الأربعاء , أغسطس 4 2021
الرئيسية / آراء وتحليلات / الدولة الفلسطينية على حدود 1967

الدولة الفلسطينية على حدود 1967

د. غازي حمد

 

الحقيقة أن الجزء يمكن أن يتماهى مع الكل، وأن يتمثله تماما؛ وفي كل الأحوال، لدى مقتضيات الضرورة، ومقاربات التاريخ ومفاعيله المختلفة.

وهكذا؛ فإنه يمكن تقدير ذلك وفق أحكام القانون الدولي، ونواميس الطبيعة، والأحكام الدستورية، والنظم السياسية والأعراف القانونية وشرعية أي وحدة سياسية – مهما كان حجمها – لتكون دولة قائدة ورائدة لما تراه كيانها ومهادها مهما اتسع مكانا ومقاما.

وقد آمنت بذلك طائفة كبيرة من فقهاء القانون الدولي في العصر الحديث، أخص بالذكر منهم “أوبنهايم” في سفره العظيم القانون الدولي العام و”اندريه فشنسكي” رائد الدبلوماسية السياسية البلشفية في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم، وآخرين انتصروا لحقوق الثوار في الدفاع والذود عن أوطانهم وفق مقتضيات، وضوابط المجتمع الإنساني، وأعرافه.

تمثلت هذه الشرعة – على الأقل – منذ صلح “فستفاليا” 1648، وانتهاء بحرب الثلاثين عاماً، التي توجتها، في خضم وضع المدماك الأساس في منظومة القانون الدولي في العصر الحديث.

وعليه فإن مشروع إقامة دولة فلسطينية على مساحة 23 % من مساحة فلسطين التاريخية، إلى جانب ما اغتصبته العصابات الصهيونية، بدعم وإسناد بريطانيا، والولايات المتحدة الصهيونية، وغيرها من “عميان” السياسة في القرن العشرين، في ظل عصبة الأمم منذ 1920، وهيئة الأمم المتحدة منذ 1945، والأجواء الملتبسة عالمياً وإقليمياً ومحلياً.

هذه الدولة أو الدويلة المطروحة، منذ نحو ثلاثة عقود كمخرج لحل القضية الفلسطينية، عسى أن يقبل بها الشعب الفلسطيني، وأن يقبل بها الكيان الغاصب (إسرائيل) منذ 1948 و1967.

مدى القبول بهذه الدولة

يبدو أن واضعي هذا المشروع قد ظنوا أن أصحاب الحق الأصليين (عرب فلسطين) في كل فلسطين، قد كلّوا ويئسوا من المطالبة بتحرير أرضهم، وعودتهم إلى مدنهم وقراهم، التي أُكرهوا على الخروج منها عام 1948، و1967. هذا إلى جانب ما تراه الدول الاستعمارية برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أن الكيان الصهيوني (إسرائيل) أنه عامل وظيفي، يخدم المشروع الإمبريالي، في الجشع والهيمنة على مقدرات العالم، إلى غير ذلك.

نعم، إن هذا الطرح لم يحظَ بقبول صريح من الشعب الفلسطيني، ونخبِه القيادية إلا بمقدار “اليأس والخذلان” في الجو الفلسطيني والعربي، وبمقدار ما تسمح به الأطماع الإمبريالية العاتية، التي ما زالت تتمتع بإمكانات وقوة هائلة.

هذا ولا يمكننا أن نغض الطرف، عن البعض من المتخاذلين، والمستسلمين، والمنبطحين، الذين يختلقون شتى المبررات لاستسلامهم، والقبول بالواقع الهزيل؛ الذي وضعوا القضية فيه، على الرغم من وجود الإمكانات – مهما كانت متواضعة – لرفض هذا الواقع المؤلم.

صحيح أن المتمسك بالحق كاملاً في فلسطين كل فلسطين، حالت دون هزائم متلاحقة، لأسباب بات المؤمنون بالحق يعرفونها جيدا؛ واتخذوا الوسائل، بما تيسر، وسلكوا طرقا وسبل جديدة في الدفاع عنها أثبتت جدواها، واستندت إلى قوانين الطبيعة، والشرعية الدولية في تأييدها وإحقاقها.

المهم أن مشروع إقامة دولة فلسطينية، على حدود 1967 بات مطروحا بقوة؛ ولا سيما بعد إفشال مشروع الشرق الأوسط الجديد وإرادة الكيان الصهيوني وذيوله، بديلا للوطن العربي، جغرافيًا وسياسياً.

ومع كل هذا فإنه قد أثبتت منازلة أيار / مايو ملحمة 1111 أن بالإمكان – وبكل تأكيد – تحقيق انتصارات متلاحقة، في ملازمة الحرب التحريرية – ولو على مراحل – لكل فلسطين؛ تتخطى مشروع البقعة الجغرافية، على أقل من ربع فلسطين …

هذا ويقتضي التنويه إلى أن طلائع التحرير، التي خاضت غمار ملحمة سيف القدس و 1111 لها الحق أن تجني ثمار النصر – مهما كانت ضئيلة – في مشروع الدولة الهزيلة هذه؛ مع الأخذ بالاعتبار أن الحرب “سجال” على مدى التاريخ والجغرافية.

أما وإن الكثير من بلدان العالم التي عرفت مشروعات كهذه، فإنه يمكننا تَقَبُّل دولة كهذه – على مضض – على طريق الوصول إلى كامل الوطن، في الجغرافية وتوابعها ومتعلقاتها كافة … وليس من حق أي طرف الاستئثار بها وحده، حتى لو كان هو الطرف الذي يرتضيها بديلا عن كامل الوطن كحل بديل، يهيلُ التراب على بقية “جثة الوطن”.

في مرآة التاريخ

لا بأس أن نمر على صور في مرآة التاريخ، ظلت معبراً لوقائع تذكرنا بهذا…

هذه جمهورية ألمانيا الاتحادية، وريثة التاريخ الثاني منذ 1871؛ التي لَمْلَمَ أطرافها أوتوڨون بسمارك من مملكة “بروسيا” بعيد انتصاره في معركة سيدان على إمبراطور فرنسا نابليون الثالث، وقد أعلنها من قصر فرساي باريس.

يعني هذا أن مملكة بروسيا – من مجموع ما يربو على 360 دولة ودويلة، من بقايا الإمبراطورية الرومانية المقدسة (الناطقة بالألمانية) تعد شبيها للدولة الفلسطينية على حدود 1967، طبعا مع شيء من الفروقات. إن هو إلا مثال ساطع على إمكانية البناء على نظرية تمثل الجزء للكل.

كما يمكن اتخاذ جمهورية ڨيمار 1919 في جزء من ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى، برئاسة فردريك ايبرت المهادن، وانتهاء بأودلف هتلر 1933؛ وقد خاضت الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945 ضمن محور برلين – طوكيو – روما كأقوى دولة في أوروبا، في مواجهة الحلفاء بريطانيا، وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي حيث انتهت بهزيمة دول المحور، وتقسيم ألمانيا الهتلرية إلى شرقية اشتراكية، وغربية يمينية، وقضم أجزاء منها وزعتها فرنسا، في الألزاس واللورين، وهضبة الأرْدِن في الأراضي الواطئة، والدنمارك في شلزڨيغ وهولشتاين، وبولندا في دانتزغ، وشيليزيا وتشيكيا، في السوديت والنمسا في التيرول وغير ذلك، بغية إضعافها، وتقزيم قوتها، بعد أن كانت أقوى القوى العالمية …

ويكفينا في هذا السياق أن نضرب مثالا من قارة آسيا، حيث جاءت ثورة ماوتسي تونغ في البر الصيني لتقضم – على التوالي – أجزاء من جمهورية الصين الوطنية تحت اليمين الراديكالي بقيادة شان كاي تشيك؛ وقد انتهت بطرد هذا اليمين من كل البر الصيني، ونجاح الثورة الشيوعية بقيادة ماو عام 1948، وانكفاء اليمين بقيادة كاي تشيك إلى جزيرة فورموزا، التي تعرف بالصين الوطنية حيث تطالب الصين الشعبية بضمها إلى حضن الصين الأم (الصين الشعبية) تحت قيادة الحزب الشيوعي.

طبعا الصين الشعبية – منذ تم تحرير أول جزء منها – تمثل عموم الصين، والتي هي اليوم إحدى القوى الخمس العظمى في العالم .

هذا والأمثلة كثيرة – هنا وهناك – على نموذج فلسطين على حدود فلسطين 1967 وعليه فإن هذا قديم اتساقه وجوازه بحكم الشرعة الدولية والحقائق التاريخية. وتبقى الدولة الفلسطينية مشروعاً قابلا للتحقيق طوعاً أو كرهاً، وإن استمراره ودوامه يبقيان من مقتضيات وقائع الأحوال.

ونخلص إلى التأكيد ألا يقتصر الانتفاع منه على فئة دون أخرى، والأحداث هي التي تحكم… ألا إن للأحداث بقية.

بقية الكلام

كان لا بدَّ أن أُذَكِّر أن أول “بروڨات” ومشروعات الدولة الفلسطينية قد بدأت ملامحها عام 1948 في أثناء الحرب آنذاك وبعدها، فقد بقيت بعد الهزيمة – النكبة – ثلاث بقاع متفرقة من أرض فلسطين لم تتمكن العصابات الصهيونية من احتلالها تمثل نحو 22% من مساحة فلسطين؛ أولاها : الضفة الغربية  للأردن (أكثر من 5648 كم مربع)، وثانيتها (قطاع غزة) على البحر جنوب غرب فلسطين (360 كم مربع)، وثالثتها منطقة “الحمة” وهي بضعة كيلومترات، ويضم القسم الشرقي وشاطئ بحيرة “طبريا”.

في خضم الأحداث المتتابعة، والاختلافات السياسية من جراء الحرب، والجو المضطرب أعلنت الهيئة العربية العليا لفلسطين في شهر أيار مايو 1948 قيام حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي في غزة بالتنسيق مع جامعة الدول العربية، بغية إدارة الشؤون العامة في غزة، وما غاب عن بال الهيئة بقيادة “الحاج أمين الحسيني” أنها “حكومة”  الدولة تمثل فلسطين انطلاقاً من قطاع غزة – على الأقل – في محاولة متقدمة من مراحل النضال الفلسطيني، لولا اختلاط الأمور مع تطورات الأحداث، وإدارة مصر للقطاع، وانضمام الضفة للأردن (المملكة الأردنية الهاشمية)، أي الضفة الشرقية، والضفة الغربية، الأمر الذي أعاق إقامة دولة فلسطين، كان يمكن أن تكون صيغة متقدمة أكثر من منظمة التحرير، التي ولدت في مهاد جامعة الدول العربية، مع مؤتمر القمة العربية الأول في القاهرة 1964، والقمة الثانية في الإسكندرية، في سبتمبر/ أيلول 1964، وقد تمت إثارة موضوع إقامة دولة فلسطينية على أرض غزة والضفة.

وقد أثارها الرئيس السوري الراحل أمين الحافظ وبتوافق مع الهيئة العربية العليا، والحاج أمين الحسيني، وحكومة عموم فلسطين؛ إلا أن عدم الوفاق بين الرئيس عبد الناصر والقيادة السورية آنذاك قد أجهض – مجرد التفكير – في هذه الاتجاه، ويُذكر أن المرحوم أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير، قد عبر عن أسفه لاصطفافه إلى جانب عبد الناصر في رفض إقامة الدولة الفلسطينية؛ وذلك في مذكراته عقب النكسة، كما يُذكر أن الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بله قد أثنى على ما اقترحه الرئيس السوري أمين الحافظ.

وفي قفزة تالية جاءت المبادرة العربية للملك عبد الله بن عبد العزيز العاهل السعودي إلى مؤتمر قمة بيروت عام 2002 إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب الكيان الصهيوني، وتحقيق السلام معه.

وعليه فقد ظلت الأمور تتلطى في دهاليز الخنوع العربي، والابتزاز الصهيوني دون طائل.

لكن بزوغ فجر انتصارات سيف القدس في أيار/ مايو يقول بلغة أخرى مفهومة على آفاق فلسطين حرة، كل فلسطين، يجأَر بها أبو عبيدة والضيف، وأبناء فلسطين الشرفاء الميامين.

فلسطين أون لاين 

شاهد أيضاً

عزام وأعْيُن غزة

د. عصام شاور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *