السبت , نوفمبر 28 2020
الرئيسية / آراء وتحليلات / المصالحة الوطنية الفلسطينية بين الواقع والتنظير

المصالحة الوطنية الفلسطينية بين الواقع والتنظير

أحمد الحيلة


دارت أحاديث، وعُقدت محاضرات وندوات، وكُتبت مقالات كثيرة بشأن المصالحة الوطنية الفلسطينية، تفسّر أسباب تعثرها، وتحاول دفع القائمين عليها حث الخُطى نحوها، لا سيّما مع تعاظم التحديات أمام الفلسطينيين وخاصة صفقة القرن الترامبية.

ومنذ انعقاد المؤتمر الصحفي (2 تموز/ يوليو) بين نائب رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” السيد صالح العاروري، وأمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح” السيد جبريل الرجوب، ولاحقا اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بين رام الله وبيروت في 2 أيلول/ سبتمبر، يحاول العديد القول بأن المسار في هذه المرّة مختلف عن سابقاته، وأن “طرفي الانقسام” الأساسيين اليوم باتا أكثر قناعة بأهمية إنجاز المصالحة الوطنية، بعد تعرّض مشروع التسوية لانتكاسة عظيمة بانسداد مساراته المحتملة، وبعد أن أصبح مشروع المقاومة يراوح مكانه وغير قادر على امتلاك زمام المبادرة، ناهيك عن تعرض القضية الفلسطينية لمحاولة الشطب أو الاختزال بفعل سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية والأمريكية، بدءا من الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، وانتهاء بتهيئة الأجواء للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على نحو 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، ما يعني فقدان الفلسطينيين عمليا لخيار إقامة الدولة ذات السيادة وعاصمتها القدس.

على هذه الخلفية المنطقية في التفسير، مع تأكيد قيادة حركة “فتح” أن موقفها في هذه المرة لن يتغير ولن يتبدل حتى لو جاء الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض. كل ذلك خلق تفاؤلا مشوبا بالحذر.

الآن ومع اقتراب جو بايدن إلى البيت الأبيض، بعد أن فاز بأغلبية أصوات المجمع الانتخابي، ازدادت مساحة التساؤلات حول مستقبل المصالحة؛ بمعنى هل فعلا حركة “فتح” ماضية في مسار المصالحة، أم إنها ستغير موقفها بالاستدارة مجددا إلى المفاوضات السياسية، على اعتبار أن بايدن ليس مُغْرَما بصفقة القرن ولا بسياسة سلفه الرئيس ترامب؟

في هذا السياق، وبعد الأخذ بالتصريحات والمواقف الإيجابية والمتفائلة للفصائل الفلسطينية، لا سيّما حركتي “فتح” و”حماس”، لا بد من استحضار العديد من العوامل في البيئة السياسية لفهم مدى واقعية التنظير لمسار المصالحة وفرص نجاحه بعيدا عن الرغبات أو التفاؤل والتشاؤم، دون التشكيك في نوايا هذا الطرف أو ذاك. ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: واقعية الحديث عن المصالحة يفترض التأكيد أن رئيس السلطة محمود عباس ما يزال مسكونا بالمفاوضات مع الاحتلال، وبأنه مستعد لاقتناص أية فرصة متاحة، وهذا ما عُبّر عنه في أكثر من محطة؛ لا سيّما كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (25 أيلول/ سبتمبر)، التي دعا فيها لعقد مؤتمر دولي مطلع العام 2021 بهدف “الانخراط في عملية سلام حقيقية على أساس القانون الدولي”.

ثانيا: لا بد من استحضار حالة الانقسام داخل حركة “فتح”، فهناك قطاع سياسي مُعْتَبَر، بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية لا يرغب في التقارب مع حركة “حماس”؛ لأن ذلك يعني في تقديرها تراجع حضور حركة “فتح” ومشروعها السياسي (المفاوضات) لصالح فكرة المقاومة الشاملة، وهذا يعني تقدم حركة “حماس” في الضفة الغربية بالإضافة لقطاع غزة، ناهيك عن فتح أبواب منظمة التحرير الفلسطينية، لإعادة تشكيلها وفق رؤية سياسية وطنية جديدة، ولإعادة هيكلتها وتكوينها بما يتناسب مع ميزان القوى الذي قد يميل إلى خيار المقاومة الشاملة، هذا إذا سلّمنا بأن الانتخابات ستجري حقيقة ودون معوقات أو دون محاصصة مسبقة.

ثالثا: إذا أخذنا بعين الاعتبار مواقف الدول العربية، فإننا نجد بأن الدول التي تتمتع نسبيا بحضور وتأثير على القضية الفلسطينية بعد تراجع دور سوريا، والعراق، والسودان، والجزائر.. هي السعودية، والإمارات، ومصر، وهي دول عمليا تجاوزت سقف المبادرة العربية للسلام (قمة بيروت 2002)، وتجاوزت الطرف الفلسطيني بانتقالها من مربع العداوة أو الخصومة إلى مربع السلام والتطبيع والشراكة مع الاحتلال الإسرائيلي. وهذا يعني أن تلك الدول لن ترحّب بصعود حركة “حماس” ولا بخيار المقاومة الشاملة، ولا بتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية الذي سيشكل عبئا سياسيا عليها، هي بغنى عنه، خاصة أنها تمر في مرحلة تقديم استحقاقات تثبيت الحكم أو القيام بأدوار في الإقليم بالتعاون مع واشنطن و”تل أبيب”. ومن المعلوم بالضرورة أن لدى هذه الدول العديد من أوراق القوة المؤثرة سياسيا واقتصاديا على الفلسطينيين، وسلطتهم الوطنية.

رابعا: موقف الاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكيا؛ فالاحتلال مسيطر عسكريا وأمنيا على الضفة الغربية ومعابرها، ناهيك عن حصاره المتواصل لقطاع غزة منذ العام 2007، وهو قادر على التدخل لوقف الانتخابات، كما هو قادر على الضغط اقتصاديا بحكم سيطرته على عائدات الضرائب، التي تشكل نحو 67 في المئة من عائدات السلطة الفلسطينية، ناهيك عن تحكّمه بحركة الاستيراد والتصدير من وإلى الضفة الغربية، التي تجري بأغلبها مع الاحتلال نفسه (يصدّر الاحتلال للسلطة نحو 55 في المئة من احتياجاتها، ويستورد نحو 85 في المئة من صادراتها). وهذا يكفي لإثارة الفزع لدى السلطة الفلسطينية وقياداتها، خاصة مع استحضار نموذج قطاع غزة المحاصر.

خامسا: الملف الفلسطيني محتكر أمريكيا وبدعم أوروبي على المستوى الدولي، ولا تستطيع أي قوة حتى اللحظة الدخول على هذا الملف لتشكيل مظلة بديلة، فالصين وروسيا الاتحادية كما لديهما علاقات مع الفلسطينيين، لديهما علاقات ومصالح أكبر مع الإسرائيليين، علاوة على أنهما لا يشعران بأي تهديد قد يلحق بمصالحهما المنتشرة في المنطقة العربية، بل العكس هو الصحيح. ومن ثم وفقا لهذه المعادلة، فإن تلك الدول لا تتدخل إلا بقدر يسير من باب تسجيل الحضور وعدم المس بمصالحها التي تميل كفتها مع الكيان المحتل.

هذا كلّه لا يحول دون وقوع المصالحة الوطنية، شرط توفّر القناعة وقبول التحدي والاستعداد لدفع الثمن؛ فمسار المصالحة ليس مجرد إجراءات سياسية هيكلية، أو اقتصادية وإدارية، أو اجتماعية وعائلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. مسار المصالحة يُشكّل معركة عسكرية وأمنية واقتصادية مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، ومعركة سياسية واقتصادية مع العديد من دول الإقليم النافذة والمطبّعة مع “تل أبيب”، ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية، جمهورية كانت أم ديمقراطية.

وعليه، فمن الراجح أن السلطة الفلسطينية وقطاع عريض داخل حركة “فتح”، وخاصة بعد الانغماس 30 سنة في المفاوضات وفي إفرازات أوسلو السياسية والمؤسساتية، ليسوا جاهزين لهذه المعركة، وليسوا مستعدين بعد لدفع الثمن الذي يُشكّل – في تقديرهم – تهديدا كبيرا لمصالحهم لأسباب عديدة ذاتية وموضوعية، ليس محل ذكرها الآن.

هذا الثمن أيضا يشكل عبئا ثقيلا على حركتي “حماس” والجهاد الإسلامي والعديد من القوى والفصائل الأخرى، ولكن بحكم أن هذه القوى عموما ليس لديها الكثير لتخسره بحكم عيشها في تنّور المواجهة والحصار، يبرز لديها القابلية أكثر من “فتح” لدفع استحقاقات المصالحة الوطنية، التي قد تخلق لها فرصا ومكاسب أكثر من التحديات والخسائر.

استنادا لما سبق، يمكن القول بأن الظروف الموضوعية لنجاح مسار المصالحة الوطنية غير متوفرة حتى اللحظة، ولا أراها متوفرة قريبا، ومع ذلك لا بد من العمل والمحاولة مرّة ومرّة، فإن لم نستطع الإنجاز الآن، فلا أقل من تخفيف الآثار السلبية وتعظيم الآثار الإيجابية والمساحات المشتركة، علّ وعسى أن تتوفر ظروف ومتغيرات تسرّع من الوصول إلى النهاية السعيدة.

عربي21

شاهد أيضاً

عودة المفاوضات دون شروط

د. عصام شاور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *