السبت , مايو 30 2020
الرئيسية / آراء وتحليلات / تقدير موقف.. حكومة نتنياهو غانتس ماذا تعني؟

تقدير موقف.. حكومة نتنياهو غانتس ماذا تعني؟

ناصر ناصر


تم الاتفاق بين بيني غانتس ونتنياهو على تشكيل حكومة وحدة بعد سنة من التطورات أهمها: الإنذار الذي وجهه نتنياهو لبيني غانتس بوقف التفاوض على تشكيل حكومة وحدة إن أصر حزب أزرق- أبيض بقيادة الرباعية التي يترأسها غانتس وتضم لبيد ويعالون وأشكنازي، على انتخاب مائير كوهين من جماعة لبيد رئيساً للكنيست بدلا من ادلشتاين المستقيل يوم الأربعاء بهدف التهرب من الاستجابة لأمر المحكمة العليا لعقد جلسة انتخاب رئيس جديد للكنيست، وعلى خلفية رفض شركاء غانتس (لبيد ويعالون ) التصويت له لتولي منصب رئيس الكنيست بدلا من كوهين كحل وسط يضمن على الأقل استمرار التفاوض مع نتنياهو.

على الرغم من عدم وضوح أو عدم الاتفاق نهائياً على بنود وتفاصيل حكومة الوحدة، فالأكيد أن نتنياهو سيكون رئيسا للحكومة أولاً، ونائبه غانتس، وسيكون أشكنازي وزيرا للدفاع، وغانتس وزيرا للخارجية، وقد يحدث تناوب بينهما، وستعود رئاسة الكنيست لحزب الليكود، أما القضاء والإعلام فمن نصيب حزب غانتس وغالبا لكامل مدة الحكومة، وقد يكون الخاسر الأكبر من ذلك هو ليبرمان، وقد أثار الاتفاق ضجة كبيرة؛ فاليمين رحب، واليسار اتهم زعيمه السابق بالخيانة وسرقة أصوات ناخبيه لمصلحة نتنياهو.

بغض النظر أكانت دوافع بيني غانتس للانضمام للحكومة بالتناوب مع نتنياهو أولا دوافع وطنية، أي لإنقاذ الدولة من ورطتها السياسية أم شخصية ضيقة أم واقعية سياسية، لأن خيار الانضمام هو الأقل سوءا وهذا المرجح، بغض النظر عن عدم وضوح كافة التفاصيل للاتفاق وبعيدا عن صيحات الانكسار الصادرة عن تيار الوسط-يسار وكل من راهن على سقوط نتنياهو، إلا أن قرار غانتس شكل منعطفاً هاماً ومصيرياً فأخرج “إسرائيل” من ورطتها السياسية مؤقتاً على الأقل وستكون له تداعياته الواضحة على دولة الاحتلال وعلى الشعب الفلسطيني الخاضع لويلاته، فما هي أهم هذه التداعيات؟

على الصعيد الداخلي فسوف تتمتع الحكومة باستقرار معيّن، فهي مدعومة من 74 عضو كنيست على الأقل، وهي تمثل فعلا توجهات الجمهور اليهودي المسيطر والسائد في “دولة إسرائيل”، فما يمثله نتنياهو وتحالف اليمين حريديم من قيم وثقافة سياسية هو جوهري وضارب في أعماق المجتمع الإسرائيلي، فالتوجه نحو مزيد من التطرف القومي الديني الاستيطاني هو استمرار طبيعي من المتوقع أن يستمر لدولة استعمار استيطاني كولونيالي، ويبدو أن غانتس أدرك ذلك جيداً، وقرر التوجه لحكومة وحدة ولم تكن أزمة كورونا إلا مبررا إضافيا أمام معارضيه، وعليه فمن غير المتوقع أن ينتهي مستقبل نتنياهو قريبا، بل قد تكون هذه الحكومة هي حبل النجاة (النهائي) لاحتمالات محاكمة نتنياهو والقضاء على مستقبله السياسي.

شكّلت هذه التطورات كاشفاً آخر لزيف الديموقراطية الإسرائيلية المزعومة؛ فقد استطاع شخص واحد يسمى نتنياهو، ومدعوما بالكامل من أحزاب اليمين واليمين الديني والحريديم، ورغم تقديم لوائح اتهام ضده بقضايا فساد خطيرة كالغش والخداع وخيانة الأمانة، استطاع نيل أصوات غالبية الجمهور اليهودي وتجاوز كل مؤسسات الدولة الأخرى كالقضائية والشرطة والإعلام، فأي ديموقراطية هذه وأي ليبرالية؟ وقد يحاول غانتس أن يظهر كمن يدافع ويحمي الديموقراطية أمام تغول اليمين.

أما فلسطينيا فقد يشكل انضمام غانتس للحكومة عاملا محفزا لمسار التهدئة مع غزة، بل قد يحرم عناصر أكثر تشدداً كنفتالي بينت وايليد شاكيد وأعضاء من الليكود من الفيتو الذي كانوا يستخدمونه ضد بعض الخطوات لمصلحة الفلسطينيين في غزة كالتسهيلات الإنسانية والمضي قدما في تحقيق تقدم جوهري في ملف تبادل الأسرى وإعادة الجنود الإسرائيليين من غزة.

أما على صعيد السلطة الفلسطينية والتي كانت ترغب بسقوط نتنياهو وفوز تحالف وسط-يسار، فسيسعى غانتس ودون نجاح على الأرجح بتعزيز العلاقة معها ومحاولة تحريك مسار وهمي للتفاوض، وربما يكبح أيضا خطوات وإجراءات ضدها، وقد يدفع باتجاه تقوية موقفها في غزة، إلا أن الواقع الذي تشكل على الساحة الفلسطينية في الضفة والقدس وغزة أقوى من قدرة غانتس ذي الـ 15 مقعدا على التأثير الحقيقي فيه، وخاصة في ظل كتلة الـ 58 مقعدا لليمين حريديم، وفي كل الأحوال فلن يكون غانتس عامل تطرف جديدا للحكومة، بل ولأول مرة منذ عقود ينضم للحكومة عنصر أقل تشدداً وتطرفاً.

مما لا شك فيه أن تشكيل حكومة نتنياهو غانتس سيحرك بعض المياه الراكدة في العلاقات الفلسطينية الاضطرارية مع دولة الاحتلال، ولكنه لن يؤثر جوهريا على سياسات الاستيطان والحصار وتهويد القدس والقمع اليومي للفلسطينيين، وبالتالي يجب ألا يؤثر على استمرار تطوير مقاومة الشعب الفلسطيني لهذا الاحتلال.

ولأن الحكمة ضالة المؤمن فليتعلم الفلسطيني من عدوه المحتل كيف يتوحد رغم الفجوات الكبيرة في المواقف السياسية، وكيف دفع غانتس-على الأرجح -مستقبله السياسي الداخلي ثمنا للخروج المؤقت على الأقل من ورطة وأزمة الانقسام الإسرائيلي.

المركز الفلسطيني للإعلام 

شاهد أيضاً

اطردوا “إيمي بالمور” !!

عماد الإفرنجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *