الأربعاء , أغسطس 21 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / الردع: الحرب على الوعي

الردع: الحرب على الوعي

مركز الدراسات الإقليمية_فلسطين 

يكثر قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين من الحديث عن الردع في معرض تقييمهم للحروب التي خاضتها إسرائيل وللسياسات التي انتهجها قادتها طوال فترة الصراع مع العرب والفلسطينيين، فما هو الردع وما مكانته في العقيدة العسكرية الإسرائيلية وما علاقته بالوعي؟

الردع باختصار هو استخدام القوة أو التلويح باستخدامها من أجل نزع رغبة العدو في المبادأة بالهجوم، ويعد الردع الضلع الأول والأساسي من مكونات العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وتكمن أهميته في أنه يمثل الحماية لإسرائيل من الحروب المستمرة، ويمنحها الاستقرار رغم أنها موجودة في بيئة معادية.

عند الحديث عن مبدأ من مبادئ العقيدة العسكرية لأي جيش في العالم فإن الأمر لا يدور حول أمر نظري مجرد، فالمبدأ الذي يتعلق بالعقيدة العسكرية يتم ترجمته إلى خطوات عملية ترتبط بتسليح وتنظيم وخطط الجيش في المستوى الاستراتيجي والعملياتي وحتى المستوى التكتيكي.

لقد كانت حرب الأيام الستة ذروة تحقيق مبدأ الردع، فقد استطاع جيش الاحتلال هزيمة الجيوش العربية وتدميرها واحتلال مساحات شاسعة من مصر وسوريا وباقي فلسطين، لكن رغم ذلك فقد حققت حرب أكتوبر عام 1973بين الجيوش العربية والجيش الإسرائيلي خرقاً في جدار الردع الإسرائيلي إلا أنها كانت نهاية تهديد الجيوش التقليدية؛ بسبب توقيع الدول العربية اتفاقيات سلام مع دولة الاحتلال، لكن ظهر بعد ذلك تهديد جديد تمثله المنظمات ما دون الدولة.

علاقة الردع بالوعي

بالعودة إلى مفهوم الردع نجد أن موضوعه هو وعي العدو، فاستخدام القوة أو التلويح باستخدامها هدفه تحطيم معنويات العدو وبناء ذاكرة من الألم تحضر كلما فكر بالهجوم، فتمنعه من ذلك، إن رؤية الأشلاء والدماء والدمار والخراب الواسع من شأنه أن يشكل مانعاً قوياً للرغبة في القتال، الأمر أشبه بنظرية الارتباط الشرطي لبافلوف: ” إذا فكرت بالهجوم والحرب مجدداً ستذوق الآلام التي ذقتها في السابق وربما أكثر منها”، إن زراعة هذه الفكرة داخل وعي العدو وذاكرته كفيلة بأن تجعله يحسب ألف حساب قبل اتخاذ قرار الحرب مجدداً.

الردع وحرب العصابات

يوجد مبدأ آخر من مبادئ العقيدة العسكرية الإسرائيلية يعتبر مهماً جداً لتعزيز مبدأ الردع، ألا وهو مبدأ الحسم، ويقصد به توجيه ضربة قوية إلى العدو في حال أقدم على الهجوم بحيث تؤدي الضربة إلى نزع رغبة العدو في الاستمرار بالقتال، مما يعزز الردع من جديد، ويجعل كل الأعداء يفكرون مجدداً قبل قرار الهجوم.

لماذا تكلمنا عن الحسم والردع وما جدوى هذين المبدأين في حرب العصابات؟

تستند حرب العصابات إلى فلسفة ومبادئ خاصة تختلف اختلافاً جذرياً عن الحروب التقليدية، حيث أن قوة تنظيمات المقاومة لا تقارن عادة بقوة الجيوش النظامية التي تجابهها، فهي تعي سلفاً عواقب اتخاذ قرار المقاومة، إضافة إلى ذلك فهي ليست جيشاً نظامياً له مقرات ومطارات وقيادات معروفة في حالة الاجهاز عليها ستنتهي وستقر بالهزيمة، كما أن الاستعداد المسبق للتضحية، وروح الصمود والاقدام تعتبر من أدبيات حركات التحرر، كل ذلك يعني أن ردع هذه المنظمات لا يمكن أن يكون في أي حال من الأحوال كردع الجيوش النظامية، كما أن حسم المعارك في هذا النوع من الحروب يبدو معقداً وصعباً، ولقد أكدت التجارب أن الجيوش النظامية لا تحتمل فاتورة حرب العصابات خاصة إذا طالت مدتها وتحولت إلى حرب استنزاف متواصلة، على عكس تنظيمات المقاومة التي تستند إلى جغرافيا تعرفها جيداً، وحاضنة شعبية تمثل رافداً لها بالعتاد والمقاتلين المستعدين للتضحية.

هذا يعني في حالة الجيش الإسرائيلي عدم تحقيق ركنين من أركان العقيدة العسكرية، وإن كان الأمر نسبياً وليس على إطلاقه إلا أننا نستطيع القول أن ذلك يعد تراجعاً أمام الأمجاد التي حققها جيش الاحتلال في مواجهة الجيوش العربية النظامية.

غزة ولبنان: الانتصار في معركة الوعي

عند الحديث بخصوصية أكثر عن المقاومة في غزة وعن حزب الله في لبنان، نجد أننا أمام نموذج جديد هو نموذج حركات سياسية تمتلك ما يمكن اعتباره جيش شبه نظامي، يستخدم تكتيكات حرب العصابات، ولديه سلطة على الأرض، هذا النموذج نقل القتال إلى داخل دولة الاحتلال بعد أن كانت المعارك تدور بعيداً عن خاصرتها الضعيفة “الجبهة الداخلية”، خلال تجربة جيش الاحتلال في مواجهة المقاومة في غزة وحزب الله في لبنان حدث تآكلاً حقيقاً في مبدأ الردع وفشلاً ذريعاً في مبدأ الحسم، يمكننا البرهنة على ذلك من خلال المواجهة الأخيرة بين المقاومة في غزة وجيش الاحتلال التي أعقبت كشف القوة الصهيونية الخاصة في خانيونس، لقد أوضحت المواجهة أن المقاومة نجحت ليس في تجاوز الردع الإسرائيلي وحسب ولكن نجحت نسبياً _ومن خلال جرأتها في الرد واستغلال الظروف واختيار الوقت المناسب _في ردع الاحتلال، لقد كانت تهديدات الناطق باسم كتائب القسام “أبو عبيدة” كفيلة بأن توقف استهداف الاحتلال للمباني المدنية، لينصاع بعدها بساعات لجهود وقف إطلاق النار، يصف عاموس يدلين _رئيس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي_ الحالة بين المقاومة في غزة وبين جيش الاحتلال “بالتعادل الإستراتيجي الغير متماثل”، فجيش الاحتلال اضطر لعدم استخدام قوته القصوى في مواجهة المقاومة خوفاً من الثمن الذي سيدفعه في حال اندلاع حرب شاملة، والمقاومة وظفت قوتها وحساسية مجتمع الاحتلال لسقوط القتلى في سبيل تثبيت معادلات وقواعد اشتباك مع جيش يعتبر من أقوى جيوش المنطقة.

أما في لبنان، فلقد نجح حزب الله بتثبيت قواعد اشتباك التزم بها الاحتلال مكرها، لقد كان إطلاق الاحتلال عملية “درع شمالي” للبحث عن أنفاق حزب الله دليلاً على حجم الردع الذي حققه حزب الله، فالجيش الذي كان يضرب في كل مكان بدون حسيب أو رقيب احتاج كل هذا الوقت وكل هذا الدعم السياسي من أجل أن يطلق عملية بحث عن أنفاق تخترق سيادته علماً أن هذه العملية تتم داخل أراضي فلسطين المحتلة.

لقد حولّت المقاومة امتلاك الاحتلال للقوة من ميزة استراتيجية إلى عبء، فالاحتلال أصبح يعي جيداً أن حروب اليوم ليست كحروب الأمس، وأن زمن الانتصارات الحاسمة ولت إلى غير رجعة، وأنه سيكون مضطراً بعد كل مواجهة إلى بذل جهد كبير من أجل إقناع جمهوره بأنه حقق انتصاراً أو على الأقل أنه لم يهزم.

مركز الدراسات الإقليمية_فلسطين 

شاهد أيضاً

الانتخابات، وليس سواها، تقف وراء السياسة الإسرائيلية تجاه غزة

د. عدنان أبو عامر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *