الثلاثاء , يونيو 25 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / صفقة القرن: الشق الاقتصادي لتصفية الشق السياسي

صفقة القرن: الشق الاقتصادي لتصفية الشق السياسي

راسم عبيدات


البعض يعتقد بأن إعلان الإدارة الأمريكية عن انطلاق الشق الاقتصادي لما يعرف بصفقة القرن الأمريكية من العاصمة البحرانية المنامة في أواخر حزيران القادم، تحت شعار خادع ومضلل “السلام من أجل الازدهار”، سيكون المقدمة من أجل طرح الشق السياسي من تلك الصفقة، وهم يوهمون العالم والعرب والفلسطينيين، بأن نجاح هذا الشق سيفتح الآفاق امام حل سياسي للقضية الفلسطينية، محولين بذلك قضية شعبنا الفلسطيني من قضية سياسية لشعب يرزح تحت نير الاحتلال إلى قضية إنسانية، قضية مأكل وملبس وخدمات، وكأن هذا الشعب قدم وما زال يقدم التضحيات الجسام على مذبح الحرية والتحرير منذ الغزوة الصهيونية الأولى لفلسطين قبل مئة عام، لكي ينتهي به المطاف إلى البقاء تحت “بساطير” الاحتلال، ولكي تمرر له حزم من المساعدات والمشاريع الاقتصادية عبر البوابتين الأمريكية والإسرائيلية، وبالتالي السلوك “الجيد” لهذا الشعب تحت الاحتلال يثاب عليه وتقدم له المساعدات والمشاريع الاقتصادية، والسلوك” السيئ” المرتبط بالمقاومة والرفض لسياسات الاحتلال، يعني المعاقبة وعدم تقديم المساعدات والمشاريع الاقتصادية.

وقبل الغوص في التفصيل والتحليل، لا بد لنا من التساؤل لماذا اختارت الإدارة الأمريكية، عقد ورشتها المالية لتصفية القضية الفلسطينية من المنامة وليس من دبي أو الرياض، على غرار المؤتمر الذي عقد في الرياض في 20/ايار/2017، بما عرف بالقمة العربية – الإسلامية – الأمريكية، والتي كان الهدف منه توحيد العالم العربي- الإسلامي خلف زعامة السعودية، وأن يكون هذا الحلف مصطفاً خلف “إمامة” ترامب وخاضعاً للهيمنة والإرادة الأمريكية بالكامل، بحيث يجري تدشين التطبيع العربي مع دولة الاحتلال بشكل علني، وأن يجري تغيير جوهر الصراع من صراع عربي- إسرائيلي جوهره القضية الفلسطينية إلى صراع إسلامي – إسلامي ( سني- شيعي)، بحيث تصبح إيران هي العدو لهذا الحلف والعنوان لهذا الصراع بدل دولة الاحتلال الصهيوني.

اعتقادي الجازم بأن الذهاب والخيار الأمريكي إلى المنامة لكي تكون العاصمة التي ينطلق منها مشروع تصفية القضية الفلسطينية، مرتبط بأن للمنامة تاريخها وسجلها الحافل بالتطبيع والعلاقات مع دولة الاحتلال ما بطن منها في السر وما ظهر منها في العلن، فالبحرين هي من أغلقت مكتب المقاطعة الإسرائيلية في المنامة عام/2006، وهي من أرسلت في ذروة الصراع مع الإدارة الأمريكية حول قرارها بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس في عام2017، وفداً تطبيعيا إلى دولة الاحتلال، والذي حاول زيارة القدس وغزة، ولكن مصيره كان الطرد، ولاحقاً قال وزير خارجيتها خالد بن أحمد أكثر من مرة في عام 2018 ومطلع عام 2019 بأن الأولوية للصراع مع طهران والتكتل والتحالف العربي ضدها، فقضية القدس ونقل السفارة الأمريكية اليها قضية هامشية، ولا ننسى بأن حكومة البحرين والعائلة المالكة آل خليفة، لا تحظى بقاعدة شعبية، وهي بحاجة للحماية الدائمة من أمريكا والسعودية، وهي لذلك ظفرت بهذا “الشرف” العظيم.

هناك من يقول بأنه حتى اللحظة لم يتم إعلان الشق السياسي من هذه الصفقة ولكن كل المعطيات والوقائع تقول بأن الخطوات والقرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية وترجمتها إلى أفعال على الأرض، هي خطوات سياسية، أليس تغيير المرجعيات الدولية الخاصة بالصراع الفلسطيني مع دولة الاحتلال، وما يتصل بها من قرارات دولية متعلقة بالقضية الفلسطينية، ليستعاض عنها بمرجعية أمريكية تشطب وتلغي تلك القرارات، هي خطوات سياسية…؟؟؟

فماذا نسمي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال، وقبر حل الدولتين وتشريع ضم المستوطنات، وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، وشطب وتصفية قضية اللاجئين، حيث كشف مهندس صفقة القرن الأمريكية جيسون غرينبلات في اجتماع قبل أيام لمجلس الأمن الدولي، عن أن الإدارة الأمريكية ستعمل على تصفية وكالة الغوث واللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وستنتقل المسؤولية عن اللاجئين الفلسطينيين إلى الدول المضيفة لهم وكذلك للمؤسسات الدولية غير الحكومية… وهذا يعني الغاء حق العودة لأكثر من نصف الشعب الفلسطيني الذي طرد وشرد قسراً من أرضه بعد نكبة عام 1948 على يد العصابات الصهيونية، وبأن هذه الوكالة يجب أن لا تبقى شاهداً على جرائم الاحتلال، وأن لا تتحمل (إسرائيل) مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية تجاه نكبة شعبنا الفلسطيني، وليس هذا فقط فالرؤية والاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقوم على تجويف قرارات الشرعية الدولية وهدم مؤسساتها وعدم اعطائها صلاحية التشريع، ولكي يصبح الكونغرس الأمريكي هو المشرع بدلاً من المؤسسات الدولية، فعلى سبيل المثال لا الحصر قرارات الشرعية الدولية وحتى الإدارات الأمريكية المتعاقبة، كانت لما قبل إدارة المتصهين ترامب، ترى بأن الحل للقضية الفلسطينية يقوم على أساس دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة لللاجئين الفلسطينيين، وبأن الجولان العربي السوري، هي أراض سورية محتلة، ولكن هذه الإدارة الأمريكية شطبت مرجعيات الصراع، وألغت اعترافها بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، واعترفت بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.

أمريكا وقوى الاستعمار الغربي، منذ بداية زرع هذا الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية، وهي ترعاه وتوفر له كل مقومات الدعم والبقاء والقوة عسكرياً واقتصادياً، وبعد أن نجحت الإدارة الأمريكية في تثبيت دولة الاحتلال، وفي ظل الظروف المؤاتية، والتي يشهد فيها النظام الرسمي العربي، حالة غير مسبوقة من الانهيار، وحالة ضعف فلسطيني سببها التشظية والانقسام، وجدت أن الفرصة سانحة لتطبيع علني وشرعي عربي مع دولة الاحتلال، وهي التي ستكون مشاركة في الورشة المالية في المنامة الى جانب أغلب الدول العربية، وبما يجعل منها قوة إقليمية مهيمنة على المنطقة اقتصادياً وعسكرياً، ولذلك الهدف الثاني لهذه الورشة المالية، بعد الهدف المركزي المتمثل بشطب وتصفية القضية الفلسطينية، هو شرعية الاعتراف العربي بدولة الاحتلال، بحيث تصبح مكونا طبيعيا من جغرافيا المنطقة.

صحيح القيادة الفلسطينية والقوى والفصائل والجماهير الشعبية، تبدي ممانعة ورفضاً لما يسمى بصفقة القرن الأمريكي، وهي العامل الرئيسي في إنجاحها ورفضها، ولا يمكن أن يكون هناك عرس بدون عريس، ولكن الرفض وحده لا يكفي، بل نحن بحاجة إلى البديل، بديل سياسي اقتصادي أمني تنظيمي وكفاحي، بديل يقوم على أساس الإستراتيجية الموحدة، بقبر وتجاوز مرحلة أوسلو والخروج من هذا المسار بشكل نهائي، بما يوقف التنسيق الأمني ويلغي اتفاقية باريس الاقتصادية ويسحب الاعتراف بدولة الاحتلال، ويوجد قيادة قائمة على الشراكة الجماعية الحقيقية في القرار والقيادة قادرة على حمل المشروع الوطني والتصدي لكل المشاريع والمؤامرات المشبوهة المستهدفة تصفية قضيتنا ووجودنا بكل أشكاله.

فلسطين أون لاين 

شاهد أيضاً

​بيئة مناسبة للانتخابات

د.عصام شاور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *