الإثنين , مايو 27 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / أم عاصف البرغوثي في “زمن الإلحاد”

أم عاصف البرغوثي في “زمن الإلحاد”

ساري عرابي

لا شكّ عندي أولا؛ أننا لسنا في زمن الإلحاد، ولذلك جعلتُ هذه الكلمة في العنوان، بين مزدوجين، بيد أنّ النقاش المتعاظم هذه الأيام بعد فيلم “في سبع سنوات”، لا يخلو من مقاربات تكاد تبالغ في تصوير الأزمات النفسية التي يعاني منها الكثيرون بعد نكسة الثورات العربية، وانكشاف الحالة العربية على انهيارات أخلاقية ليست بالهينة.. بتصوير تلك الأزمات وكأنّها ظاهرة إلحاد كاسحة.

وإذا كانت هذه الأزمات في جانب أساسي منها نتيجة “الهزيمة”؛ والانهيارات الأخلاقية لمجاميع وكيانات وشخصيات فاعلة ومؤثّرة، فإنّها كانت ضرورية للانكشاف على المستوى الفردي، أي لانكشاف كلّ واحد منّا أمام نفسه، لتمييز الصدق من الكذب في ادعاءاتنا السابقة على الامتحان. وعلى أيّ حال، فإنّ التحولات التي كانت تجري في عمق مجتمعاتنا العربية، وكانت تدفع نحو تغيير أنماط التدين والموقف منها، ومن التيارات الإسلامية عموما.. سابقة على نكسة الثورات العربية، فالأمر يحتاج نظرا يتجاوز الاختزال الجاري.

التحولات التي كانت تجري في عمق مجتمعاتنا العربية، وكانت تدفع نحو تغيير أنماط التدين والموقف منها، ومن التيارات الإسلامية عموما.. سابقة على نكسة الثورات العربية، فالأمر يحتاج نظرا يتجاوز الاختزال الجاري

بيد أنّه وفي غمرة هذه النقاشات، ثمّة إحالة على بعض أسباب هذه الأزمات النفسية، التي أدّت ببعضهم إلى تنكّب طريق الإيمان، منها عدم تحقّق النموذج الموعود، أي الانتصار والتمكين، وانكشاف عديد اتجاهات الدعوة والمعارضة والثورة والجهاد ورموزها على حقائق تُغايِر الصورة المثالية التي تلبّستها وقتا من الزمن، فأدّى ذلك لا إلى إعادة النظر في تلك الكيانات ورموزها، أو في بعض مفاهيم الدعوة والجهاد، كما ينبغي، وإنما إلى تنكّب كامل (لدى بعضهم) عن أصل الطريق، أو تحوّل كامل نحو النفعية الفردية، بعيدا عن مسارات خدمة الناس ونفعهم.

والحقّ أن فتنة الناس بعضهم ببعض من أشدّ الفتنة، وهذه الفتنة كان ذكرها مطروقا دائما في كل ثورة، أو حركة تحرر وطني، أو حركة مقاومة، أو دعوة، أو ما شابه، وكان من العبارات الرائجة، تلك التي تتحدث عن أكل الثورة أبناءها، أو أن الثورة يصنعها الشرفاء ويسطو عليها اللصوص، وهكذا.. يظلّ هذا النموذج الفتّان قائما، وكما قيل: “من كان مستنا فليستن بمن قد مات”، وأن “الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة”، فكم تغيّر الأحياء الشرفاء، وكم تبدلت الرجال نفسها، أو بغيرها. وفي ظروف كهذه، يبزغ إلى الناس نموذج معاكس تماما، يسعى إلى الواجب ولا يسأل حتى عن حقّه، ينظر إلى الإمام ولا يلتفت إلى ما رتع فيه الناس، وهؤلاء في خطّ دائم يضيئون ما أظلم، ويراكم بهم الله التغيير المستور عن المُظلِمين. ثم إنّك كثيرا ما تجد أن التاريخ قد انفتحت بواباته فجأة ساعة يأس الناس، وإنما ذلك بفضل بعض من هؤلاء الذين يعبدون ربهم ساعة الهرج، ويقومون ساعة القعود، ويمضون ساعة التخلف.

في ظروف كهذه، يبزغ إلى الناس نموذج معاكس تماما، يسعى إلى الواجب ولا يسأل حتى عن حقّه، ينظر إلى الإمام ولا يلتفت إلى ما رتع فيه الناس

اليوم، كانت تتحدث الأخبار عن اعتقال الاحتلال للسيدة أم “عاصف” من بلدة كوبر قرب رام الله، واعتقال بعض أقاربها معها، وكان بعض آخر من أقاربها اعتقل من قبل، كما استشهد ابنها “صالح” منذ وقت قريب، وقد اتهم بتنفيذ عمليات ضدّ الاحتلال، واعتقل ابنها “عاصم” الذي قيل إنّه دفن بندقية طوال اعتقاله لدى الاحتلال، ثم خرج لينفذ بها عملية بعد 14 عاما على دفنها، ثم ليعود إلى المعتقل. وأمّا زوجها فهو الرجل الذي ما عرف شيئا قدر معرفته بالسجون، وها هو فيها مجددا بعد عمليات ولديه، فيمكننا أن نتخيل الآن هذه العائلة المنكوبة بكل أشكال ملاحقات الاحتلال وأذاه!

هذا نموذج، لعائلة من الأحياء، نسأل الله لها الثبات والأجر والسلامة، هذا النموذج، مما تعالج به يد العناية الإلهية اختلالات العالم، وتداوي به جراحات المكلومين، وتردّ به الضعفاء الشاردين، وهم شوكة باقية في حلق الظالمين، أيّا كان شكلهم ولونهم..

عربي 21 

شاهد أيضاً

ورشة البحرين توحد الفلسطينيين

خالد معالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *