الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / ما بعد العلمانية… العودة إلى الدين (2)

ما بعد العلمانية… العودة إلى الدين (2)

محسن محمد صالح

بناء على ما سبق، يظهر أن الدين في طريقه لاسترجاع مكانته في الحياة العامة بدرجات متفاوتة في العالم، وأن بيئة مجتمعات “ما بعد العلمانية” في العالم الغربي وشرق أسيا وروسيا… مضطرة لإفساح المجال له. ماذا عن العالم الإسلامي؟

العالم الإسلامي:

عند الحديث عن العالم الإسلامي (ومن ضمنه العالم العربي)، فينبغي الإشارة إلى عدد من النقاط التي نذكرها باختصار:

1 ـ إن العالم الغربي استخرج نظرياته السياسية من خلال تجاربه التاريخية والفكرية ومن خلال البيئات الدينية والسياسية التي عاشها؛ وبالتالي فإن تطبيق النظريات الغربية على البيئة الإسلامية يفتقر للأساس العلمي والمنهجي، حيث لا مُقومات مشتركة دينية أو ثقافية أو حضارية أو تاريخية أو سياسية. ولذلك فشلت التطبيقات العلمانية واليسارية في مناطقنا. وإن لم يكن هناك ما يمنع من الاستفادة من علوم الغرب وتجاربه وخبراته، بما يتناسب مع بيئتنا وحضارتنا وهويتنا.

2 ـ إن مسببات الثورة على “الدين” أو عزله عن الحياة العامة، في العالم الغربي، غير منطبقة على الإسلام نفسه. فالإسلام يحض على العلم وعمارة الأرض، وفي الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي لم تكن ثمة ممارسات دينية كتلك التي فعلتها الكنيسة في أوروبا من محاولة لاحتكار العلم والحقيقة، وتكفير العلماء المكتشفين لحقائق علمية وسجنهم ومعاقبتهم. والإسلام دين شامل للحياة وصالح لكل زمان ومكان، ومنسجم مع احتياجات الناس المادية والمعنوية والروحية، ومتوازن في التعامل معها.

وإذا كان ثمة لوم على تخلف مناطق المسلمين فهو يعود أصلاً لبعد المسلمين عن دينهم، ولمنظومات الحكم الفاسدة والمستبدة، ولتراجع دور العلماء في التفاعل الفقهي مع قضاياهم المعاصرة، وتعطل ديناميات تقديم الحلول المناسبة لفترة طويلة من الزمن. ثم إن الثورات وحركات التغيير في مناطقنا الإسلامية عبر التاريخ، كانت في العادة سعياً للعودة للنموذج الإسلامي في وجه الإنحرافات، وليس خروجاً عن هذا النموذج.

في الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي لم تكن ثمة ممارسات دينية كتلك التي فعلتها الكنيسة في أوروبا

3 ـ إن الإسلام بالرغم من كل التحديات والحروب التي يواجهها، وبالرغم من تخلف المسلمين وبؤس أنظمتهم السياسية، إلا أنه ظل في عالمنا المعاصر الدين الأكثر جاذبية للناس، خصوصاً عندما يحلّ في بيئة حرّة. وكما أن الملايين يقبلون عليه في إفريقيا، فإن انتشاره يتسارع في أوروبا وأمريكا، خصوصاً في الأوساط المثقفة. وهو ما يعني أن الإسلام استطاع ان يقدم إجابات شافية للكثيرين من الذين عجزت الأديان الأخرى، والعلمانية ومدارسها المختلفة، عن تقديم إجابات لتساؤلاتهم بالرغم من المستوى العلمي والمادي المرتفع الذي وصلوه.

كما أن الإسلام هو أكثر الأديان نمواً سكانياً في العالم. والمسلمون الذين يبلغ عددهم هذه الأيام نحو مليار و800 مليون، ونسبتهم نحو 24.1% من العالم (مقابل 31.2% للمسيحيين)، ستصل نسبتهم وفق التقديرات المستقبلية إلى نحو 31.1% سنة 2060، لتقترب نسبتهم من المسيحيين المتوقع أن تكون بحدود 31.8%، ولتتجاوزهم عددياً في العقد السابع من هذا القرن.

4 ـ إن الدين أصيل في أعماق شعوب العالم الإسلامي، وما زال له دوره الأساس في منظومة حياتها، بالرغم من فترات الاستعمار الغربي، وبالرغم من عقود من الحكم العلماني والأنظمة السياسية التي حاولت عزل الدين عن حركة الحياة. والشعوب عندما تعيش أجواء الحرية والمنافسة الحزبية العادلة تُقدم بشكل عام الإسلام وقيمه والتيارات التي تَحمله إلى صدارة العمل السياسي؛ لأنها لا ترى تعارضاً بين “الدين” و”السياسة”؛ مع إدراك تفاوت درجات الخطاب الإسلامي هنا أو هناك.

الدين أصيل في أعماق شعوب العالم الإسلامي، وما زال له دوره الأساس في منظومة حياتها

5 ـ إن “الصحوة الإسلامية” في عالمنا الإسلامي سبقت ظاهرة العودة للدين في العالم الغربي وباقي دول العالم؛ لأن العلمانية التي فرضتها الأنظمة السياسية كانت فوقية ومصطنعة ومستوردة. و”ظاهرة الصحوة” تعود لسبعينيات القرن الماضي، وهي امتداد لموجات حركة الإصلاح والتجديد التي أخذ العالم الإسلامي يموج بها منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر (الوهابية في الجزيرة العربية، والسنوسية في شمال إفريقيا، والمهدية في السودان، والأفغاني ومدرسته، والنورسية في تركيا، وماشومي في إندونيسيا، والإخوان المسلمين في العالم الإسلامي، والجماعة الإسلامية في القارة الهندية، وجمعية العلماء في الجزائر… وغيرها.

وفي الإطار الشيعي الحركة الدستورية (المشروطية)، والثورة الإسلامية في إيران… ولم يكن المسلمون بحاجة للخوض في مائتي سنة من التجارب العلمانية للعودة للدين، إذ إنه ظل حاضراً بقوة في هويتهم وثقافتهم ووجدانهم، بالرغم من المحاولات التي قامت بها الأنظمة لتغييبه قسرياً، ومحاولات تطويع بعض جزئياته لمصلحتها.

وتشير دراسة ذكر بعض معطياتها تقرير المستقبل، الذي سبقت الإشارة إليه، إلى أن نحو 93% من سكان ما يعرف بـ”الشرق الأوسط” مسلمون؛ وأن ما بين 78.4% إلى 97.3% من أبناء بلدان هذه المنطقة يصفون أنفسهم بأنهم متدينون أو متدينون إلى حدٍّ ما (لبنان 78.4%، تونس 80.8%، الجزائر 88%، فلسطين 92%، المغرب 92.2%، مصر 96.6%، الأردن 97.3%).

6 ـ كما أن الإسلام كان له دور أساس (إن لم يكن الدور الأساس) في الحفاظ على هوية الأمة، وفي مواجهة الاستعمار ودحره من بلدان المسلمين، ومكوناً رئيساً من مكونات الحركات الوطنية القطرية التي ناضلت من أجل الاستقلال؛ فما زال فاعلاً في مواجهة المشروع الصهيوني، وما زال سداً في مقاومة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وما زالت المقاومة ذات الأيديولوجية الإسلامية هي الأكثر فاعلية في المقاومة المسلحة، وما زال ارتباط الأمة بالأقصى والقدس وفلسطين سبباً أساساً في عدم شعور الكيان الإسرائيلي باستقرار أركانه، وفي الأمل المستقبلي بمشروع نهضوي وحدوي تحرري ينهي الاحتلال.

***

وأخيراً، نقول لأولئك الذين يُصرّون على تطبيقات سياسية معادية للدين في المنطقة الإسلامية، وإلى عزل الإسلام والتيارات الإسلامية عن الحياة السياسية؛ إنه آن لكم أن تكفوا عن المحاولة، فالإسلام أصيل في أعماق هذه الأمة. ثم إن تلك النظريات والرؤى التي تستندون إليها قد سقطت في معاقلها، وأصبحت الاتجاهات السياسية تبحث عن مرحلة  “ما بعد العلمانية”… فمن باب أولى أن تتصالحوا مع الأمة وعقيدتها، وأن تبحثوا عن الآليات الأنسب ليعود للإسلام دوره الحضاري النهضوي الفعال في صناعة تاريخ الأمة ومستقبلها.

عربي 21 

شاهد أيضاً

اعترِف بمشكلة الفلسطيني في لبنان قبل أن تصف لنفسك طريقة حلّها!

د. أسامة الأشقر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *