استثنائية – قادة يتمتعون بخبرة عملية واسعة اكتسبوها خلال الحروب، ومفهوم أمني وعقيدة تم صياغتها في الخمسينيات والستينيات، شكلت أساسًا للتفكير والمعرفة العسكريين، مقترنة بـ”الوسائل الفكرية”، حيث أنه من الذين تم تدريبهم في الجيوش الأجنبية؛ قد قاموا بكتابة العقائد القتالية ووضعوا الأساس لقسم العقيدة والتدريب في جيش (الدفاع) الإسرائيلي، كل هذه التربية العسكرية الأساسية التكميلية التي بدأت كضرورة وأصبحت على مر السنين مبدأ في نموذج خدمة جيش (الدفاع) الإسرائيلي وأساس ثقافته وتطوره المهني.

الميجر جنرال (احتياط) حاييم نادل، الذي بحث في تطوير التفكير العسكري لجيش (الدفاع) الإسرائيلي بين حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران، يصف “الكسر” الذي حدث في التفكير العسكري الإسرائيلي بعد حرب الأيام الستة ، والذي أثار عملية التآكل والاستهلاك، حيث رأى ان نشوة النصر والإيمان الأسطورية تقريباً في قوة سلاح المدرعات أدى إلى إهمال التفكير العسكري وللاعتقاد القادة بأنهم يمكن إدارة المعارك في المستقبل على أساس الخبرة الشخصية.

حيث ألغى القانون الشفوي والمكتوب، وحلت التجربة الشخصية محل التحليلات المتعمقة لتجارب الآخرين، وتم دفع مذاهب الأركان العامة لقسم العقيدة والتدريب في جيش (الدفاع) الإسرائيلي جانباً لإفساح المجال لمبادئ العقائد الفردية التي كانت مكتوبة من قبل الأوامر والقوى من منظور ضيق، ومؤقتة، وبشكل عرضي.

 وهكذا على سبيل المثال، “على الرغم من أن الصواريخ المضادة للطائرات والمضادة للدبابات ظهرت تدريجياً خلال المواجهات الجوية والبرية مع القوات المصرية خلال حرب الاستنزاف، تجاهل جيش (الدفاع) الإسرائيلي هذا التطور وعانى من خسائر كبيرة.

علاوة على ذلك، فشل جيش (الدفاع) الإسرائيلي في تعلم دروس من دول أخرى واجهت ظروفًا مماثلة، وفشل في تطوير استجابة مفاهيمية وتكتيكية شاملة لهم.

كان ذلك في الواقع بعد حرب الأيام الستة – وهي فترة تميزت بالتغييرات الأساسية في الظروف التي يستند إليها النهج الأمني، وعندما كانت هناك حاجة ماسة إلى جهد شامل ومنهجي لتطوير التفكير العسكري وللتوصل إلى مذاهب جديدة – بدأت الأزمة الرئيسية في التفكير العسكري الإسرائيلي، حيث أشارت حرب يوم الغفران إلى نقطة تحول سلبية، لكن يبدو أن دروس الهجوم المفاجئ التي لقنها المصريون للجيش الإسرائيلي  كانت تُعزى إلى الجانب الاستخباراتي أكثر من جوانب التفكير العسكري، التكتيكات القتالية، والخطط التشغيلية.

في بداية التسعينيات وبالتوازي مع التقدم التكنولوجي الكبير، بدأت عملية تدريجية ولكنها مستمرة تقلل من أهمية التفكير العسكري والمؤسسات المكلفة بتطويره، وبدلاً من أن تكون العقيدة هي المحرك الذي يقود سلوك الحرب، أخذت التكنولوجيا مكانها.

أحد الأمثلة على فقدان آليات التفكير العسكري أنه أعيد تشكيله في شعبة العقيدة والتدريب، التي كانت تعمل في تطوير التفكير العسكري ونقله إلى القادة من خلال العقائد القتالية، والألعاب الحربية، والمناقشات النظرية الروتينية.

خلال السنوات الأولى لجيش (الدفاع) الإسرائيلي، ترأس قسم العقيدة والتدريب من قبل موظفين من مديرية العمليات الأساسية التابعة لجيش (لدفاع) الإسرائيلي.

وقد شكل هذا الدور نقطة انطلاق لهم للمناصب العسكرية الرئيسية، ولسبب وجيه، كان قسم العقيدة والتدريب يشكل “دماغ” هيئة الأركان العامة، حيث يتم تطوير التفكير ومن أين ينبع المبدأ إلى جميع وحدات جيش (الدفاع) الإسرائيلي.

من الممكن، على سبيل المثال، دراسة دور ومكانة شعبة التعليم والتدريب خلال ولاية رابين كرئيس للأركان، والتي بدأت في عام 1964، كجزء من العملية التي يقودها رابين وهيئة الأركان العامة تحت قيادته لغرض رفع مستوى قوة الجيش الإسرائيلي وتزويده بالأسلحة والتدريب وتطويعها للمعركة القادمة، قام قسم العقيدة والتدريب، برئاسة اللواء زفي زامير، باتخاذ إجراءات لتكييف تدريب الوحدات المختلفة على خطط العمليات بعد أن اعترضت المصادر الاستخباراتية على أن الجيشين المصري والسوري قد تحولوا إلى تشكيلات دفاعية قائمة على العقيدة السوفيتية – وهو تطور يتطلب من جيش (الدفاع) الإسرائيلي تحديث وتعديل مذهبه التشغيلي.

وعلى الرغم من أن هذه التغييرات قد قوبلت في بعض الأحيان بمعارضة من بعض القادة المحليين، فإن مركزية هيئة الأركان العامة وقيادة شعبة التعليم والتدريب أجبرت الجيش على استيعاب التغيير المطلوب.

بعد حرب الأيام الستة، بدأ اتجاه طويل وممتد من تآكل أهمية ومركزية شعبة التعليم والتدريب، وفي المقابل، ضعف التفكير العسكري الإسرائيلي بشكل مطرد، حيث أدى انهيار العقيدة القتالية الشاملة لجيش (الدفاع) الإسرائيلي إلى مذاهب منفصلة للقوى المختلفة، والأخطاء الفادحة التي اكتشفت في الحرب المشتركة خلال حرب يوم الغفران، إلى قيام وزير (الدفاع) موشيه آرنز بإصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بإنشاء مقر للقوات الميدانية التي كُلفت بصياغة القتال والمذهب التنظيمي للقوات الميدانية.

كانت هذه هي الخطوة الأولى في عملية نتج عنها قرار عام 1992، (عندما ترأس الفريق الجنرال إيهود باراك) تخفيض قسم العقيدة والتدريب من قسم من هيئة الأركان العامة إلى قسم تابع للعمليات، وقد تسبب هذا في خسارة فاصلة ثابتة وكبيرة للتأثير في تصميم وصياغة بناء القوة والنهج التشغيلي في جيش (الدفاع) الإسرائيلي.

 في البداية ، تم تعيين قائد من رتبة جنرال كبير لرئاستها، ولكن اعتباراً من عام 2000، تم تخفيض متطلبات الوظيفة إلى رتبة عميد.

الفجوة التي نشأت بين النهج الأمني للجيش الإسرائيلي والعقيدة القتالية والواقع الحالي، الذي تغير بسرعة بعد حرب الأيام الستة وحتى بعد حرب يوم الغفران، لا تزال مغلقة؛ لذلك يجب تحديث العقيدة وربما حتى تنقيحها بشكل تدريجي، على الرغم من أن هناك حاجة ماسة لتطوير عقيدة محدثة، فإن المؤسسة الأمنية فشلت في القيام بذلك، علاوة على ذلك، فإن حرب يوم الغفران لم تشر فقط إلى التغيير في ساحة المعركة، بل شكلت أيضاً نقطة فاصلة تعكس التغيرات العميقة في المجتمع الإسرائيلي، حيث كانت الثمانينات من القرن الماضي عبارة عن تغيرات جغرافية سياسية عميقة في الساحة الإقليمية وفي الساحة الدولية، فقد تغيرت الكثير من البيانات الأساسية التي يستند إليها المفهوم الأمني والمذهب الأمني دون إدراك، ومع ذلك فإن المؤسسة الأمنية لم تنجح في فعل ما فعله بن غوريون.

في غياب التحول المطلوب، تم إلقاء السفينة الأمنية وضربها عبر موجات متصاعدة منها: أزمة ميزانية عميقة تهدد بالإطاحة بالاقتصاد الإسرائيلي في أوائل الثمانينات، وأزمة الثقة في الحروب غير الوجودية، أزمة العبء غير العادل على المجتمع الناجمة عن شرائح السكان المعفاة من الخدمة العسكرية والإنجازات الضعيفة في المعركة الدائرة خلال حروب لبنان في المنطقة الأمنية العازلة، في سنوات الانتفاضة الأولى وفي العمليات في قطاع غزة على الرغم من الفجوات الآخذة في الاتساع بين جيش (الدفاع) الإسرائيلي وأعدائه، ورغم التفوق الاقتصادي والتكنولوجي القوي الذي لا يقاس والذي كان من عناصر جيش (الدفاع) الإسرائيلي خلال أول ثلاثة عقود، كانت النتائج مخيبة للآمال.

التحول إلى الحروب تكنولوجية دقيقة

 بمجرد أن بدأ عصر المعلومات بدأت تظهر رؤية عسكرية تكنولوجية، وتم استبدال عنصر المناورة بمضاد يستند في المقام الأول إلى الاستخبارات والذكاء التكنولوجي، بالنسبة للكثيرين أشارت حرب الخليج، ثم الحرب في كوسوفو، إلى بداية حقبة جديدة حيث تم إنشاء حقبة من الحروب النظيفة من الشاشات والأزرار -عصر استعيض فيه فن الحرب بعلم تطوير الخوارزميات-.

أدى ضعف الإدارات العقائدية في هيئة الأركان العامة إلى إهمال القوات البرية التي  منذ ذلك الوقت ينظر إليها كجزء من المشكلة أكثر من كونها جزءًا من الحل لأن نشرها من الممكن أن يستمر على مدى فترة طويلة وسيشمل مع يقين مطلق تقريباً وقوع إصابات علاوة على ذلك بخلاف القوات البرية التي يتطلب نشرها جهودًا لوجستية كبيرة، فإن سلاح الجو متاح للنشر الفوري المحدد (والذي يمكن إيقافه في أي وقت) وبعيدًا عن أنظار الناس ولا يلزم بالضرورة الدولة بحرب فعلية، حيث تمكّن القوة الجوية (إسرائيل) من استخدام تفوقها التقني والعسكري وتوظيف صواريخ موجهة بدقة، الأمر الذي يقلل من المخاطر على قوات جيش (الدفاع) الإسرائيلي وايقاع خسائر في صفوف المدنيين.

حيث أصبح من الواضح أنه كلما تقدم جيش (الدفاع) الإسرائيلي على طول الطريق نحو جيش تكنولوجي، قل الاهتمام بالتمارين والمعدات ومخازن الطوارئ والاحتياطي، كل هذه الأمور أصبحت ثانوية لم يتم التشكيك في النهج التكنولوجي، حتى بعد أن عانى الجيش الإسرائيلي من فشل في المعركة (القطاع الأمني، وحرب لبنان الثانية، والعمليات المختلفة في قطاع غزة).

 كانت هناك العديد من التفسيرات لهذا والتي أدت جميعها إلى الاستنتاج الحتمي – أن على جيش (الدفاع) الإسرائيلي مواصلة تعزيز ميزته التكنولوجية، من ناحية أخرى أصبحت استنتاج آخر غير قابل للجدل: إنه من المستحيل الانتصار في هذه الأنواع من المواجهات.

أدى الخلل في الجودة الذي نشأ بين التفكير العسكري والتفكير التكنولوجي إلى تحول في الأولوية من الحلول التشغيلية إلى البحث والتطوير التكنولوجي وفي الواقع الناشئ، حتى عندما بذلت الجهود واستحدثت استراتيجيات قتالية من قبل شعبة التدريب والمبادئ ومديرية العمليات، لم يكن لها أي تأثير تقريباً على محور بناء القوة، الذي ظل مرتكزاً على التكنولوجيا، حيث لم تكن المعتقدات القتالية هي المحرك الوحيد الذي قضى على التكنولوجيا خلفه، بل العكس هو الصحيح، “للأسف، الاستثمار في تطوير استجابة قيادية -احترافية- أمر لا يعتد به، مقارنة بالاستثمار في البحث وتطوير الاستجابة التكنولوجية.

ما يجب القيام به؟

تقول (إسرائيل): إن “مبادئ العقيدة الأمنية ومفهوم التنظيم والبنية الأساسيين للجيش الإسرائيلي قد تم اكتشافها في الخمسينات، وفي الواقع على الرغم من التغييرات الدرامية التي حدثت في الواقع الأمني والعسكري استمرت (إسرائيل) في الاعتماد على الأفكار التي تم تصميمها لمواجهة التحديات والظروف المختلفة تمامًا.

التفوق الفكري على العدو هو أحد مفاتيح تحسين الفعالية التشغيلية، حيث يتجلى هذا التفوق في مجالين متميزين –سرعة الحصول على المعلومات خلال المواجهات، وفي القدرة على التكيف واستخلاص النتائج التكتيكية خلال المواجهة، كانت قدرة جيش (الدفاع) الإسرائيلي وقوى الأمن على التعلم بسرعة، واعتماد أساليب عمل مع استعانة بوسائل جديدة على أساس التفوق الذي تطور خلال المعارك ضد المنظمات (الإرهابية) خلال الانتفاضة الثانية.

 من ناحية أخرى، فشلت المؤسسة الأمنية في استعدادها للتغلب على تهديد الأنفاق، على الرغم من علم جيش (الدفاع) الإسرائيلي بهذا التهديد منذ عام 2003، إلا أن التحقيق الذي أجرته قوات (الدفاع) الإسرائيلية في أعقاب عملية “الجرف الصامد” ، بقيادة الميجر جنرال يوسي باشار، وهو قائد المظليين لقيادة قطاع غزة، قال إنه “قبل العملية، كانت أنفاق الهجوم عامل غير معروف لمعظم قادة القوات البرية المناورة، لا شك أنهم كانوا على بينة من هذا التهديد، لكنهم فشلوا في إدراك شدته وحجمه”.

ونتيجة لذلك، لم يقم الجيش الإسرائيلي بتدريب القوات في القتال تحت الأرض، ولم يحصل على الوسائل الهندسية الكافية لتدمير الأنفاق ولم يعد خطة تكتيكية شاملة القضاء على هذا التهديد حيث كانت (إسرائيل) متأخرة للغاية في الرد على التهديد المتمثل في تقدم العدو بثبات في قدرات المسار العالية، وكان قد فات الأوان في استيعاب تداعيات الزخم المتنامي في حملات التوعية العامة والحملات القانونية، حيث أظهر جيش (الدفاع) الإسرائيلي قدرات تكيفية مذهلة خلال الصدامات، لكن قدراته أقل في تحديد التحديات مقدمًا وبناء استجابات فعّالة لهم، قبل اندلاع المواجهة.

الأساس المنطقي للحاجة إلى تطوير التفكير العسكري في جيش (الدفاع) الإسرائيلي ذو شقين: تدريب وتعليم كامل العمود الفقري للقيادة؛ وبناء الآليات التنظيمية لتطوير واستيعاب التفكير العسكري، حيث إن التعلم من التجربة محدود، لأن المعرفة نادراً ما يتم اكتسابها في ساحات المعارك، وهي “المختبرات” المؤهلة الوحيدة للمهنة العسكرية، لذلك، فإن عنصر التعليم والدراسات العسكرية والبحوث التي تنشر بشكل رئيسي وتجربة الآخرين هي الأدوات الرئيسية المستخدمة لتطوير الخبرة والمعرفة العسكرية.

لا توجد وسيلة لخلق خبرات عسكرية في البنية والعمليات والثقافة الحالية في جيش (الدفاع) الإسرائيلي، بدون خبراء وخبرات في عالم المعرفة الأمنية والعسكرية، لا يمكن توقع تطوير المعرفة والابتكار ودون ابتكار مذهبي لا يمكن توقع تحسن فعالية تشغيل القوات.

وضعت وثيقة استراتيجية جيش (الدفاع) الإسرائيلي التي نشرت عام 2015، تأكيدًا متجددًا على المناورة الأرضية، ووفقاً لهذه الوثيقة الجديدة فإنه في مواجهة مستقبلية سيعمل جيش (الدفاع) الإسرائيلي “إضرابًا مشتركًا فوريًا ومتزامنًا” يتضمن مناورات سريعة وعدوانية ودقة هائلة ، وفي الوقت نفسه تم تنفيذ عمليات لإعادة مسؤولية هيئة الأركان العامة باعتبارها القائد النهائي الذي ينشر القوات البرية، وإلى جانب جوانب نشر القوات، فإن استراتيجية جيش (الدفاع) تحدد الحاجة إلى تطوير وتفكير عسكري والظروف اللازمة لخلق التفوق الفكري، الأمر الذي سيساعد جيش (الدفاع) الإسرائيلي، إلى جانب الابتكار التكنولوجي، على خلق عقائد مبتكرة من أجل تحقيق هذه الغاية -التي لا تزال تشكل الأساس للتفكير العسكري للمؤسسة الأمنية – يحتاج جيش (الدفاع) الإسرائيلي إلى اتخاذ عدد من الإجراءات الجوهرية لتحويل الرؤية إلى واقع قابل للتطبيق.

هناك حاجة إلى إعادة ربط عناصر “دماغ هيئة الأركان العامة” مع خلق ترابط محكم بين تطوير المعرفة وعمليات الاستيعاب وأنظمة نشر القوات، حيث اعتادت مديرية العمليات وقسم العقيدة والتدريب أن تكون المحرك الذي قاد هذا الغرض من هيئة الأركان العامة ، لكنهم قسموا وأضعفوا على مر السنين.

وبات من الضروري إعادة ربطهم وإعادة ترتيبهم وتوزيع سلطاتهم، حيث تم تقسيم مديرية عمليات جيش (الدفاع) الإسرائيلي بين مديرية العمليات ومديرية التخطيط إذ تحتاجان إلى تنسيق وثيق بينهما، وبنفس القدر من الأهمية ، يجب تفويض السلطة والوضع اللذين سيمكنانهما من قيادة وتوجيه العمليات المركزية تجاه القوات والوحدات حيث إن تعيين نائب رئيس الأركان لرئاسة الموظفين في وظيفة بدوام كامل، كما في المثال السابق لرئيس مديرية العمليات، هو مسار عمل موصى به قادر على تنفيذ هذا النهج.

إن إعادة العقيدة العسكرية إلى مكانها الصحيح، بعد طردها من جدول أعمال هيئة الأركان العامة على مدى العقود الثلاثة الماضية، هي الخطوة الثانية الضرورية. اليوم قائد الكليات مسؤول عن تدريب كبار الموظفين، لكنه لا يشارك على الإطلاق في تطوير التفكير والعقيدة العسكرية ، حيث إن التشديد على الصلة بين شعبة العقيدة والتدريب والكليات العسكرية أمر بالغ الأهمية من أجل تجديد العلاقة بين تطوير التفكير العسكري  وصياغة العقائد  واستيعابها أثناء التدريب.

لسنوات عديدة ، تم ترك “العقائد” التي كتبها جيش الدفاع الإسرائيلي “على الرف” ، بينما من ناحية أخرى ، لم يتم دمج المعرفة التي تتطور خلال اللقاء بين الطلاب والمدربين أثناء الدورات التدريبية العليا في العقائد حيث يجب أن تتغير هذه الحقيقة، فعندما يتعلق الأمر بتعزيز القوة ، في الوقت الذي يقوم فيه جيش الدفاع الإسرائيلي بتطوير استراتيجيات لتوجيه عمليات بناء القوة ، يتم فصل الأنظمة ، وفي الوقت نفسه ، يتم تشغيل عمليات بناء القوة ، بما في ذلك المشاريع كثيفة الموارد ، في تجاهل تام من هذه الاستراتيجيات ، يجب إعادة توصيل نظام التدريب ونظام بناء القوة ونظام نشر القوات.

حقيقة أن التجربة الشخصية المباشرة لمعظم أفراد جيش (الدفاع) الإسرائيلي تم الحصول عليها في ساحات المعارك التكتيكية خلال المواجهات المحدودة جعلت من الصعب على جيش (الدفاع) الإسرائيلي اكتساب الخبرة في المهنة العسكرية.

تعتبر الدورات التدريبية المتعمقة والدراسات والتعلم إلزامية لكل شخص في المؤسسة العسكرية من أجل تحقيق ذلك يقترح أن تتم مراجعة مراحل التدريب مع ثقافة البحث والدراسة والكتابة كممارسة روتينية بين فترة التدريب وفترة الخدمة.

بالإضافة إلى ذلك ، يجب على جيش (الدفاع) الإسرائيلي أن ينشئ طبقة من الخبراء العقائديين- المواطنين والموظفين- في الخدمة الفعلية الذين “يمتلكون” معرفة هذا الانضباط والذين يعملون كمساعدين ومرسلين لتطوير التفكير العسكري.

في عصر المعلومات يتم قياس جودة المؤسسة حسب جودة الخبراء العاملين بها في غياب الخبراء يضطر جيش (الدفاع) الإسرائيلي إلى تلقي مساعدة من مستشارين خارجيين مؤقتين، وهي ظاهرة ضارة بمرور الوقت، لأنها تقوض تطوير اكتساب المعرفة المستمرة من قبل القادة داخل جيش (الدفاع) الإسرائيلي الذين يتناغمون مع المعرفة العقائدية والوحدات، إلى حالة تدريبهم، وإلى طبيعة التهديدات، حيث هناك حاجة لتطوير مسار الخدمة للباحثين العسكريين في مختلف التخصصات التي تشكل جوهر المعرفة العسكرية لغرض خلق تفكير عسكري قادر على مواجهة سرعة التغييرات التي يفرضها الواقع.

استنتاج

في عام 2015، بعد أكثر من 40 سنة من حرب يوم الغفران، أصدر جيش (الدفاع) الإسرائيلي وثيقة استراتيجية جيش (الدفاع) الإسرائيلي التي تهدف إلى توجيه ونشر القوات لدى جيش (الدفاع) الإسرائيلي الآن، وثيقة تقوم على التفكير الشامل وتشكل المفهوم الأساسي للتصدي للتحديات التي يواجهها، لكن ما زال الوقت مبكراً لتقييم كيفية ترجمة هذه الوثيقة من التفكير المنظم إلى التطبيق على أرض الواقع، وكيف سيقف الجيش ضد تحديات الوقت، والسياسات التنظيمية، والضغوط اليومية، وأكثر من ذلك.

 في عصر المعلومات، تطور عدم التماثل الشديد في جيش (الدفاع) الإسرائيلي بين وتيرة وطريقة تطور المعرفة العلمية والتكنولوجية وتطور التفكير العسكري، حيث إن هناك إغراء متزايد لحلول المشاكل العسكرية في سوق المعرفة المدنية وتسخيرها للتطبيقات العسكرية في جهد صعب وسياسي لتطوير حلول مبنية على التفكير العسكري في جيش (الدفاع) الإسرائيلي، الذي تم بناؤه منذ البداية كجيش عدواني، أصبحت هذه المسألة خطرة للغاية.

يتم تنظيم المعلومات الأساسية للمنظمات العسكرية وفقًا لمبدأها، من أعلى المستويات – وثائق الأمن القومي – إلى الأساليب والإجراءات في أدنى مستويات القيادة، وتشكل هذه الوثائق البنية التحتية للمعلومات التي تم جمعها من خبرة المنظمة ومن تجارب الآخرين؛ يتم استخدامها من قبل قادة العمليات عندما يضعون استراتيجيات وخطط تكتيكية لحل مشاكل الحرب، ويشكلون الأساس لبناء القوة العسكرية ولتطوير القدرات لمواجهة تحديات الواقع المستقبلي.

مثل أي انضباط مهني، يجب أن تستند العقيدة على المعرفة المتراكمة من تجربة الماضي مع أخذ توقعات مستقبلية، ويجب تطوير المعرفة ذات الصلة حول تحديات المستقبل وكما هو الحال في أي تخصص مهني، يتطلب الأمر خبرة من المتخصصين في هذا المجال والتي يتم اكتسبها خلال سنوات عديدة من الدراسة والبحث والتحليل قبل أن يتمكنوا من بناء بنك المعرفة الجديد الخاص بهم.

بعد ثلاثة عقود استثمر فيها جيش (الدفاع) الإسرائيلي مبالغ ضخمة مما خلق ميزة تكنولوجية، في حين أن الشعور هو أن الفجوة مع العدو لا تضيق، لذا يجب على جيش (الدفاع) الإسرائيلي تغيير الاتجاه وتسليط الضوء على الجودة الفكرية.

 هذا هو ما دعم إسرائيل عندما تشكلت قوات الدفاع الإسرائيلية لأول مرة ، تحت ظروف أكثر صعوبة بكثير، كما أنها تستخدم اليوم كأساس لنمو الدولة الناشئة التي تدفع الاقتصاد الإسرائيلي إلى الأمام في قفزات كبيرة، حيث إن الجودة الفكرية هي العنصر الوحيد الذي يملك القدرة على بناء وتشغيل قوة وطنية فعالة ضد تحديات المستقبل.

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية_ فلسطين

شاهد أيضاً

الموجز البحثي العدد “الحادي والعشرون”

مركز الدراسات الإقليمية_فلسطين 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *