السبت , ديسمبر 4 2021
الرئيسية / آراء وتحليلات / في مواجهة غزة: وحدات النخبة في جيش الاحتلال تحولت إلى وحدات مراقبة

في مواجهة غزة: وحدات النخبة في جيش الاحتلال تحولت إلى وحدات مراقبة

إسماعيل فارس 

“الشجاعة، الارتجال، التضحية” أهم المفردات التي تناولها رئيس أركان جيش الاحتلال السابق “أيزنكوت” _ في تحديثاته على استراتيجية الجيش قبيل خروجه من منصبه عام 2018_، جاءت التحديثات بعد عمل أيزنكوت لسنوات على تنفيذ خطته متعددة السنوات التي أسماها “جدعون” والتي كان مرتكزها الأساسي إدخال تعديلات بنيوية على جيش الاحتلال بهدف تحويله لجيش صغير ذكي ومحترف.

حيث خفّض أيزنكوت عدد الجنود النظاميين والاحتياط، جنباً إلى جنب مع توظيف تكنولوجيا عسكرية متطورة تسعى لتحويل جيش الاحتلال إلى جيش رقمي، لكن يبدو أن رئيس الأركان فهم في نهاية ولايته أن ما يحسم المعركة ويحقق الانتصار هو الدافعية للقتال والجهوزية للتضحية، وروح الإقدام والقدرة على مواجهة العدو وجهاً لوجه.

كانت المدة التي شغلها أيزنكوت هي فترة ما بعد حرب عام 2014، والتي يبدو أنها تركت بصماتها الثقيلة على جيش الاحتلال ودافعية الجنود للمواجهة والتي تحطمت على حدود قطاع غزة، وقد كانت شهادات جنود لواء جولاني عن القتال في الشجاعية صادمة، فجنود اللواء كان في مخيلتهم معركة سريعة ينتصرون فيها نصراً ساحقاً، ويخرجون بعدها للترفيه في رحلات حول العالم، لكن الواقع كان مغايراً حيث أن من خرج منهم حياً، ظل يعاني من أزمات نفسية دفعت بعضهم للانتحار كما حدث مع الجندي ايتسيك سعيديان في ابريل الماضي.

وكانت الأيام الأخيرة لأيزنكوت في قيادته لجيش الاحتلال عصيبة، فقد أفشلت كتائب القسام مهمة قوة صهيونية خاصة شرق خانيونس كانت تسعى لزرع أجهزة تجسس على شبكة اتصالات المقاومة، ورغم أن أيزنكوت صرح في أعقاب ذلك أنّه لا يمكن التخلي عن مثل هذه العمليات، إلا أنّه من المتوقع بقاء هذه العملية كـ”جرس إنذار” في حال فكر الاحتلال تكرارها مجددًا.

كل هذ السنوات تركت ظلالها على قوات جيش الاحتلال البرية، ورغم كل محاولات تجاوز المشكلات التي يعاني منها ذراع البر إلا أن جنرالات الجيش وفي مقدمتهم “يتسحاق بريك” مفوض شكاوى الجنود السابق، ظل يؤكد على أن هذا الذراع يعاني من ترهلات وضعف ومشكلات تتعلق بجهوزيته لأي حرب قادمة.

اليوم وخلال معركة سيف القدس، أحجم جيش الاحتلال عن الدخول البري بشكل كامل، حتى أنه لم يحشد قواته على حدود القطاع كما جرت العادة، ولم يستدع إلا عدداً محدوداً من قوات الاحتياط، حتى أنه استخدم تحركات محدودة للقوات البرية لمحاولة خداع المقاومة وتنفيذ ضربة جوية تستهدف الأنفاق داخل القطاع.

بل أكثر من ذلك فقد تحولت وحدات النخبة التي كانت وظيفتها سابقاً “خلق التماس” مع العدو والالتحام معه إلى مجرد تنفيذ وظيفة “المراقبات”،  وهي الوظيفة التي تؤديها المجندات في المراقبة من خلف الشاشات، فقد نشر متحدث جيش الاحتلال بتاريخ 11/5/2021 توثيقاً لما أسماه مهاجمة مقاتلين من وحدتي ماجلان وايجوز لنشطاء أطلقوا صواريخ تجاه المستوطنات، حيث يُعتقد لأول وهلة أن مقاتلي وحدات النخبة في جيش الاحتلال كانوا في مهمة خلف الخطوط وهاجموا المقاومين من نقطة صفر كما هو متوقع من وحدات تحترف خلق التماس، لكن عند مشاهدة الفيديو المرفق تبين أن مقاتلي النخبة يجلسون خلف أجهزة حاسوب على بعد عشرات الكيلو مترات ويوجهون طائرة استطلاع أو صاروخ موجه ينزل من السماء على ما يبدو أنه منصة إطلاق صواريخ.

ربما انشغال ألوية النخبة في أعمال هامشية أثناء القتال يمكن لمجندات الجيش القيام بها هو ما دفع قادة ألوية النخبة للاجتماع بكوخافي بعد انتهاء العدوان للسؤال عن دورهم في الحرب، أو في أي مواجهة قادمة، حيث ادعى بعض هؤلاء القادة أنه حتى في العملية الأخيرة كان من الممكن تفعيلهم للقيام بمهام مختلفة داخل غزة، الأمر الذي رد عليه كوخافي بالقول أن هذا لم يكن ضرورياً وأن عليكم الاستمرار في التحضير لكافة الخيارات في المستقبل.

يمكننا القول أن ذراع البر في جيش الاحتلال والذي من المفترض أن يُلقى عليه العبء الأكبر في أي مواجهة عسكرية غير قادر على تنفيذ وظيفته نتيجة لعدة أسباب:

–       النتائج الثقيلة التي حصدها هذا السلاح في مواجهة حزب الله عام 2006م، وفي مواجهة المقاومة الفلسطينية عام 2008، 2014م، حيث كشفت هذه المعارك عن عجز جيش الاحتلال البري ومع دعم ناري غير محدود من الجو والمدفعية والبحر في تحقيق انجاز حقيقي في مواجهة المقاومة، كما تسببت هذه المعارك بصدمة لدى جنود الاحتلال الذين وجدوا واقعاً جديداً حفر في وعيهم أن زمن الحرب الحاسمة وتحقيق النصر السريع، قد ولّى، وأن الدخول في الحرب اليوم يكلف الكثير.

–        عدم جهوزية جيش الاحتلال وخاصة ذراع البر، والتي جاءت وفق يتسحاق بريك على صورة قرارات أيزنكوت بتقليص أعداد الاحتياط، والاعتماد على فكرة تشكيل جيش صغير محترف، والتي استمر فيها خلفه كوخافي من خلال خطته “تنوفا” وعدم التركيز على جهوزية قوات الاحتياط، في الوقت الذي يتحدث فيه قادة الجيش عن القتال على أكثر من جبهة والذي يحتاج للزخم الذي يوفره جنود الاحتياط.

–       حساسية مجتمع الاحتلال في تقبل سقوط قتلى وأسرى من الجيش، الأمر الذي انعكس على قدرة المستوى السياسي والعسكري على اتخاذ قرار تنفيذ المناورة البرية.

من المؤكد والمسلمات أن الأسلحة البعيدة كسلاحي الجو والمدفعية لا تخلّف سوى أطنان من الركام وعشرات من جثث الأطفال والنساء، ولا تحقق أي نتائج على الأرض أو تحسم المعركة، فمن يريد أن ينتصر ويحسم المعارك عليه أن يقاتل.

شاهد أيضاً

العين الإسرائيلية تحرض على جنين

د. عدنان أبو عامر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *