الثلاثاء , أغسطس 20 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / فارس بارود شهيد مدفن الأحياء الجديد

فارس بارود شهيد مدفن الأحياء الجديد

وليد الهودلي


كنت شاهدا في ليلة الموت في مشفى الرملة، عاد المسن رزق العرعير بعد عملية قلب مفتوح إلى مشفى الرملة، أصروا على إجراء هذه العملية في الهزع الأخير لحبسته، سبع وعشرون سنة تبقى لموعد حريته ستة شهور، رفضوا إطلاق سراحه وأبو واستكبروا وعتوا عتوا كبيرا، كانت ليلة حزينة، هبط ظلامها عنيفا في صدور الأسرى، ساءت حالته، تحشرج صدره واضطرب قلبه طارقا جدران حبسته بآخر ما يملك من قوة وعزم، لم يسمع أحد من الإنس أو الجان طرقات الخزان وبقي يصارع الموت وحده في لهيب الهاجرة وخلف الجدران.

أخرجوه من المشفى وقلوب المرضى في حناجرهم ينظرون ويترقبون، غابوا ساعة من زمانهم الكئيب وعادوا يطلبون شرشفا أبيض، حركة تُفهم الأسرى بأن صاحبهم قد أصبح في ذمة الله، وكأن صاعقة عاتية قد ضربت ما يسمى مشفى الرملة في حينها، لم نعد قادرين على الكلام أو حتى الوقوف على أقدامنا، لاذ كل منا إلى مسك دموعه في مآقيها خشية من شماتة السجان، شخصت مشاهد خروجه جثمانا مسجيا على حمالة إسعاف ثم كيف سيستقبله أولاده وأحفاده، وكيف سيشيع جثمانه وسط محبيه، ونصور أيضا صورة هذا العدو الذي لا يرف له جفن وهو يمعن في الانتقام من مسنّ قضى شطر حياته في السجن، ويوغل في تعميق روح العداء لدى الفلسطيني بكل الطرق الشنيعة التي يمارس فيها ساديته المفرطة.

عشرات الضحايا خرجت من ذات الخيمة، إهمال طبي مبرمج يودي بالقتل البطيء، ويرسم مشهد الجنازة بين عيني ودماغ كل أسير، جريمة مفتوحة تصب على رؤوس مرضانا حيث كان آخر الشهداء فارس بارود بعد أن أمضى ثمان وعشرين سنة، ورزق العرعير بعد أن أمضى سبع وعشرين سنة، وما بين الشهيدين، تسعة عشر سن وبينهما شهداء، والسؤال: ماذا فعلنا بها لأسرانا المرضى؟ في حينها بجهدي المتواضع أشعلت شمعة في عمق ظلام الاحتلال بإصدار كتاب مدفن الأحياء الذي رصد شواهد حية من الأسرى المرضى، ثم تحول إلى فيلم بعد عشر سنوات.

في الفيلم رصدنا قصة الشهيد جعفر عوض، وتجربة الأدوية لصالح شركات إسرائيلية إلى أن يخرج من السجن في الرمق الأخير من حياته المعذبة، ويستشهد سريعا بعد أن فعلت أدويتهم القاتلة فعلها في جسده.

فارس بارود صعقة جديدة لكل من كان له قلب، صعقة جديدة، علها تطلق فعلا أو متابعة صادقة وجريئة لهذا الملف الذي أمعنوا فيه قتلا وتعذيبا، فارس تجرّع الموت طويلا مع كل حبة دواء قبل أن يلقى موتته الأخيرة، مع كل فحص (يعمل خارج السجن في غضون ساعات) يستغرق عدة سنوات ليفلحوا أخيرا بتشخيص المرض، ولكن بعد فوات الأمر واستفحال المرض.

لن نصف ولن نستطيع تقدير حجم الألم الذي اجتاح جسده المعذب، فمن معرفتنا بشواهد حية كثيرة ندرك تماما أنهم أذاقوه سوء عذابهم، لم يقتلوه بسرعة فيريحوه، ولم يعالجوه بإنسانية لا وجود لها في قواميسهم، روحه لعنة تطاردهم وتدق ناقوس الخطر لمرضانا هناك، هؤلاء لا يعرفون إلا لغة واحدة لأنهم لا يعترفون بإنسانية غيرهم، هم البشر وغيرهم أفاعي وصراصير لا تستحق منهم إلا السحق والتعذيب.

لقد آن الأوان أن يفتح هذا الملف على مصراعيه عالميا وعلى الصعيدين الإعلامي والقانوني في كل المحافل الدولية ذات الاختصاص. يبقى بعد هذا الكم الهائل من شهداء الإهمال الطبي المبرمج: من وكيف؟

كل من يقدر ولا يفعل على المستوى الرسمي وغير الرسمي فإنه يرتكب جريمة قد لا تقل عن جريمة المحتل.

المركز الفلسطنيي للإعلام 

شاهد أيضاً

الانتخابات، وليس سواها، تقف وراء السياسة الإسرائيلية تجاه غزة

د. عدنان أبو عامر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *