الثلاثاء , ديسمبر 18 2018
الرئيسية / دراسات وأبحاث / أوراق عمل / ترجمة خاصة: القرصنة المعرفية” حروب الجيل الجديد”

ترجمة خاصة: القرصنة المعرفية” حروب الجيل الجديد”

ترجمة: مركز الدراسات الإقليمية

فابيو روجي “رئيس مركز معهد الدراسات السياسية الدولية حول الأمن السيبراني  وهو دبلوماسي وأستاذ متفرغ للدراسات الأمنية في جامعة فلورنسا “.

تنتمي الآراء الواردة في هذا التحليل بالكامل إلى المؤلف ولا تعكس بالضرورة أي سياسة أو موقف رسمي لأي وكالة تابعة للحكومة الإيطالية.

تتزايد أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، رغم أنها عبارة عن منصات يمكن للجهات الفاعلة الأجنبية التي لديها نوايا خبيثة استغلالها كي تتلاعب بالمعلومات عبر الإنترنت من أجل التأثير على الرأي العام.

وعلاوة على ذلك، يتيح الفضاء الإلكتروني ميزة كبيرة تتمثل بعدم الكشف عن هوية المتلاعب، والتي يسهل من خلالها أتمتة الدعاية (تشغيلها بطريقة آلية)، حيث يمكن استخدام الهجمات السيبرانية للتقليل من أهمية محتوى ما أو كشفه أو الحصول على كمية كبيرة من المعلومات أثناء العمليات العسكرية، مما يزيد من الأهمية الاستراتيجية لـ “قيمة المعلومات”.

ماذا يمكننا أن نفعل من أجل حماية الديموقراطية المفتوحة مع الحفاظ على شبكة الإنترنت؟ الإجابة متعددة الأوجه، فبقدر ما تمثل (حرب المعلومات الإلكترونية) تهديدًا غير متماثل وصاعد، فإن هذا يدفع باتجاه ابتكار نهج أمني بطرق جديدة.

إن الرغبة في التأثير على الرأي العام في الدول الأجنبية ليست جديدة، لأن التطرف والعمليات النفسية كانت منذ زمن طويل أداة في ترسانة الدول، ما تغير هو مستوى الاتجاه ونطاق النشاط والجهد المبذول في هذه العمليات، والذي أصبح أكثر فعالية بعد انتشار الإنترنت وزيادة أهميته في تشكيل الرأي العام.

 يعد الفضاء الإلكتروني مجالا قويًا لنشر المعلومات المزعزعة التي يتم التلاعب بها، وذلك لأنه تتيح اتصالًا عاليًا وسهولة وصول وتكلفة دخول منخفضة ونقاط توزيع متعددة بدون وسطاء مع تجاهل تام للحدود الوطنية، أهم ما في الأمر هو عدم القدرة عن كشف هوية المتلاعِب.

 عندما نتحدث عن سبل التأثير على الأفكار من خلال الإنترنت، فإننا نناقش بشكل جوهري “إدارة الوعي والادراك” في بيئة اتصال غير خطية، حيث أن وسيلة التأثير هي الرسالة.

يمكن استغلال هذه السمات الجوهرية للفضاء السيبراني بسهولة من قِبل جهات أجنبية ذات نية خبيثة لزرع وبث أخبار مزيفة وتوجيه جهات معينة لنشر هذا المحتوى من خلال الإنترنت وذلك لخداع وصرف وتضليل الرأي العام، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى التشويش وبث الشعور بالشك بين الجمهور، أو إلى توجيه الرأي العام لتبني رأي معين إزاء قضية ما.

كما أن الجهات الفاعلة في مجال الفضاء الإلكتروني قادرة على الاستفادة من مجموعة من الأدوات التي تسمح بها عمليات شبكات الكمبيوتر و”الدعاية الحاسوبية” للتأثير على الرأي العام ، حيث تتيح هذه الأدوات الإلكترونية تأثيرًا أكبر بكثير على الجمهور المستهدف، فمثلاً يمكن إنشاء عدد لا نهائي من البرامج النصية الآلية لملء الوسائط الاجتماعية والتفاعل مع المستخدمين الحقيقيين؛ باستخدام تقنيات الهندسة الاجتماعية؛ وإعادة توجيه تدفق البيانات أو اختراق شبكات المنافسين لسرقة المعلومات المحظورة أو تعديلها أو فضحها أو نشر معلومات أخرى.

 في حالة العمليات العسكرية، فإن التدمير المادي أو اختطاف البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات هو خيار قوي للتأثير على النقاش العام: حيث كان أحد الأهداف الأولى لروسيا أثناء عملياتها في شبه جزيرة القرم، على سبيل المثال احتلال نقطة تبادل إنترنت وتعطيل توصيلات كيبل الانترنت إلى البر الرئيسي، والتي ساهمت بالفعل في هيمنة موسكو على مجموع المعلومات في شبه الجزيرة.

إن اهتمام روسيا بالتأثير على العمليات الديمقراطية في الغرب تعتبر قضية ساخنة للغاية في النقاش الأمني ​​الدولي، حيث تمت الإشارة إلى تهديد حرب المعلومات الروسية بشكل بارز في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، التي صدرت في ديسمبر الماضي، فقد ذكرت أن “روسيا تستخدم جهودها السيبرانية الهجومية للتأثير على الرأي العام “، وأثارت الدلائل على تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة مخاوف جدية في أوروبا، فقد أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” ، في يناير / كانون الثاني أنه سيقترح قريباً قانون لمعالجة قضية الأخبار المزورة، خاصةً أثناء الحملات الانتخابية، وذلك من خلال المطالبة بملف أكثر شفافية لمؤلفي المحتوى على الإنترنت، وفي أكتوبر / تشرين الأول الماضي  وافقت ألمانيا على قانون متعلق “بالإشراف على الشبكات الاجتماعية”: وهو واحد من أصعب القوانين في العالم الغربي، والذي يلزم منصات وسائل التواصل الاجتماعي بإزالة الأخبار المزيفة خلال فترات محددة من تلقي الشكاوى، وفي حالة عدم الإمتثال لذلك تُفرض عليهم غرامات تصل إلى 50 مليون يورو.

نهج روسيا في الفضاء المعلوماتي

قدمت روسيا في عام 1998 إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مقترحًا لقرار بعنوان “التطورات في ميدان المعلومات والاتصالات السلكية واللاسلكية في سياق الأمن الدولي” وفي ذات الوقت كانت عملية “متاهة ضوء القمر”، وهي واحدة من أولى الحملات الإلكترونية التي دبرتها الاستخبارات الروسية ضد الأهداف العسكرية الأمريكية  قد بدأت في التقدم على قدم وساق، أراد الروس مناقشة كل من الأمن السيبراني والقيود المفروضة على زعزعة استقرار المحتوى عبر الإنترنت، حيث تم رفض مناقشة هذا المقترح، وعللت الجمعية العامة هذا الرفض بقولها: “إذا أردنا حماية الإنترنت وحرية التعبير، فإنه من غير الممكن التفاوض حول محتوى المعلومات”.

 ومن عجيب المفارقات، أنه بعد عشرين سنة تقريباً، اضطر الغرب إلى مناقشة خطر التلاعب بالمحتوى عبر الانترنت مع موسكو، والذي ربما يكون في حد ذاته اتهام للجانب الروسي.

إن الفضاء الإلكتروني، من وجهة نظر روسيا، هو جزء من “الفضاء المعلوماتي” الأوسع نطاقاً، والذي يتضمن أيضاً أجهزة وبرامج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبيانات ومعالجة المعلومات البشرية، وهذا ما يؤكده مبدأ أمن المعلومات في روسيا لعام 2000، الذي يحدد نوعين من “الهجمات الإعلامية”، الأول فني والآخر نفسي.

 إذا افترضنا أن الهدف الاستراتيجي النهائي لروسيا هو تقويض تماسك واستقرار الناتو والاتحاد الأوروبي من أجل إعادة التفاوض – من موقع أفضل – على بنية أمنية أوروبية جديدة، إذن، فمن أجل الحصول على هذه الاستراتيجية الشاملة فليس مهماً بالنسبة لروسيا ما إذا كان من الأنسب، في سياق تكتيكي معين، اختراق شبكات المنافسين، أو حتى اختراق عقولهم “القرصنة المعرفية”، أو القيام بالأمرين معاً.

 لدى روسيا نهج متكامل وشامل في “الفضاء المعلوماتي”: ففي حين تهدف عمليات التخريب الرقمي إلى التسلل وتعطيل وتدمير عمل الدولة، يهدف التخريب النفسي (حرب المعلومات) إلى خداع الخصم، وتشويه سمعة صانعي القرار، وتضليل وإحباط القوات العامة والمسلحة، وينعكس ذلك في العقيدة العسكرية الروسية الحالية لعام 2014، “عقيدة غيراسيموف”  (من اسم رئيس الأركان الروسي المؤقت، فاليري غيراسيموف).

حيث تكرس هذه العقيدة مزيجًا من القوة الصلبة والناعمة (تشمل أيضًا الحرب الاقتصادية، والابتزازات المتعلقة بمجال الطاقة، ودبلوماسية خطوط الأنابيب، ودعم المعارضة السياسية ووكلاء التأثير في الخارج، وغيرها من التدابير النشطة) عبر مجالات مختلفة من خلال تطبيق ماهر عبر الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية المنسقة.

 في هذا السياق، تصبح “الهجمات الإعلامية” هي “مُكَوِّن النظام” لكل من الوسائل العسكرية الحركية وغير الحركية بالإضافة إلى الجهات الحكومية وغير الحكومية؛ حيث يتم شنّها في أوقات السلم وأوقات الحرب في النطاقات المحلية، والمجال الإعلامي الدولي، ويُنظر إليها على أنها واحدة من أكثر أدوات الإكراه غير النووي فعالية، وأداة أساسية لتقليل الاشتباكات الحركية.

بالنظر إلى أهمية “الفضاء المعلوماتي” في التفكير الاستراتيجي الأمني ​​لروسيا وغموض الفضاء السيبراني، تبدو “الهجمات الإعلامية” مناسبة تمامًا لعمل مجتمع المخابرات الروسي.

 يوفر الفضاء الإلكتروني وصولاً غير مسبوق إلى مواد يمكن ممارسة الابتزاز من خلالها (متوفرة عبر الإنترنت أو “آمنة” مخزنة في أجهزة الكمبيوتر) ومنصة توزيع آمنة وفعالة وعالمية للحصول على أقصى تأثير استراتيجي من استخدامه، و لكي تصبح البيانات معلومات مسلحة، لا يهم حقا ما إذا كان المحتوى مزورًا أو غير منسوب إلى جهة معينة؛ بدلاً من ذلك، من الأهمية بمكان “خلق الانطباع الأول”، لإثارة الشك لدى الرأي العام والمساهمة في عمل اختراق معرفي ناجح.

وعلاوة على ذلك، فإن سيطرة الدولة على “الفضاء المعلوماتي” أمر بالغ الأهمية أيضاً على المستوى المحلي: ففي كل مكان في العالم، تنظر الحكومات الاستبدادية إلى الإنترنت على أنه يشكل تهديداً لسيطرتها على السلطة، وأنه منصة معلومات يجب مراقبتها والتلاعب بها، حيث تُعتبر خوادم الشبكات الاجتماعية التي تقع خارج نطاق سيطرة الحكومة تهديدًا جوهريًا.

 من المحتمل أن يكون التأثير المنخفض نسبياً بين الرأي العام الروسي لتسرب أوراق بنما، التي كشفت عن الثروات الشخصية المخفية في الخارج، نتيجة رقابة موسكو الصارمة على الإنترنت في روسيا.

إذا كانت العمليات في “المجال المعلوماتي” حرجة للغاية في “حروب الجيل الجديد” في موسكو، فما الذي يخبرنا به التصعيد في مستوى النشاط الروسي ونطاق الجهد الروسي في الفضاء السيبراني من وجهة نظر الأمن الدولي؟

أولاً: الحقيقة هي، نحن لا نعرف حقا، لكن من المعقول أن نفترض أن الكثير مما يجري في الفضاء السيبراني(الحملات العسكرية والاستخباراتية على الإنترنت، واستطلاع الشبكات، والإشارات عن القدرات السيبرانية من أجل إرساء الردع، وحرب المعلومات) هو جزء من لعبة أكبر بكثير، فكيف يمكن ربط ما يحدث على الشبكات العالمية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، على سبيل المثال، بالإشارات المتعلقة بمستوى استعداد القوات التقليدية والنووية؟ ومن المفارقات، أن فهم المواجهة السياسية-العسكرية الجارية في الفضاء السيبراني يتطلب فك تشفير مستمر يحدث على طاولات متعددة وعلى المستوى العالمي، مثلما فعل المخترقون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

ثانياً: استخدام الفضاء السيبراني لإسقاط قوة الدولة يهدد حرية استخدام الإنترنت، ويغذي انتشار القدرات العدوانية من خلال الهندسة العكسية للأسلحة السيبرانية، حيث الحافز والموارد للقراصنة والجريمة المنظمة التي تعمل في تحديد نقاط الضعف وتطوير الأسلحة السيبرانية.

 ستعتمد حريتنا الفردية واستقلال مجتمعاتنا بشكل متزايد على شبكة الإنترنت الحرة والمفتوحة والمرنة، وبالتالي سيكون من الأهمية بمكان الحفاظ عليها، فمن المؤسف أننا نتجه نحو سيناريو مختلف: فالدول ذات السيادة ستهدف حتما إلى ترسيخ التفوق المعلوماتي على الخصوم المحتملين من أجل تحقيق أمنهم القومي.

لذا، يصبح السؤال الحاسم: ماذا يمكننا أن نفعل إذا أردنا الحفاظ على ديمقراطياتنا المفتوحة ً؟ إن الافتقار العام للوعي والنظر في الأخطار والمسؤوليات المتضمنة في هذه المعضلة مسألة تثير قلقا بالغا.

 ما الذي يمكن أن نفعله لحماية ديمقراطياتنا من التهديد الذي تشكله الأخبار المزيفة وحرب المعلومات الإلكترونية؟

إذا كان التأثير الأجنبي هو الفيروس الذي يهاجم الديمقراطيات، فإن الوعي ومعرفة التهديد هما أحد الأسلحة الأساسية في مواجهة الهجمات السيبرانية، إن الوعي حول التهديد سواء بين عامة الناس أو على المستوى المؤسسي الأعلى، هو خط الدفاع الأول.

يعتبر معرفة التهديد والوعي في التعامل مع التهديد السيبراني، على وجه الخصوص، حليفًا قويًا ضد الهجمات السيبرانية، حيث يقلل من نقاط الضعف الموجودة على  الإنترنت، ويعزز مرونة البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لدينا، حيث تشجع النظافة السيبرانية في الحد بشكل كبير من الأضرار المحتملة للهجمات السيبرانية عبر تنظيف  البرامج الضارة  التي أثرت على العديد من أجهزة الكمبيوتر في عام 2017.

نحن لا نقول إن النظافة السيبرانية والوعي الأكبر بالتهديد السيبراني، في حد ذاته، سيحميان البلدان من التهديدات المستمرة عبر الإنترنت، أو السيناريوهات الهجينة أو “حروب الجيل الجديد” ، ولكنها إجراءات سهلة وغير مكلفة نسبيا يمكن أن تسمح لنا بتكريس مواردنا المالية والتكنولوجية النادرة لمواجهة تهديدات أكثر خطورة وتحديات كبيرة.

بالإضافة إلى أن تقديم الشرح الكافي لعامة الناس عن مخاطر المعلومات التي يتم التلاعب بها سيشكل أيضًا حاجزًا ثقافيًا فعالًا ضد الأخبار المزيفة، في حين أن مجتمعاتنا تطور شكوكًا صحية عندما يتعلمون كيفية إدارة وتفسير وتقييم كميات كبيرة من المعلومات غير المتداولة. وبعبارة أخرى، يقلل التعليم من “تأثير الغرفة البيئية” لوسائل الإعلام الاجتماعي، مما يجعلنا في النهاية مواطنين أفضل.

شاهد أيضاً

الموجز البحثي العدد “الحادي والعشرون”

مركز الدراسات الإقليمية_فلسطين 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *