الأربعاء , مارس 20 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / حكومة “عباس- إشتية” أولويات مفقودة وأهداف ضيّقة

حكومة “عباس- إشتية” أولويات مفقودة وأهداف ضيّقة

جبريل عودة


تستمر قيادة السلطة بالنهج الانفصالي في إدارتها للشأن السياسي الفلسطيني، وتواصل الانسلاخ عن واقع الصراع الحقيقي في فلسطين، وتصر على الغوص في وحل التخبط اللامتناهي, وهي تنفرد بعيداً عن الكل الوطني، وتهرب في وادٍ سحيق لا ينتمي لتطلعات شعبنا الوطنية، عبر خطوات تساهم في زعزعة الصف الفلسطيني، وتعمل على إحباط كل محاولات رأب الصدع وإنهاء الانقسام السياسي، ولعل مردّ ذلك إلى العقلية الإقصائية التي أحكمت السيطرة على مؤسسات المنظمة، وتزعم التمثيل للشعب الفلسطيني في حين أن الكل الفلسطيني يعلن جهاراً نهاراً معارضته لكل الخطوات والإجراءات، التي تقوم بها القيادة السياسية المتنفذة والمتحكمة في القرار الفلسطيني الرسمي.

حكومة جديدة تم الإعلان عن تشكيلها بقرار من الرئيس محمود عباس، وهي الحكومة الثامنة عشرة في سلسلة حكومات السلطة الفلسطينية، وسط مقاطعة وإعراض الكثير من الفصائل الفلسطينية الوازنة عن المشاركة فيها، رغم كمية الإغراءات المادية التي عُرضت على الفصائل والأحزاب من أجل الانضمام إليها، حيث ترى الفصائل الفلسطينية أن الواجب الوطني يحتم علينا التداعي نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية، تكون وليدة اتفاق وطني أو تطبيقاً للاتفاقيات والتفاهمات السابقة، مهمتها الرئيسة تهيئة الأوضاع المناسبة من أجل إجراء الانتخابات الشاملة (مجلس تشريعي، ومجلس وطني، ورئاسة).

الشخصية التي وقع عليها التكليف بتشكيل حكومة السلطة، كما كان متوقعاً هو السيد محمد إشتية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ومعروف بمواقفه المعادية لقطاع غزة؛ حيث يرفض تخفيف الحصار ووقف العقوبات، حيث قال في مقابلة مع تلفزيون فلسطين التابع للسلطة، بأنه يرفض التعاطي المصري الإنساني مع قطاع غزة، معللا موقفه ذلك بأن أي إجراء لتخفيف الحصار هو بمثابة تنفيس لإجراءات السلطة القمعية ضد أهالي قطاع غزة، التي تهدف إلى تفجير الأوضاع الداخلية في قطاع غزة.

قيادة السلطة عزمت أمرها ولن تتراجع عن سياسة التفرد؛ حيث تريد إجراء انتخابات تشريعية فقط، وبالمناسبة هذه الانتخابات لن تكون تعبيراً عن إرادة الشعب الفلسطيني الحقيقية، في حال تم إجراؤها وسط حالة الانقسام وغياب الوحدة الفلسطينية التي تشكل ضمانة حقيقية لإجراء انتخابات نزيهة وتكون نتائجها مقبولة من جميع الأطراف.

في قراءة خطاب التكليف للسيد إشتية، نرى أن المهمات التي اُنيطت بالحكومة، يسيطر عليها الإرباك والتخبط في الأولويات الوطنية. في هذا الظرف التاريخي الذي تمر به قضيتنا الوطنية، يصر رئيس السلطة محمود عباس على تشكيل حكومة ذات لون واحد وذات أهداف غير مجمع عليه فلسطينياً. واللافت أن أول أهداف حكومة (عباس– إشتية) هي العمل على ما يسمى باستعادة قطاع غزة إلى الشرعية، عن أي شرعية يتحدث كتاب التكليف؟ هل هي شرعية المقاومة والصمود التي تتقنه غزة وأهلها أكثر ممن صاغ كتاب التكليف ومن وقع عليه أم هي شرعية الوحدة الوطنية التي تمارس عملياً في غزة عبر ميادين المواجهة ضد المحتل الصهيوني (مسيرات العودة، والغرفة المشتركة)، وليست في الخطابات الجوفاء والشعارات المضللة، فالشرعية الفلسطينية الحقيقية تكون لمن يقارع المحتل في غزة والقدس ورام الله، ولن يكون هناك شرعية لمن يقدس التنسيق الأمني ويؤمن بحق الصهاينة بالتنعم بخيرات فلسطين ويسعى لحفظ أمن “إسرائيل” ليعيش شبابها القاتل بأمن وسلام.

ضمن الأهداف الاستعراضية الكاذبة ما جاء في البند الثالث، هو توفير الدعم المعنوي والمادي “الممكن” لضحايا الاحتلال وأسرهم من شهداء وأسرى، في هذا البند تخلٍّ عن تقديم الدعم في حالة عدم الإمكان، والأصل هو التأكيد على أن تقديم الدعم لعوائل الشهداء والأسرى واجب وطني ونهج إستراتيجي لا يمكن التخلي عنه، ويطرح السؤال ماذا عن مئات الحالات من عوائل الأسرى والشهداء الذين حرموا من مخصصاتهم المعيشية ومرتباتهم التي يقتاتون منها؟ لاشك أن استمرار قطع مخصصات هذه الفئة التي تشكل عنوانا للتضحية والفداء يشكل انحرافاً عن المسار الوطني الفلسطيني، ويعتبر طعنة في ظهر الثوار وخذلانا لذويهم الأطهار.

ويأتي البند الرابع من كتاب التكليف، بادعاء العمل على تعزيز ودعم صمود شعبنا وبقائه في أرضه. هل سياسات السلطة في قطع الرواتب للموظفين وعوائل الأسرى والشهداء ووقف الإمدادات الحيوية في قطاع الصحة بغزة تساهم في تعزيز صمود شعبنا في أرضه؟ أم أنها تساهم في محاولات تركيع شعبنا بالجوع والحصار والإجراءات العقابية، في ظل الهجمة الشرسة على القضية وعنوانها “صفقة القرن”، كما أن قمع المقاومة في الضفة المحتلة ومطاردة رجالها ومصادرة سلاحها، واستمرار التنسيق الأمني يزيد من إضعاف شعبنا وسلبه أدوات القوة والمقاومة في الدفاع عن نفسه وأرضه في مواجهة عربدة المستوطنين التي زادت في ظل هذه السياسات العبثية للسلطة وأجهزتها الأمنية، فمن يريد تعزيز صمود شعبنا في أرضه يجب عليه أن يوفر لهم متطلبات الصمود والبقاء وعدم محاربتهم في أرزاقهم، كما يجب عليه دعم وإسناد مقاومتهم في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه الذي يمارسون الاستباحة لكل شيء فلسطيني في الضفة والقدس.

ما يمكن استخلاصه أن هذه الحكومة جاءت من أجل تنفيذ رغبات حزبية ضيقة الأفق، تتنافى مع كل مفاهيم الشراكة الوطنية، تضرب عرض الحائط كافة التفاهمات والاتفاقيات وتعتبر إمعاناً في التفرد والإقصاء والتهرب من استحقاقات الوحدة الوطنية ومتطلبات إنهاء الانقسام عبر الطرق المجمع عليها وطنياً، والتي تشكل مساراً آمناً لاستعادة الوحدة وتحصين القضية من كافة الأخطار المحدقة.

المركز الفلسطيني للإعلام 

شاهد أيضاً

سرقونا وأفقرونا وسلطوا زعرانهم علينا

بروفيسور عبد الستار قاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *